الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 انشغل الانسان بفنتازيا احتمال وجود حياة على المريخ منذ القدم، لكن الآن يبدو ان البشرية توشك بالفعل على ان تثبت ما اذا كان الهواء موجودا او وجدت في اي وقت من الاوقات حياة على الكوكب الاحمر. وهذا الربيع من المقرر ان تنطلق ثلاث مركبات فضائية قاصدة المريخ. لكن في اكبر تحد لتفوق برنامج الفضاء الاميركي منذ مركبة «سبوتنيك» الروسية، فان شرف اثبات الحياة من عدمها على المريخ لا يتوقع ان ينسب لاحدى مركبات «ناسا» بل لمركبة بريطانية الصنع جمعها عالم انجليزي اشعث الشعر. لم يضطلع برنامج الفضاء البريطاني بدور ريادي منذ ان صعد جيمس بوند الى المدار في فيلم «صانع القمر». لكن في شهر يونيو المقبل سيأخذ مسبار فضائي صغير وغير مأهول يدعى «بيجل 2» قرصنة في سطر صفحة مشرقة في السجل الفضائي البريطاني. العقل الموجه وراء المشروع هو البروفيسور غريب الاطوار كولين بيلينجر، استاذ علم الكواكب في الجامعة البريطانية المفتوحة. ويبدو ان «بيجل» في طريقها لتهزم برنامج ناسا القوي الذي يعتزم ارسال مسباره المريخي التالي في حدود الوقت ذاته. وفي حال نجاحها ستكون بيجل احد اكثر التطورات الحديثة ادهاشا واثارة في سباق الفضاء. وبتوفر موارد مالية بقيمة 60 مليون دولار من مصادر عامة وخاصة، استطاع بيلينجر وفريقه المؤلف من مئات العلماء والمهندسين والمبرمجين تخطيط وتمويل وانتاج مسبار فضائي بحجم حقيبة سفر يزن 43 كيلوغراما من نقطة الصفر. وتبدو نبذة الاعتزاز الوطني واضحة في حديث بيلينجر عندما يقول: «نحن الاوروبيين لا ينبغي ان نستخف بقدراتنا او ان نسمح للآخرين بالتعالي علينا: ان جماهيرنا تستحق الاستمتاع باستعراض مثير كما استمتعت الجماهير الاميركية على مدى العصور الثلاثة المنصرمة. ويبدو ان الجميع يحاول الاشتراك في هذا الاستعراض، فالمركبة «بيجل» ليست سوى واحدة من خمس مركبات فضائية ستقصد المريخ هذا العام. وسيمتطي المسبار البريطاني الذي تبلغ تكلفته 200 مليون دولار مركبة وكالة الفضاء الأوروبية «مارس اكسبريس». التي ستحمل ايضا قمرا صناعيا الى مدار الكوكب يلي ذلك مشروع ناسا لاستكشاف المريخ بتكلفة 650 مليون دولار والذي يتضمن ارسال مسبارين منفصلين. وفي حدود الفترة ذاتها تقريبا ستصل مركبة نوزومي اليابانية بتكلفة 132 مليون دولار الي المدار المريخي لتقوم باختبارات على الغلاف الجوي للكوكب. هذه التكاليف تبدو متواضعة اذا ما قورنت بتكلفة محطة الفضاء الدولية المقدرة بـ 100 مليار دولار. لكن برغم ذلك لماذا يحتاج العالم الى ثلاث بعثات تحمل خمس مركبات فضائية الى المريخ؟ من المؤكد ان المجتمع العلمي كان يستطيع خفض التكاليف لو جمع المال والمقدرات العقلية والتقنية في جهد مشترك واحد. لكن مجد جلب اول بيانات عن الحياة على المريخ يتحدى المنطق المالي. وكما يقول بيلينجر: «لا يوجد انسان في العالم لم ينظر الى السماء ذات ليلة، ويتساءل عما اذا كنا نحن المخلوقات الوحيدة في الكون الفسيح. البعض يقول ان لحظة اثبات وجود أو انعدام الحياة على المريخ ستوازي لحظة اكتشاف ان الارض هي التي تدور حول الشمس في القرن السادس عشر. لكنني شخصيا اعتقد ان الاكتشاف المقبل سيكون اكبر». لكن كيف سيعرف المسبار ما اذا كانت هناك حياة على المريخ؟ ان سطح الكوكب عبارة عن صحراء جافة ومتجمدة وتبدو غير ملائمة لوجود اي شكل من اشكال الحياة. لكن علماء الفلك يقولون ان الكوكب الاحمر كان في يوم من الايام مغطى بالانهار والبحيرات وربما المحيطات. وقد اكتشف قمر ناسا الصناعي «مارس اوديسي» الذي يدور حاليا حول المريخ وجود كميات هائلة من الجليد على عمق بضعة اقدام فقط تحت سطح الكوكب. وسيبحث المسبار «بيجل» عن اي دلائل تشير الى ان تلك المناطق كانت تعيل كائنات حية مجهرية ذات قدرات فائقة تجعلها قادرة على العيش في اعماق الارض تحت درجات شديدة من الحرارة والضغط والسمية، وهي تمثل المستوى الأدنى من اشكال الحياة. وقد تمت دراسة امثلة عديدة لهذه الكائنات على الارض، بما في ذلك عينات حديثة عثر عليها على عمق أربعة كيلومترات تحت السطح في منجم بجنوب افريقيا. وقد بزغت احدى الاشارات الى احتمال وجود حياة على المريخ في عام 1996، عندما اكتشف العلماء ان حجرا نيزكيا مريخيا هبط في المنطقة القطبية الجنوبية يحتوي على ما يبدو انه حياة ميكروبية متحجرة. لكن النتائج غير حاسمة الى الآن، اذ يجادل بيلينجر واخرون بأن اثار الحياة الاحفورية ربما نجمت عن تلوث الحجر على الارض وفي هذه الحالة فهي لا تشير الى وجود حياة على المريخ. وما يميز مهمة «بيجل» عن البقية هو انها ستقوم فعليا باجراء اختبارات على المواد العضوية في التربة المريخية الاصلية. اذا سارت الامور على ما يرام، ستقوم ذراع بيجل الروبوتية بخدش الصخور المجاورة بحثا عن أي اثار غازية او مركبات عضوية او مواد كيماوية متعقدة. كما سيحدث ثقب عميق بسحب عينات تربة من باطن السطح ومن المفترض ان وجود اي شكل من اشكال الحياة في الماضي او في الحاضر سيترك بصمته الكيماوية او الاحفورية داخل الصخرة. وقد طور فريق بيلينجر جهاز معقدا مصغرا لتحليل الغاز، عن طريق تسخين عينات التربة والصخر داخل فرن خاص ومعالجة الغازات الناتجة وتحليلها باستخدام مقياس طيفي. وبتسجيل درجة الحرارة التي ينتج عندها ثاني اكسيد الكربون في العينات المسخنة، يستطيع العلماء قياس وجود نظير كربون معين يشير الى وجود الحياة. وستجري اختبارات اخرى للتحري عن وجود الميثان، لأن الكائنات المجهرية التي تعيش في الظروف القاسية التي تعرف باسم «اكسترميوفايل» تزود نفسها بالطاقة عن طريق تفكيك ثاني اكسيد الكربون الى ميثان. وعلى السطح يتدمر الميثان بسرعة بسبب التفاعلات الكيماوية، لذلك فاذا اكتشف المسبار «بيجيل» ولو حتى مستويات ضئيلة جدا من الميثان، فان ذلك يعني تواصل امدادات الميثان، وسيكون التفسير الارجح لذلك وجود نشاط بيولوجي. لا شك ان المهمة محفوفة بالمخاطر، فمعروف عن المريخ انه يستقبل زواره ببيئة عدائية صعبة، وهو ما يفسر نجاح عشر مهام فقط من اصل 31 مهمة الى الكوكب الاحمر. لكن لو قدر لأي من البعثات الفضائية المقبلة ان تكسر الحظ العاثر، ربما تنال شرف فك لغز محير اسر ألباب البشر منذ القدم. واذا كان هذا المجد من نصيب «بيجل» ستعيش بريطانيا لحظات تاريخية غير مسبوقة عندما ينحني العالم بأسره ليضع اكاليل الغاز على مسبار بيلينجر الصغير. علي محمد