الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 اذا ما جرت منافسة على لقب «القرار الأكثر حمقا»، فيخيل لي انه يجدر احالته الى قرار «المطبخ المصغر» القاضي بمنع وفد فلسطيني من السفر الى لندن للبحث في الاصلاحات السلطوية في السلطة الفلسطينية. فالمطلب لاجراء مثل هذه الاصلاحات لم يصدر عن اسرائيل. وبالعكس، فان اتفاق اوسلو قام بقدر كبير على الافتراض بأن ياسر عرفات ورجاله سيفرضون في السلطة الفلسطينية نظاما دكتاتوريا، «بدون محكمة عدل عليا وبدون بتسيلم»، كتعبير اسحق رابين، وحتى بعد اندلاع الانتفاضة، لم تهتم اسرائيل بوسائل ادارة السلطة الفلسطينية. وزعماء اسرائيليون، وعلى رأسهم رئيس الوزراء شارون، ادعوا بأن «عرفات غير ذي صلة». ولكن السبب وراء ذلك كانت مباركته للعنف وليس سلوكه غير الديمقراطي. فكرة الاصلاحات في السلطة الفلسطينية هي فكرة اميركية في أصلها، وهي ثمرة السذاجة الاميركية النموذجية، وضغوط المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة وتطلع ادارة بوش الى ان تظهر كمن يؤيد تقدم الديمقراطية في كل العالم. وانضمت الدول الاوروبية الى هذا المطلب ولكن ليس بحماسة كبيرة، بل من منطلق التفهم بأنه لن يكون ممكنا التقدم نحو حل النزاع في الشرق الاوسط بدون تأييد اميركي، والذي بدا متعلقا بفكرة الاصلاحات. أما اسرائيل من جهتها فقد فهمت القيمة الدعائية الكامنة في الفكرة وأيدتها على طول الطريق. ومؤخرا تجندت بريطانيا لهذا الجهد، ورئيس وزرائها توني بلير بادر الى عقد المؤتمر المذكور في لندن - بمشاركة مندوبين من كل الدول العربية، ومندوبين فلسطينيين. وعندها شرعت اسرائيل في ارتكاب سلسلة من الأخطاء. فقد ادعت من جهة بأنه يجب دعوة مندوبين اسرائيليين الى المؤتمر ايضا، رغم ان مثل هذه الخطوة كانت ستفشل المؤتمر قبل افتتاحه. ومن جهة اخرى ادعت بأنه لا جدوى من المؤتمر، لأن عرفات اختار المندوبين الفلسطينيين «ومن كان ينبغي له ان يفعل ذلك: شارون؟ ليبرمان؟ مارزيل؟» في بداية الاسبوع عثر أخيرا على الذريعة المنقذة: العمليتان في المحطة المركزية القديمة في تل ابيب. فقرر شارون - موفاز - نتانياهو بأنه بالتوازي مع الهجوم الاسرائيلي على غزة «رغم ان المهاجمين خرجا من نابلس» سيعاقب الفلسطينيين بعدم السماح لمندوبيهم بالسفر الى بريطانيا. وردت حكومة جلالتها بغضب، وأعرب وزير الخارجية الاميركي باول عن تحفظه على القرار بكياسة. وحتى لو انه لم يكن ثمة منذ زمن بعيد ما يمكن البحث فيه عن المنطق في القرارات الاسرائيلية والعسكرية والسياسية، فان القرار الحالي شاذ في غبائه. فعلاقاتنا مع بريطانيا هي على شفا الازمة منذ عدة شهور. وقد فرض البريطانيون حظرا على تصدير المعدات الامنية الى اسرائيل. وانتقادهم للسياسة الاسرائيلية، علانية وفي المحادثات الخاصة، حاد للغاية، بقدر لا يقل عن انتقاد فرنسا. فلماذا يضاف الزيت على النار؟.تعتمد اسرائيل، حتى الآن، على التأييد الاميركي شبه المطلق، وهي تفسره بأنه «شيك مفتوح» للتصرف كما يحلو لها. وهذا تفسير غير صحيح منذ اليوم، والسخافة التي ينطوي عليها ستتكشف أمام الجميع بعد الهجوم الاميركي على العراق والذي سيجري بمساعدة نشطة من بريطانيا، وربما فرنسا ايضا، وبتأييد سلبي من الدول العربية. وفي أعقابه من المتوقع ضغط سياسي كبير على اسرائيل. لا يوجد أي سبب يدعو الى تعكير علاقاتنا مع الاوروبيين، ومشاركة مندوبين فلسطينيين في اجتماع لندن لن يمس بأي شكل بالمصالح الاسرائيلية. ان على أحد ما في اسرائيل ان يصحو ليجد السبيل نحو القرار السليم. بقلم: رامي طال _ عن «هآرتس»