الاربعاء 12 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 15 يناير 2003 على عكس الاسطورة التي صاغها بعناية بالغة صحفيون وكتاب، فإن جهاز الموساد الاسرائيلي ليس افضل جهاز سري في العالم ولا شك بأنه قد حقق عددا من النجاحات لكن اخفاقاته لا يستهان بها، واذا كانت الشهرة الكبيرة التي نالها هذا الجهاز الصغير قد حجبت الحقيقة جزئيا فإن هذا يعود بالدرجة الاولى الى انه كان له دور كبير في نزاع سلطت عليه الاضواء الاعلامية اكثر من غيره من النزاعات خلال الخمسين عاما الاخيرة، وهو نزاع يثير اهتمام العالم كله، كما تلفه شحنة قوية من الانفعالات والعواطف. واذا كان لا يستهان بجهاز الموساد فإنه بالمقابل، لا يرقى الى مصاف الاجهزة السرية الغربية الكبرى التي تمتلك امكانيات هائلة للقيام بعمليات الاستخبارات وفي كل الاتجاهات بسبب الدور العالمي الذي تلعبه بلدانها، اما الجهاز الاسرائيلي فإنه يركز نشاطاته حصرا تقريبا على العالمين العربي والاسلامي، وخاصة على الاوضاع السياسية والعسكرية للبلدان المجاورة، لكنه في الوقت نفسه يتمتع بورقة فريدة اذ انه يستطيع ان يوظف في صفوفه عناصر يهودية من عراقيين او سوريين او انجليز او فرنسيين او اميركيين او المان .. الخ لا سيما عندما يكونون من مواليد البلدان المعنية هم او اهاليهم وهذا ما تشير اليه بوضوح القصص العديدة عن جواسيس اسرائيليين وصولا الى مراتب عليا في البلدان التي عملوا بها او استطاع بعضهم استغلال بعض المصادر تحت «عنوان زائف» بحيث ان أصحاب هذه المصادر أعتقدوا أنهم كانوا يعملون لحساب أجهزة سرية أميركية أو اوروبية أو حتى عربية وليس لصالح الموساد. بداية مبكرة بدأت عمليات التجسس الاسرائيلية قبل عام 1948 بعدة عقود من الزمن، وبالتحديد مع قيام الحركة الصهيونية التي أسسها الصحافي اليهودي تيودور هرتزل، وكان أغلبية أعضائها في البداية من اليهود الروس .وبدأ المهاجرون اليهود الى فلسطين منذ بدايات القرن العشرين وحيث لم يكن عددهم يتجاوز الأربعين ألف شخص بتشكيل منظمة سريّة كان أعضاؤها أولاً من اليساريين المتطرفين الذين جمعوا حولهم أعداداً من المهاجرين اليهود الجدد الى فلسطين، وخاصة من روسيا وبولندا. وقد اشترت هذه المنظمة الأسلحة، وقامت بعمليات استخبارية، وفي عام 1903 لجأت المنظمة الى العنف ضد السكان العرب، وأخذت منذ عام 1909 تسمية «هاشومير» التي كان في عداد أعضائها الرئيسيين طالب اسمه ديفيد بن غوريون. ومع انطلاق الحرب العالمية الأولى أصبح لليهود في فلسطين منظمة تضم أول شبكة استخبارات قامت بتقديم خدمات جليلة للانجليز، لكن انكشاف أمر هذه المنظمة أثار سخط الباب العالي العثماني. وشهدت فترة ما بين الحربين العالميتين انتعاش المشاعر القومية العربية وصدامات متكررة مع اليهود. وفي هذا السياق تشكلت منظمة «الهاغانا» عام 1920 والتي كانت الأصل الذي قام على أساسه فيما بعد الجيش الاسرائيلي، وفي عام 1921 تأسست ضمن اطار نشاطات «الهاغانا» أول مدرسة للضباط المتخصصين بالعمليات الاستخبارية والذين تشكلت منهم بعد خمس عشرة سنة منظمة «شاي» التي كانت بمثابة أول جهاز استخبارات وليس مجرد شبكة امتلكتها المنظمة الأولى ـ يهودي يعمل بالتعاون الوثيق مع الوكالة اليهودية لخدمة اسرائيل، حيث كانت تلك الوكالة بمثابة «رأس الحربة». وقد أصبحت منظمة «شاي» بسرعة المصدر الرئيسي للمعلومات الخاصة بالعالم العربي وسياسات بلدانه. وقد شاءت الصدف أن تكون جميع الخطوط الهاتفية المهمة التي تربط المدن العربية في الشرق الأوسط تمر عبر فلسطين، الأمر الذي استفاد منه الانجليز باعتبارهم قوة الانتداب المعيّنة من قبل جمعية الأمم المتحدة كي يسترقوا السمع الى كل ما يجري من مكالمات هاتفية. لكن نقص العاملين الانجليز ذوي الكفاءات باللغة العربية دفعهم الى استخدام خمسة من اليهود كانوا جميعهم من أعضاء منظمة «شاي» اليهودية السرية. كانت الوكالة اليهودية ومنظمة «الهاغانا» ذات توجهات «يسارية» على عكس المستوطنين اليهود المتطرفين الذين كانوا لا يتوانون في توجيه تهمة «التقاعس» للمنظمتين المذكورتين. وضمن هذا السياق تشكلت في نهاية عقد الثلاثينيات الماضي منظمتان «متنافستان» داخل «الهاغانا» أطلقت الأولى على نفسها تسمية «المقاتلين من أجل حرية اسرائيل» لكنها اشتهرت باسم زعيمها بمجموعة «شتيرن» و«المنظمة العسكرية القومية». وكان لكل من هاتين المنظمتين دائرة مختصة بالاستخبارات. وكان «للمنظمة العسكرية» علاقات مع نظام موسولينيني في ايطاليا ومع النظام الديكتاتوري الذي كان قائماً في بولندا، بل انه كان لها مراكز للتدريب في كل من ايطاليا وبولندا. ثم جرى تشكيل «الموساد» كمنظمة لمساعدة الهجرة الى فلسطين وتنظيم (تهريب) اليهود الاوروبيين، وخاصة الالمان منهم الى فلسطين. وقد تفاوض بعض عناصر «الموساد» مع الجهاز السري النازي نفسه والذي كان العديد من قادته يعتقدون ان أفضل وسيلة لـ «التخلص» من اليهود تتمثل بتسهيل هجرتهم. وقد كان المفاوض الرئيسي للموساد في ألمانيا هو أدولف ايخمان المسئول آنذاك عن الملف اليهودي في الجهاز السري النازي. وقد كان من نتيجة هذا التفاهم «الغريب» ان هاجر ألوف اليهود الى فلسطين التي كان «ايخمان» نفسه قد زارها في اطار احدى جولات «المفاوضات» لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 أوجد أوضاعاً جديدة كان من نتائجها وقف هجرة اليهود من أوروبا لعدة سنوات. وكان «ايخمان» نفسه قد تعامل بطريقة اخرى تماماً مع الملف اليهودي حسب تعليمات أدولف هتلر. أما منظمة «الهاغانا» فقد ساهمت هي نفسها في الحرب العالمية الثانية الى جانب «الحلفاء»، إذ قامت بتشكيل «الكتيبة اليهودية» في اطار الجيش الانجليزي. بل تم اسقاط 34 مظلياً يهودياً في الاراضي اليوغسلافية وأوروبا الوسطى للقيام بمهمة تنظيم عملية «انقاذ» اليهود الذين نجوا من النازية وايضاً من أجل تقديم المعلومات الاستخبارية للندن. وقد لقي خمسة مظليين ومظليتان (امرأتين) حتفهم على يد القوات الالمانية بعد أسرهم. نضوب «الجواسيس» مع قيام اسرائيل في 15 مايو 1948 ذابت منظمة «الهاغانا» في اطار الجيش الاسرائيلي، بينما تم في 30 يونيو 1948 تشكيل أربعة أجهزة استخبارية اسرائيلية متمايزة، أولاً جهاز «الاستخبارات العسكرية» الذي أخذ فيما بعد على عاتقه مهمة التجسس على «الجيوش المعادية». ثم جهاز «الاستخبارات العامة» المعروف بـ «شين بيت» والذي اختص بالأمن الداخلي الاسرائيلي. كذلك تم في اطار وزارة الخارجية انشاء «دائرة سياسية» مهمتها جمع المعلومات الخارجية «غير العسكرية» وأخيراً جهاز الموساد. وقد عرفت أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية المختلفة ممارسات قمعية وتعسفية منذ بداياتها إذ كثيراً ما اتضحت براءة «خائن» كان قد تم اعدامه وتعذيب «مشبوهين» وتلفيق أدلة كاذبة لملاحقة الخصوم السياسيين واغتيال «مخبرين» عرب. كما كانت هناك خلافات كبيرة بين الادارة المركزية وممثليها في الخارج. كان المسئولون في الادارة يتهمون عملاءهم بالميل الى العيش الرغيد وممارسة تجارات ممنوعة، بينما كان هؤلاء العملاء يتهمون الادارة بعدم قدرتها على فهم الذهنية الاوروبية. وفي مارس 1951 أعلن أغلبية العملاء في اوروبا اضرابهم، ووصل الأمر ببعضهم الى حرق الارشيف الذي كانوا يمتلكونه. ضمن هذا السياق تمّ حل «الدائرة السياسية» في وزارة الخارجية وأنشيء «معهد الاستخبارات والمهمات الخاصة»، ومنذ 20 سبتمبر 1952 جسّد جهاز «الموساد» بصيغة جديدة استمرت 30 عاماً أحد أنشط أجهزة الاستخبارات في العالم، وكان قد تولى رئاسته آنذاك المدعو «ايسير هاريل» الذي دُعي بـ «ايسير الصغير» لتمييزه عن «ايسير بيري» الرئيس السابق للجهاز. كانت معلومات أعضاء «الموساد» مأخوذة من الكتب، لكنهم تمرسوا على أعمال التجسس عبر المهمات العملية الكثيرة التي قاموا بها. وقد بقيت اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية موزعة بين ثلاثة فروع رئيسية هي الاستخبارات العامة «الشين بيت» والاستخبارات العسكرية «امان» والموساد. وتقترب مهمة «الشين بيت» كثيراً من تلك التي يمارسها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، أي مكافحة التجسس والأعمال التي تستهدف الداخل. أما «امان» فإنه مكلف بالاستخبارات العسكرية ويشرف على نشاط الملحقين العسكريين الاسرائيليين في السفارات بالخارج، كما يدير عمليات التنصت الهاتفي الالكتروني، وتتبع لهذا الجهاز القوات الخاصة عندما تقوم بعمليات استثنائية في البلدان «المعادية». وبالنسبة للموساد فإنه يشرف على جمع المعلومات وادارة النشاط في الخارج من دون الاعتماد على وحدات عسكرية منظمة. وكي تكتمل اللوحة ينبغي الحديث عن «الفرقة الخاصة» التابعة للشركة والتي تتداخل بعض نشاطاتها مع نشاط الاستخبارات العامة «الشين بيت»، وذلك على غرار تداخل جهاز «ام.آي 5» و«الفرع الخاص» في بريطانيا. ان جميع اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة برئيس الوزراء، الذي يعمل معه عدد من المستشارين الخاصين ـ للاستخبارات ومكافحة الارهاب والشئون السياسية والشئون العسكرية، كما يمكن لرئيس الوزراء استشارة لجنة تنسيق مؤلفة من رؤساء مختلف الأجهزة الأمنية، وهي لجنة معروفة باسم «قاراش» وتجتمع مرة على الأقل كل اسبوع في تل أبيب. وإذا كانت أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية قد حققت عدداً من النجاحات، فإنها عرفت أزمات كبيرة، لكن هذا لا يمنع واقع انها تحظى بصورة ايجابية لدى الاوساط السياسية الاسرائيلية ولدى المجتمع عامة، كما تحظى بالدعم المطلق تقريباً من رئاسة الوزراء. الموساد وتقرير خروشوف في ليلة 24 فبراير 1956 وأثناء انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، طُلب من الوفود الاجنبية اخلاء القاعة ليبقى فيها الـ 1436 مندوباً من عموم مناطق الاتحاد السوفييتي السابق. لم يكن هؤلاء يدركون انهم سوف يستمعون بعد قليل الى احدى أهم الوثائق في تاريخ بلادهم خاصة في تاريخ الحركة الشيوعية بشكل عام. ففي هذا المساء صعد السكرتير الأول للحزب نيكيتا خروشوف الى المنصة كي يلقي عليهم تقريراً سرياً، حيث كشف خلال ساعات عن بعض الجرائم التي ارتكبها ستالين. وفي ساعة متأخرة من تلك الليلة توجه موظفون في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي بوفود يتألف كل منها من شخصين، الى مقرر رؤساء الوفود الشيوعية الاجنبية، حيث أوقفوهم وسلّموا كل واحد منهم حقيبة مغلقة بـ «قفل» وتحتوي على «وثيقة في غاية الأهمية»، ولم تكن تلك الوثيقة سوى صورة عن تقرير خروشوف. ولقد وقّع رئيس كل وفد التزاماً باعادة الوثيقة صباح الغد الى مبعوث اللجنة المركزية. لكن تم تفويض كل رئيس وفد بابلاغ رفاقه بمضمون الوثيقة شريطة عدم تصويرها أبداً. مع ذلك في وقت لاحق من العام نفسه قامت الصحافة الغربية بنشر متقطفات من ذلك التقرير السري. فكيف تم تسريب تلك الوثيقة؟ لقد ساد الاعتقاد طويلاً بأن المخابرات المركزية الاميركية هي التي حصلت على صورة من تقرير خروشوف في بولندا. لكن هذه المعلومة خاطئة، فإذا كان الجهاز الأميركي هو الذي قام بالفعل بنشر تلك الوثيقة فإنه ليس هو الذي حصل عليها، وإنما كان ذلك من فعل جهاز الموساد الاسرائيلي. ولم يكن قد بذل في الواقع جهوداً كبيرة من اجل ذلك إذ تضافرت عدة ظروف وقصة حب صغيرة لتحقيق مثل ذلك العمل. في مطلع شهر مارس من عام 1956 ذهب الصحافي البولندي الشاب ذو الأصل اليهودي لزيارة صديقة حميمة له هي «لوسيا برانوفسكي» التي كانت تحتل مرتبة عالية في هرم الحزب الشيوعي البولندي، وعلى مكتب لوسيا كان هناك ملف يحمل عبارة «سري جداً.. خطاب الأمين العام خروشوف». بعد عقود من الزمن روى ذلك الصحافي ما جرى. قال: «لقد اجتاحتني موجة عنيفة من الفضول، وأخذت الملف بيدي وقلت للوسيا: هل أستطيع ان ألقي نظرة؟ فأجابتني بأن الأمر يتعلق بوثيقة من أكثر الوثائق سرية، وطلبت مني وعداً بأن أعيدها لها عند الساعة السابعة والدقيقة السادسة عشرة كي تستطيع اعادتها للصندوق المغلق». منذ أن بدأ فيكتور غرييفسكي ـ هذا اسم الصحافي البولندي الشاب ـ القراءة أدرك انه يحمل شحنة ديناميت بين يديه. وبعد هنيهة من التفكير قام بالتنكّر والتوجه الى السفارة الاسرائيلية حيث قام بتصوير تقرير خروشوف. وعندما تلقى الموساد الوثيقة أدرك خطورة هذا النجاح ـ غير المنتظر ـ الذي حققه، وقد اعطاه ذلك الفرصة ليبرهن للاستخبارات المركزية الاميركية على انه جدير بالقيام بأعمال موفقة جداً. واجهت واشنطن في البداية المسألة بحذر، واعتقدت ان الاسرائيليين يريدون خداعها، لكن المؤرخ وعميل الاستخبارات الاميركية راي كلين وصل بعد فحص دقيق للوثيقة الى القول انها مكتوبة بالفعل بيد الشخصية السوفييتية الأولى، وانها تمثل النص الذي قرأه اثناء مؤتمر الحزب في 24 فبراير 1956. وبعد ان تم نشر بعض المقتطفات في الصحافة الغربية قامت صحيفة «نيويورك تايمز» بنشر تقرير خروشوف كاملاً، بعد ان كانت الاستخبارات الأميركية قد اشترت نسخة منه بمليون دولار أميركي. أما فكتور غرييفسكي الصحافي البولندي الشاب، فتدل آخر المعلومات المتوافرة عنه انه يعيش في اسرائيل التي كان قد هاجر اليها بعد عدة أسابيع فقط من نقله تقرير خروشوف السري الى السفارة الاسرائيلية بوارسو. تراجيديا ايخمان كان هم ايسير هاريل الرئيسي في مطلع الستينيات من القرن الماضي هو ملاحقة النازيين، وعلى رأس هؤلاء أدولف ايخمان أحد مسئولي النظام النازي المهمين. وفي مطلع عام 1957 وصلت لجهاز الموساد الاسرائيلي معلومات تدل على ان ايخمان يقيم مع أسرته في الارجنتين بعد أن كان قد تخفّى لفترة من الزمن في المانيا، وهكذا توجه فريق من عشرين شخصاً من عملاء الموساد و«الشين بيت» الى الارجنتين، كما وصل اليها في الوقت نفسه ايسير هاريل الذي كتب فيما بعد: «لقد ضمت بعثة ايخمان متطوعين فقط، إذ لم يكن رجالي يقومون بتلك المهمة بدافع المغامرة وإنما على أساس الاقتناع بأن اعتقاله يعد مهمة وطنية وانسانية». لم يكن مألوفاً، بالطبع، أن يكون رئيس الموساد نفسه موجوداً على مسرح العملية، ولكن صعوبة تلك المهمة ـ حيث لم يكن مطلوبا قتل ايخمان وإنما اعتقاله واستقدامه لمحاكمته أمام محكمة اسرائيلية ـ وما يترتب عليها من عواقب سياسية ودبلوماسية دفعت «هاريل» الى الذهاب بنفسه للارجنتين. كان ايخمان يعيش مع أسرته في حي «سان فرناندو» تحت اسم «ريكاردو كليمنت» لكن سرعان ما تم التعرف عليه. في البداية تصوّر عملاء الموساد انهم على خطأ. كيف؟ هل يمكن لهذا الموظف المتواضع الذي يعيش مع أسرته عيشة هادئة أن يكون ايخمان المخيف؟ هذا مستحيل! مع ذلك، وفي 11 مايو 1960 كان ايخمان في قبضة أولئك الذين كانوا أكثر من يخشاهم، وفي 22 مايو عند الساعة السابعة والنصف صباحاً وصلت الطائرة التي تقله الى اسرائيل. في اليوم التالي صرّح ديفيد بن غوريون رئيس وزراء اسرائيل آنذاك أمام الكنيست بقوله: «لقد قبضت أجهزة الأمن في اسرائيل على أدولف ايخمان.. وستتم محاكمته قريباً من قبل محكمة اسرائيلية. وبتاريخ 31 مايو عام 1962 تم تنفيذ حكم الاعدام بأدولف ايخمان. حكاية إيلي كوهين كانت ليلة 17/18 مايو 1965 طويلة جداً بالنسبة لرئيس جهاز الموساد الاسرائيلي، لقد كانت ليلة كابوسية بالنسبة لجميع قادة الموساد الذين كانت انظارهم معلقة على شاشات التلفزة في مكاتبهم بتل أبيب، ذلك انه على بعد مئات الكيلومترات فقط، وفي العاصمة السورية دمشق كان يتم شنق رجل عرفه أصدقاؤه العرب باسم كامل أمين ثابت، ولكن كان الاسرائيليون يعرفون انه «ايلي كوهين». ان ما توصل اليه هذا العميل كان بمثابة أحد النجاحات الكبرى التي حققتها اجهزة التجسس الاسرائيلية. ايلي كوهين من مواليد 16 ديسمبر 1924 بمدينة الاسكندرية، وكان قد بدأ حياة العمل السري منذ عام 1948 مع الأجهزة السرية الاسرائيلية ضمن اطار مجموعة من «الهواة» تم الكشف عنها، وقد وصل الى اسرائيل عام 1957 لينخرط بعد عامين في أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية. وقد كان مدربه الملقب بـ «الدرويش» قد أدرك مبكراً كفاءته. وكان هذا الدرويش قصير القامة، كث الحاجبين والشاربين، بحيث لا يمكن لمن يراه على التلفزيون أن ينسى صورته. لكن رجل الظل هذا كان حريصاً على ألا يصوره أحد. لقد كان أحد مسئولي المنظمة الارهابية اليهودية المعروفة باسم «شتيرن» ودخل جهاز الموساد عام 1948 حيث قام بتنفيذ العديد من العمليات، لكنه شرع بعد ذلك بممارسة العمل السياسي حيث تخلى عن «لقبه» ليعمل باسمه الحقيقي وهو اسحاق شامير. استمر تدريب كوهين على مهمته سنة كاملة وأمضى عدة أشهر بعدها في بوينس ايرس بالارجنتين كي يقوي علاقاته مع الجالية العربية الكبيرة والنافذة هناك، وهناك ايضاً تعرف على الملحق العسكري في السفارة السورية أمين الحافظ الذي قدر فيه وطنيته الصادقة. وبتاريخ 10 يناير 1961 وصل ايلي كوهين الى سوريا باعتباره عادل كامل ثابت، من مواليد بيروت، وان كان يحمل الجنسية السورية. بعد وصوله بفترة قصيرة الى دمشق أصبح كامل أمين ثابت يتردد على القصر الرئاسي، حيث كان أمين الحافظ، الملحق العسكري السوري السابق في السفارة السورية بالارجنتين رئيساً للجمهورية بعد انقلاب عسكري. ومن أصدقاء ثابت الآخرين العقيد سليم حاطوم قائد المظلات في سوريا والذي كان يصطحبه معه غالباً في جولاته التفتيشية. وقد زار كوهين مرات عديدة هضبة الجولان واستمع الى «خطط لتدمير العدو الاسرائيلي». وقد تعود كامل أمين ثابت التقاط صور تذكارية حيثما ذهب، واطلع على منصات مدافع عيار 122 التي يمكن لقذائفها أن تصل الى مدى 20 كيلومتراً داخل اسرائيل وايضاً على منشآت مدافع 130 الأكثر خطورة عليها، لقد كان رجلاً متنبهاً، إذ أعرب عند زيارته للجولان عن قلقه بسبب الحرارة الخانقة التي تشهدها الملاجيء السورية، لذلك طلب بغرس أشجار تقي الجنود من الحرارة الشديدة. هذه الأشجار استفاد منها الاسرائيليون في حرب الأيام الستة حيث ركزوا عليها قصف مدفعيتهم ضد الدفاعات السورية في هضبة الجولان. بدا كامل أمين ثابت رجلاً غنيا يغدق الهدايا على أصدقائه وودوداً يستمع بـ «أخوة» للقصص التي كان يكررها أصحابها مئات المرات عن أعمالهم العسكرية الفذة. لكنه كان كثيراً ما يبدي ما يعاني منه من صعوبة الفهم عندما يتعلق الأمر بالمسائل العسكرية على أساس انه لم يكن عسكرياً أبداً، مما كان يدعو محدثيه للاسهاب في عرض التفاصيل الدقيقة كي يستوعب خصوصيات الدفاع السورية. وفي ساعات الصباح كان كوهين يبرق لاسرائيل بما لديه من معلومات تغطي الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية السورية لتصل الى «طاولة عمل» ديفيد بن غوريون نفسه. وفي شهر نوفمبر 1964 وبحجة القيام ببعض الأعمال التجارية في أوروبا ذهب كوهين الى اسرائيل لحضور ولادة ابنه الثالث ومقابلة الضباط الجدد المسئولين عنه. ولم يخف أمامهم حالة القلق المستمر التي يعيشها، لكنه أصرّ على متابعة مهمته، هكذا عاد الى دمشق، حيث تم اعتقاله بعد عدة أسابيع فقط في شهر يناير من عام 1965. فيما بعد تبين ان سقوطه كان بسبب تضافر سلسلة من الأحداث الصغيرة، فقد اشتكت السفارة الهندية المجاورة لمنزله من تشوش اصداراتها بالشفرة عدة مرات، حيث تعرف التقنيون على ارسال غامض كان يتردد بانتظام عند الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وكان مصدره دائماً هو شقة كامل أمين ثابت. عند استجوابه اكتفى كوهين بترديد قوله: «اسمي ايلي كوهين، وأنا جندي اسرائيلي، وفي 18 مايو 1965 تم شنق كوهين في ساحة الشهداء بدمشق، حيث توجه جمهور كبير لمشاهدته معلقاً، وقد رفضت السلطات السورية باستمرار تسليم جثته على الرغم من العروض الاسرائيلية الكثيرة. الآري وولفغانغ لوتز بتاريخ 22 فبراير 1965 وليس بعيداً عن اهرامات القاهرة، قامت الشرطة السرية المصرية باعتقال «وولفغانغ لوتز» الالماني ومالك مزرعة لتربية الاحصنة، وكانت الاستخبارات السوفييتية قد ساعدت المخابرات المصرية للكشف عن جهاز الارسال الذي يملكه «لوتز». وعند التحقيق اعترف بأنه قد ساعد الاستخبارات الاسرائيلية لأسباب مادية. لم يكن ذلك يعبر سوى عن نصف الحقيقة. كان يريد بذلك ان ينقذ رأسه عبر تقديم نفسه كمجرد مرتزق. لكن في الواقع كان «لوتز» يعمل لحساب جهاز الموساد، وكان ضابطاً اسرائيلياً. وفي نهاية عام 1959 أراد جهاز الموساد تمرير أحد عملائه الى مصر، وكان ميجور زيف غور ـ ارييه المولود في مانهايم لأب مسيحي وأم يهودية، وقد هاجر معها الى فلسطين منذ وصول هتلر الى السلطة في ألمانيا. كان «آرياً» حقيقياً طويلاً أزرق العينين أشقر، يتحدث لغة «غوتة» بطلاقة.. وبالمحصلة كان يملك كل المواصفات التي تسمح له بتقديم نفسه على انه ألماني. وصل لوتز الى القاهرة في شهر يناير 1961 بعد ان قدّم نفسه كضابط سابق في الكتيبة الافريقية التي قادها رومل في الصحراء خلال الحرب العالمية الثانية. بدأ بالتردد على دوائر الطبقات العليا من المجتمع، حيث تعرف عليئعسكريين كبار، وكان ذلك بمثابة مصدر معلومات ثمين بالنسبة لتل أبيب التي كان لها في مطلع عقد الستينيات الماضي جاسوسان على أعلى المستويات في العاصمتين اللدودتين الرئيسيتين، أي القاهرة ودمشق. لقد شارك لوتز في حملة الضغط على العلماء الألمان الذين بنوا منصات صواريخ في مصر قادرة على اصابة المدن الاسرائيلية، فبواسطة التهديدات والرسائل المفخخة تم دفع التقنيين السابقين في جيش الرايخ الألماني الى مغادرة مصر، لكن العملية أثارت فضيحة دولية بعد ان تسببت رسائل مفخخة بجروح خطيرة لسكرتيرة أحد الاختصاصيين الألمان مما أضطر «هاريل» للاستقالة. وفي يونيو 1961 التقى لوتز في فرنسا بالفتاة الألمانية الجميلة «والثرود» وتزوجها متناسياً ان له زوجة تنتظره في اسرائيل. وقد لا يكون من المستبعد تماماً أن تكون هذه الفتاة بمثابة غطاء اضافي لنشاطه. بكل الحالات فقد شاركت بنشاط في عمله التجسسي. لقد صدر على لوتز وزوجته الألمانية حكم بالسجن مدى الحياة، لكن تم اطلاق سراحهما بعد ثلاث سنوات عندما استطاع «مائير اميت» رئيس الموساد الجديد ادراج اسميهما في قوائم تبادل السجناء بعد حرب يونيو 1967. تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف