الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 اجرت مجلة «نيويوركر» حوارا مؤخرا مع الكاتب الصحافي سيمور هيرش، تناول فيه الاخير وجهة نظره عن عدد من القضايا العالمية الراهنة والمنهج الذي تتبعه الادارة الاميركية الحالية تجاه هذه القضايا واعرب هيرش خلال الحوار عن اختلافه الشديد مع توجهات الادارة الاميركية الراهنة وبخاصة الطريقة التي تتعامل بها مع قضايا الامن القومي. وفي مايلي النص الكامل للحوار: ـ حدثنا عن طبيعة مقالتك الاخيرة التي كتبتها مؤخرا في مجلة «نيويوركر». ـ انها تدور حول احدى اخطر العمليات التي يمكن لوحدة من وحدات القوات الخاصة ان تقوم بها وهي عملية اغتيال هدف وعلى الرغم من ان هذه القوات قادرة بشكل واضح ومؤهلة لان تقوم بمثل تلك العملية، الا ان الامر يبقى مثيرا لجدل كبير لاسيما في صفوف العسكريين فمعظمهم يتذكرون والبعض منهم شهد بالفعل تلك العملية التي عرفت باسم «برنامج العنقاء» في فيتنام فلقد بدأت هذه العملية كعملية صغيرة في باديء الامر، حيث كنا بصدد تأجير عملاء من الفيتناميين الجنوبيين ومسئولين من الشرطة هناك لاخبارنا من من كل قرية ينتمي الى الشيوعيين ومن ينتمي على وجه الدقة الى حركة الفيتكونج وهي الذراع العسكرية لجبهة التحرير الوطنية الفيتنامية آنذاك لكي يتم اغتياله. ـ هل كانت الفكرة ان هذه العملية سوف تنهي الحرب بشكل سريع؟ ـ كنا نعلم ان الشيوعيين الذين كان الكثير منهم من الوطنيين الفيتناميين ومن شمال فيتنام يخترقون صفوفنا بشدة ولذا فان الفكرة كانت تقوم على التخلص منهم غير ان ما كان في باديء الامر بمثابة عملية انتقائية للغاية حيث كنا بصدد اختيار رجل هنا وآخر هناك ثم كنا سنعمل على فحص المعلومات الاستخبارية قبل ان نتحرك. تحول ذلك بحلول عام 1969 الى برنامج يستهدف تحييد او قتل 21 ألف شخص وبالطبع كانت اسهل طريقة لتحييد اي شخص هو قتله واعتقد ان عدد الاشخاص الذين لقوا حتفهم في سنوات تنفيذ هذا البرنامج اي من عام 1968 الى 1971 كما قال الفيتناميون الجنوبيون كان اكثر من 40 ألف شخص، وكان التقدير الاميركي لعدد القتلى اقل بكثير حيث كان تقريبا 20 ألف شخص غير انه كان لايزال هناك عدد مذهل من القتلى. وبعد ذلك بالطبع اكتشفنا اننا منذ فترة طويلة كنا نتعامل مع قوائم من الاسماء حصلنا عليها من مسئولين محليين كانوا يدرجون فيها اسماء اشخاص لا يروقون لعمدة القرية او اشخاص انعدمت فائدتهم بالنسبة له، ومن هنا كانت هناك انتهاكات شديدة فيما يتعلق بالاسماء التي حصلت عليها القوات الخاصة، وتبين ان ما بدأ كبرنامج صغير تم فحص اسماء المستهدفين فيه بعناية تحول الى برنامج شامل قوامه الاغتيال الجماعي. ـ الآن نحن نتحدث عن برنامج يحتوي على اسماء تم فحصها بعناية وبرنامج يستهدف بشكل مباشر تنظيم القاعدة. ـ نعم، بالطبع، انهم يريدون ان يذهبوا وراء قادة القاعدة وهذا الامر يبدو جيدا في حد ذاته ويؤيده الشعب بشدة «فما اسهل من ان تستهدف وتقتل القادة» وعلى فكرة ليست هناك اي معارضة لان يقوم اي شخص بقتل اسامة بن لادن اذا وجده على سبيل المثال في سيارة، طالما كان الشخص متأكدا من انه بالفعل اسامة بن لادن، وطالما ان الشخص يأخذ احتياطاته حتى يصاب اي شخص بريء آخر يكون قريبا من مكان ابن لادن، وطالما ان الامر ستكتنفه مخاطرة شديدة للغاية اذا حاول الشخص تعقب او مطاردة من يعتقد انه ابن لادن بدلا من قتله. لقد قابلت اناسا من الداخل يقولون لي ان ما سيحدث في النهاية هو اننا سوف نرتكب خطأ وسوف نقتل اناسا ابرياء وبعد ذلك سوف نفعل ما نفعله دائما وهو اننا سنكذب حيال هذا الامر وبعد ذلك بحوالي خمسة اعوام ستكون هناك تحقيقات اخرى وسوف يعود كل هؤلاء الاشخاص المدنيين الذين طلبوا منا ان نفعل ذلك مرة اخرى الى حياتهم الخاصة وستتم احالة عدد من قادة وضباط الجيش الى التقاعد وبالتأكيد ما من احد يريد لهذا ان يحدث. ـ دعنا نتحدث عن هؤلاء الاشخاص من الداخل الذين يخبرونك بهذه الامور فالعديد من التقارير التي تذكر تتضمن اسرارا كبيرة فكيف تحصل على هذه الاسرار؟ وكيف تجعل هؤلاء الناس يوافقون على افشاء هذه الاسرار لك؟ ـ عندما تكون لديك سياسة سير بشكل جيد وتكون سياسة جيدة فيمكن ان تبقى الاشياء طي الكتمان ولكن عندما لا تكون هذه السياسة جيدة وتكتنفها المشكلات وعندما لا تتم مناقشة تلك المشكلات حينذاك يكون الامر مختلفا. ـ اذن فالناس يأتون اليك عندما يكون هناك خطأ في عملية التشاور الطبيعية في الحكومة؟ ـ بالتأكيد، لقد كان الامر كذلك دوما انني قريب من الدوائر الحكومية منذ فترة طويلة، ودائما عندما تكون هناك سياسة جيدة وعقلانية، وحينما يشعر الجميع بأنه يطرح رأيه كما يشاء، يكون الامر صعبا للغاية بالنسبة للصحافيين ان يحصلوا على اسرار او تقارير اخبارية عما يدور في الكواليس ولا تنس ان هذه ادارة يكون فيها البيت الابيض دائما صفا واحدا، ولكن عندما تذهب الى وزارة الخارجية او الى وكالة الاستخبارات المركزية او الى البنتاغون فانك تجد اصواتا متباينة، وخلافات في الرأي تظهر بوضوح ولكن في البيت الابيض فانه ما من شيء من هذا القبيل يحدث. ـ لقد عملت مراسلا صحافيا مع تسع ادارات اميركية، فكيف تبدو الادارة الحالية بالمقارنة مع الادارات الاخرى؟ ـ يا الهي انها ادارة اصعب بكثير من غيرها فهناك تقريبا عداوة كبيرة تجاه اهل الصحافة الذين يسألون عن اشياء لا تود الادارة سماعها وهذه الادارة تتمتع بنفوذ جبار على محطات التلفزيون والاذاعة، وهم ليسوا بحاجة بالفعل الى تلك الصحف والمجلات مثل «نيويورك تايمز» او «نيويوركر» او «واشنطن بوست» لتوصيل رسائلهم الى الشعب فهذه الادارة صعبة المراس للغاية وتعاقب بشدة اي شخص يتعدى الخطوط المسموح بها. ـ هل الصحافيون مضطرون دائما الى الخروج عن القواعد التي ترسمها الحكومة ليتسن لهم ان يقوموا بمهامهم بشكل فعال؟ ـ بالطبع فاحدى المشكلات التي تقابل المرء هي انه اذا كنت تعمل في تغطية اخبار البيت الابيض بشكل يومي وحدث ان توقفت عن العمل في يوم ما فانك تجد ان منافسيك يحصلون على مقابلات مع مسئولين كبار لا تستطيع انت ان تصل اليهم او ترى ان منافسيك تتم دعوتهم الى لقاءات ليست للنشر او للاذاعة، وتحرم انت من هذه الاجتماعات ان الامر بالفعل بهذه البساطة وهو بالفعل صعب للغاية ان تبتعد بشكل كبير لان هذا يؤدى الى ان تفوتك الاخبار. ـ كيف تميز بين الاحترافية والحل الوسط؟ ـ حسنا عندما كنت اعمل مع «نيويورك تايمز» على سبيل المثال، لم اكن اقوم بتغطية اخبار البيت الابيض بشكل يومي فقد كانت لدى الحرية لأقوم بما اريد اما في «نيويوركر» فأنا اقضي وقتا طويلا من ساعات العمل في القيام بانجاز تقرير واحد وليس ذلك بمقدار الحرية الذي عادة ما يتمتع به الاشخاص في هذا الميدان غير انه بعد كل شيء فانه اذا كانت هناك حرب ستشن ضد العراق فان الصحف اليومية وشبكات الاخبار الرئيسية سيكون عليها ان تحدث قدرا كبيرا من التنسيق فيما بينها وبين الحكومة فيما يتعلق بحركة الناس ومعرفة ماذا يحدث امكانية السماح لها بحضور اجتماعات تلخص ما يحدث. ـ ما هو الالتزام الذي يتحمله الصحافيون تجاه القضايا ذات المخاوف المتعلقة بالامن القومي؟ ـ حسنا اننا كلنا اميركيون فأنا اتصور ان الطريقة التي من خلالها اعرب عن ولائي للوطن هي ان اسأل، وليس ان اقبل كل شيء يقال لي من دون سؤال اعتقد ان اهم شيء هو ان نعامل الاشخاص الذين يحتلون المناصب العليا بأعلى قدر ممكن من اللباقة والسياسة والامانة. واذا لم نفعل ذلك نكون مخطئين لذا فان تحمل اي شيء دون ذلك حتى ولو باسم الامن القومي يعتبر امرا خاطئا هذه هي طريقة تفكيري وهذا هو منطقي الرئيسي في التعامل مع الاشياء وانا اتصور انني اقوم بوظيفتي بشكل جيد، واتصور نفسي مواطنا اميركيا جيدا مثل اي مسئول في الحكومة ومثل اي مسئول كبير في الجيش يقوم بعمله كما اقوم انا بعملي ان ما اريد قوله هو انني لا اصبح متجنيا اذا قمت بنقد وتحدي قصة خبرية عبر عنها مسئول حكومي او صدرت عن جهة رسمية فهذا هو الامر الذي ينبغي لنا فعله. ـ هل تبقى شيئا ما طي الكتمان اذا اخبرت بأن الافصاح عنه يعرض عملية ما الى الخطر؟ ـ لقد قمت بهذا في الماضي فبشكل واضح عندما اكتب عن شيء ما، فانني لا اقول كل ما اعرفه وبالتأكيد فأنا لا اريد ان اكتب اي شيء يمكن ان يعرض اي فرد للخطر فلا توجد قصة خبرية تستحق هذا كله. فمعظم الاخبار التي تعتقد الحكومة انها سرية جدا للغاية تكون متعلقة بأمور فنية، مثل الترددات التي يستخدمها العدو ومكان القمر الصناعي فمثل هذه الاشياء لا تهم القاريء. ولكن اذا اردت اكبر مثال واضح في هذا الصدد فدعني افترض انني بشكل مفاجيء حصلت على خطة الهجوم على العراق. وافترض انه حدث انني صدقت ان هذه الخطة حقيقية وانها فعلا الخطة الأصلية، فنحن الآن قرأنا عن 20 خطة لهذا الهجوم فهي الصحافة. فلو كانت تلك هي الخطة الحقيقية، فانني استطيع ان اجزم بأن هذه هي الحالة التي سيمتنع فيها المرء عن نشر الخطة، ربما يمكنك الذهاب الى الحكومة والقول: «انظروا الى انني لدى هذه المعلومات، وانا اتوسل اليكم بشدة لتغيروا من الخطة بسرعة، لانني لدي هذه الخطة، وبما انني لدي الخطة، فانني افترض ان شخصا ما اخر لديه الخطة نفسها». ـ دعني اسألك عن شيء يسأل عنه عادة الذين يقرأون مقالاتك: هل من الضروري ذكر كل هذه المصادر بدون تسميتها؟ ـ ان الامر كذلك بالفعل. فالاشخاص الذين يحتلون مناصب حساسة يريدون ان يقولوا الحقيقة، ولكنهم لا يريدون ان يفقدوا مناصبهم، فهم يريدون ان يقولوا ماذا يحدث، ولكن كل شخص منهم لديه زوجة وطفل ورهن عقاري. واعتقد ان حقيقة انهم يحاولون ان يقولوا الحقيقة تعد مستوى رفيعا من الوطنية. فاحدى السمات الجيدة في نظامنا الصحافي الحر هو ان هناك قنوات متاحة للصحافيين، ومسئوليتنا هي عدم الاضرار بهذه القنوات، والعمل على فحص هذه المعلومات التي يدلون بها والعثور على ما يدعمها من حقائق ووقائع والشعور بما يدفع هؤلاء لهذا القول والتأكد من انهم لن يصيبهم ضرر. فالسبب الذي من أجله يتحدث الناس الي هو انني احمي مصادري ولذلك فهم يتحدثون الي، ولكنني اعرف اشخاصا لم يعد يسمح لهم بأن يتكلموا معي، الامر الذي يعني بالنسبة لبعض الناس انهم لا يستطيعون العمل. فسواء كانت مسماة او غير مسماة، فان مصادري عبر سنوات طويلة اثبتت انها يمكن الاعتماد عليها والركون اليها، فمصداقية مصادري ومصداقيتي انا مع قرائي ومع مصادري انفسهم، استمرت لأكثر من 35 عاما. ـ ماذا عن تقويم المصادر؟ هل الاشخاص الذين لا يريدون الاشارة الى اسمائهم بجانب ما يقولونه يكونون جديرين بالثقة؟ ـ حسنا، تلك هي مسألة الشجاعة التي تطرح في جميع الاماكن والازمان. فاذا كان الطبيعي هو ان نضع اسما لكل مصدر، فسيفقد الكثير منا وظائفهم، هناك صحافيون رائعون للغاية يعملون بهذا الاسلوب. فكل الصحف لديها أناس يعتمدون بشدة على هذه الطريقة، ويحضرني منهم جيمس رييز من «نيويورك تايمز» ووالتر بينكس من «واشنطن بوست» فهناك صحافيون رائعون يقومون بعمل جيد للغاية، وكثير مهم يضطر احيانا الى الاعتماد على مصادر لا تريد الافصاح عن اسمائها عند النشر، فهذه هي الطريقة التي تسير بها الامور. ـ لقد كتبت عن الحرب الاخيرة في العراق، فما هو الدرس الذي ينبغي للصحافيين تعلمه من تلك الحرب، بينما نحن ننتظر حربا محتملة اخرى حاليا؟ ـ الامر الاول الذي يبدو لنا الآن فيما يتعلق بحرب العراق الاولى هو اننا لم نكن في ساحة المعركة، فاثناء تلك الحرب تجمع الصحافيون وذهبوا ليعربوا للبنتاغون والبيت الابيض عن شكواهم من عدم مقدرتهم على الوصول الى ما يجري. فنحن كنا محبوسين نطل من ثقب ضيق في السعودية على الاحداث. واخر حرب خضناها كانت في افغانستان، كانت حربا للقوات الخاصة، ولم نكن ايضا قريبين من ساحة المعركة، ولكن لم تكن هناك الشكاوى نفسها. والآن نحن ننتظر حربا اخرى من المحتمل ان تكون القوات الخاصة وسلاح الجو عناصر قوية للغاية بها. وبوسعي ان اؤكد لك اننا لن نكون كذلك قريبين من ساحة المعركة مرة اخرى. لذلك فانه سيكون الامر اكثر صعوبة ان يحدث اي تحد وانتقاد لاقوال المسئولين الآن. وانني ارى ان هناك تحولا ضخما عن مبادئنا الديمقراطية الرئيسية، والانفتاح الذي نصر على وجوده في الدوائر الحكومية، فنحن الآن في سلك الصحافة نقبل ونوافق على حقيقة ان الحرب المقبلة ستكون حربا اخرى لن نقدر على تغطيتها بشكل مباشر. انني ارى انها خسارة عظيمة، وما يزعجني بشدة هو ان هناك عددا متزايدا من الناس لا تزعجهم هذه الخسارة. ـ لقد كتبت سيرة ذاتية لهنري كسينجر تحدثت فيها عن عنصر الانفتاح هذا. فكيف ترى عودته مرة اخرى ليرأس اللجنة التحقيقية في احداث سبتمبر قبل ان يتنحى عن المنصب بسبب امور متعلقة بسرية وخصوصية المعلومات؟ ـ كل ما يمكنك قوله عن هذا التعيين الذي اصابني بقدر هائل من الذهول، هو ان جورج بوش، سواء أكان يقصد أم لا يقصد اعاد به روح المفارقة الى الحياة السياسية الأميركية. ـ من المعروف انك صاحب قصة مذبحة «ماي لاي» وحصلت عن طريقها على جائزة بوليتز للصحافة، ولكن من غير المعروف كم كانت الصعوبة التي واجهتها عند بحثك عن جهة مستعدة لنشر هذه القصة. ـ يا الهي! كم كان الامر مضحكا. في عام 1959، عندما حدث الامر، كنت السكرتير الصحافي ليوجين مكارثي وعملت لدى وكالة «الاسوشيتد برس» و«نيويورك تايمز»، وكنت اعمل مع مجلة «لايف» ومع جهات اخرى كصحافي حر، ولذلك كنت اعرف كل من هم في مجال الصحافة ولكنني على الرغم من ذلك لم اجد اي احد يوافق على نشر القصة. ـ اذن كيف استطعت نشرها؟ ـ ان الامر يدخل في نطاق المزايا الكبرى التي تتمتع بها الصحافة الأميركية، فأنا لدي زميل رائع يدعى ديفيد أوبسيت، قال لي دعنا نتصل بالصحف ونخبرها بأننا لدينا هذه القصة ونقوم بارسالها لها! ومن ذلك الوقت لم تكن هناك انترنت، ولذلك قمنا بارسالها بالتليكس وشركة ويسترن يونيون، وقمنا بارسال القصة التي كانت تتكون من 1800 كلمة الى حوالي 15 صحيفة، واتصلنا بهذه الصحف جميعا وقلنا ان القصة في الطريق. وبهذه الطريقة قمنا من المنظور الفني، بتأسيس وكالة انباء خاصة بنا، واعتقد ان 35 او 37 صحيفة قامت بنشر القصة. الشيء الوحيد الذي استفدته منه هو انني قمت باجراء مقابلة مع ليفتنانت وليام كالي، الشخص الذي فجر القصة برمتها، وقال لي وقتها امورا ولكنه لم يعترف بارتكابه للجريمة وقال لي انه كان يعتقد ان هناك سلطة اعلى منه وراء ما قام هو بفعله. وقتها اعتقدت ان الامر سيكون قصة خبرية كبيرة وطويلة. وانا الآن استطيع ان اتفوه بهذه المعلومات لأن محامي كالي، وهو رجل يدعى جورج لاتيمير، قد توفي. حيث طلب مني هذا المحامي الا استخدم هذه المقابلة بطريقة تجعل كالي ينال محاكمة عادلة. لقد قال لي: انني سأتحقق من القصة من أجلك، وأتأكد من انه لا يوجد بها أي أخطاء، وسأخبر اي شخص يطلب مني رأيي فيها انها قصة دقيقة التفاصيل. ـ اذن فالصحف علمت ان محامي كالي قال انها قصة دقيقة؟ ـ نعم، وبالتالي أمكننا القول حينذاك لأي شخص: «يمكنك ان تتصل بجورج لاتيمير، وهو المحامي الخاص بكالي، وسيكون سعيدا بمناقشة القصة معك.. وبالفعل كان لاتيمير يستقبل هذه المكالمات، واعتقد ان الكثير من الصحف نشرت القصة كموضوع رئيسي. وانا متأكد من ان هذه الصحف اتصلت به، وبالتأكيد قال لهم: «يمكنكم نشر القصة» لذلك كان الامر بمناسبة نوع لا يصدق من الصفقات، فأنا لم اكتب المقابلة التي قمت بها مع كالي على اساس انه يستحق فرصة ان يدلي بقصته في المحكمة، وهو الامر الذي لم يفعله. ـ هل تناول صحافيون اخرون القصة بعد ذلك؟ ـ لم يقترب منها احد. لقد كتبت موضوعا في احد الاسابيع ولم اتلق الا ردودا قليلة.. ففي انجلترا كانت هناك بعض المناقشات في البرلمان بشأن هذا الموضوع، وبعض المناقشات المناهضة للحرب. ولكنني واصلت الكتابة، ومع تواصل كتاباتي وجدت هذا الزميل الرائع باول ميدلو الذي ينتمي لقرية صغيرة في انديانا، كان قد قتل كثيرا من الاطفال الفيتناميين، ووصل عدد من قتلهم الى حوالي 100 شخص. لقد ظل يطلق النيران ويطلقها ومن اليوم التالي وجد ان رجله قطعت وقال لكالي: «لقد عاقبني الله والآن سوف يعاقبك انت ايضا». وحدث لي ان التقيته وقال لي هذه القصة. ـ لقد ذكرت في كلامك الانترنت. فهل تعتقد ان قصة «ماي لاي» لو كانت قد حدثت في ايامنا هذه كنا سنسمع بها أولا من خلال الانترنت؟ ـ اعتقد ان امكانية حدوث ذلك كبيرة للغاية. فلو كان قد حدث مثل ذلك الامر، لارسل الفيتناميون الشماليون مراسلا لهم الى هناك ولبثوا الامر على قناتهم الفضائية وأفردوا للموضوع برنامجا على هذه القناة. فوسائل الاتصالات الآن افضل بكثير، فنحن نعلم الكثير الآن عن بعضنا البعض. وربما يكون هذا احد الاسباب وراء غضب العالم الاسلامي منا، وذلك لان قيمنا وثقافتنا تنتشر الآن بشكل اسرع واسهل مما كان عليه الامر منذ 50 عاما مضى. ـ لقد كانت مذبحة «ماي لاي» جريمة عسكرية بشكل واضح، غير ان كثيرا من مصادرك الآن يأتون من القطاع العسكري او خدموا في القطاع العسكري، وانت نفسك كنت في الخدمة العسكرية. فكيف تغيرت نظرتك بشأن القطاع العسكري عبر السنوات الماضية؟ وكيف تغير هذا القطاع؟ ـ ان المسئولين العسكريين من اكثر المجتمعات المثالية في بلدنا، ففي صفوفهم يوجد عدد اكبر من الاشخاص الذين يؤمنون بمبادئ ونظرة نورمان روكويل لاميركا، ويقومون بتنفيذ هذه المبادئ بشكل متزن ومستقيم. والصفة التي تهمني في هؤلاء هي انهم فعلا لا يهتمون بوجهات نظري الشخصية، سواء أكنت أصوت لصالح الديمقراطيين او لصالح الجمهوريين، او كنت احب الحرب او ضدها، او كنت من الصقور ام من الحمائم. فحتى اثناء حرب فيتنام، كان الامر المهم بالنسبة لهم هو ما اذا كنت سأحصل على الرواية الصحيحة للاحداث وسأنشرها بالشكل الصحيح ام لا، وما اذا كنت سأعمل بجد نحو تحقيق هذا الهدف ام لا، وما اذا كنت سأحميهم عند نشر القصة. وبعد ذلك سيتحدثون عما يدور بخلدهم وسيخبروك عما بداخلهم. ـ ماذا بشأن الآن؟ كيف نحن نسير تجاه الحرب على الارهاب؟ ـ نحن نبدأ خطوات ما يمكن ان تكون حربا تستمر لمدة مئة عام اذا لم نقم بتغيير سياستنا. لا اعتقد ان هناك الكثير من الناس، لا سيما في واشنطن، وخصوصا في اماكن مثل البيت الابيض، يدركون بشكل كامل اخطار الدخول في حرب كاملة وشاملة. فحقيقة الأمر هي ان ليس هناك سبب عند أي متشدد لان يكون لديه اي شعور تجاه أسامة بن لادن سوى شعور بالامتعاض لأن ابن لادن لا يمثل اي شيء له علاقة بدينهم. ونحن لا نعطي هؤلاء الأصوليين فرصة حتى للتنفس. فسياستنا تدفعهم الى معسكره بطريقه سريعة للغاية. انا لا اتحدث هنا عن أي شيء جديد، فأنا اعتقد ان الرئيس الأميركي الاسبق جيمي كارتر كان يحاول قول الشيء نفسه مؤخرا عندما قبل جائزة نوبل. فاذا لم نتعامل مع القضايا الحقيقية، وهي القضايا التي تقود الى جنون نفسه الذي رأيناه في الحادي عشر من سبتمبر، واذا لم نقم بالتعامل مع بعض هذه القضايا، مثل فساد الحكام وغياب الاقتصاد الحر الذي يعتمد على قوة الشركات والقطاع الخاص، ريثما يمكننا ان نمارس ضغوطا حتى نجعل الحياة تسير بشكل افضل، فاننا سوف نقابل مشكلات في الشرق الاوسط. ولدينا كذلك مشكلات مع اسرائيل والفلسطينيين لا نقوم بالتعامل معها. ـ وسط كل تلك الاشياء الموجودة في العالم الآن، ما هو الشيء الذي بالفعل يثير الرعب داخلك؟ ـ لا اعتقد انني مررت بهذه الحالة من الرعب التي اعانيها الآن من قبل منذ ان كنت في السادسة من عمري، فأكثر شيء يخيفني الآن هو ان عددا كبيرا من الناس يندفعون الى الكثير من العمل من دون ان يعلموا عواقب هذا العمل. وهذا الامر يمثل صلب القصة التي كتبتها في «نيويوركر» مؤخرا بعنوان «العواقب غير المحسوبة». ومن كلامنا الحالي يكون الامر مرتبطا بالعواقب غير المحسوبة لبدء سياسة من الاغتيال النوعي. وانا انظر لهذه العواقب على سبيل المثال عند الدخول في حرب مع العراق، فاذا لم يكن العالم يؤيدنا في هذه الحرب، واذا لم تكن قضية حيازة الاسلحة واضحة كل الوضوح، فان العواقب ستكون وخيمة فهذه الحكومة الاميركية الحالية عليها التزام يتمثل في شرح ما تقوم به الى البعض منا الذين لا يحبون الرئيس العراقي صدام حسين ولكنهم غير مقتنعين بأنه له علاقة مباشرة بالمشكلات العالمية للارهاب، وهناك عدد كبير منا غير مقتنع بالفعل بهذا الامر. وهناك عدد كبير من الاميركيين غير متيقن بالمرة من سبب قيامنا بما نقوم به الآن، فلماذا يبدو الامر وكأننا نسير في هذا الاتجاه. فهذه قضية يجب ان يتناولها الرئيس، ولكنه لم يتناولها بعد حتى الآن. ترجمة: حاتم حسين _ عن «نيويوركر»