الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 ما ان خمدت البنادق وصمتت طبول الحرب العالمية الثانية عام 1945 بعد ان ألقت الطائرات الاميركية قنابلها النووية على مدينتي هيروشيما ونغازاكي اليابانيتين، حتى بدأت ترتسم في الافق ملامح مجابهة جديدة. حيث كان جوزيف ستالين قد «وضع يده» على اوروبا الوسطى والشرقية كلها. وفي المقابل قال ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا آنذاك امام حشد من الاميركيين في جامعة صغيرة في السادس من مارس 1946 ما يلي: «لقد استأثر الظل بجزء من المسرح الذي كانت انوار الانتصار قد اضاءته، ولا احد يعرف حقيقة نوايا روسيا السوفييتية ولا مرامي المخططات التوسعية للمنظمات الشيوعية العالمية، ان ستارا حديدياً قد ارتفع في اوروبا بين ستيتن على بحر البلطيق وتريست على البحر الادرياتيكي. وخلف هذا الستار تقع عواصم اوروبا الوسطى والشرقية، صوفيا وبرلين وبراغ وفيينا وبلغراد وبوخارست ووارسو، ان ابناء هذه المدن كلها قد اصبحوا في اطار دائرة النفوذ السوفييتي .. ولم تخضع هذه المدن للنفوذ السوفييتي فحسب، وانما خضعت للسيطرة المتنامية لموسكو». وكان هذا القول يعني اعلان بداية الحرب الباردة من الناحية العملية. فينونا لقد استمرت تلك «الحرب الباردة» مايزيد على اربعة عقود من الزمن، لكن ملامحها كانت قد بدأت في الواقع قبل نهاية الحرب، فمنذ الاول من شهر فبراير 1943 اطلقت اجهزة الاستخبارات العسكرية الاميركية برنامجا ««سريا للغاية» من اجل «التقاط» الرسائل السوفييتية وفك رموزها، كان الاسم السري لتلك البرامج هو «فينونا» وكان الاكتشاف الاول هو ان السوفييت كانوا يعملون بواسطة خمسة برامج مشفرة ـ كودات ـ يستخدم كل منها شخصاً واحداً في العلاقات بين المركز والمكاتب الخارجية والتي كانت تمثل خمس جهات استخبارية، هي الممليات التجارية والشئون الخارجية والاستخبارات المدنية والاستخبارات العسكرية والاستخبارات البحرية. كان نظام التشويش السوفييتي يعتمد آنذاك على استخدام ترميز ـ شيفرة ـ مزدوج .. او ما يمكن التعبير عنه بـ «مفتاحين». وتمثلت نقطة الانطلاق في ايجاد قاعدة قاموسية من مئات الكلمات والاسماء هذا الى جانب ارقام تمثل هذه الكلمات والاسماء، بحيث يمكن ترجمة الارقام الى جمل. وقد تمكن الاميركيون بعد اشهر طويلة من البحث والتقصي ومحاولة فك الرموز الى «فهم» بعض الرسائل المتبادلة عام 1944 بين موسكو والسفارة السوفييتية في واشنطن، وثم بين الادارة المركزية لجهاز الـ «كي. جي. بي» وبين «مكتبها» في نيويورك. وفي شهر يوليو من عام 1946 توصل المحلل الاميركي ميرديت غارونر الى ان «يترجم» بدقة مضمون رسالة كان فرع الـ «كي. جي. بي» في نيويورك قد بعث بها الى موسكو بتاريخ 10 اغسطس من عام 1944 وكانت تخص عملية سرية تم تنفيذها في اميركا اللاتينية وتمكن غاردنر في شهر ديسمبر من السنة 1946 من ان «يقرأ» بشكل كامل رسالتين بين نفس الجهتين كان قد تم ارسالهما ايضا عام 1944 وتخص احداهما قائمة بأسماء العلماء الرئيسيين الذين كانوا يعملون في «مشروع مانهاتن» الخاص بالتصور الاول لتصنيع السلاح الذري. لقد استمرت عمليات فك رموز الرسائل المتبادلة بين اجهزة الاستخبارات السوفييتية وممثلياتها في الولايات المتحدة الاميركية عدة سنوات. وفي نهاية عام 2000 لم يكن قد تم بعد فك رموز مئات الالوف من الرسائل المتبادلة من موسكو واليها خلال الفترة الواقعة بين عام 1939 وعام 1946. وقد استفاد البريطانيون والفرنسيون من عمليات فك الرموز التي قامت بها الاستخبارات العسكرية الاميركية، اذ تم الكشف عن عشرات الجواسيس الذين كانوا يعملون لحساب الاجهزة السرية السوفييتية في الولايات المتحدة وبريطانيا. وقد تأكد الفرنسيون مما كانوا يشكون به منذ عدة سنوات ومفاده ان احد الوزراء والذي كانوا يرصدون تحركاته بعد ان تولى عدة مناصب وزارية في حكومات فرنسية عديدة خلال سنوات الثلاثينيات كان يقيم علاقات سرية مع اجهزة الاستخبارات السوفييتية، وانه تابع هذه العلاقات بعد ان لجأ الى الولايات المتحدة عام 1940، وهو الوزير بيير كوت. لكن ينبغي عدم الاعتقاد بأن الاميركيين قد توصلوا الى ان يقرأوا الرسائل السرية السوفييتية مثلما يقرأ الانسان في كتاب مفتوح، ذلك ان «مناطق ظليلة» عديدة قد بقيت مستعصية على الفهم. وللدلالة على مدى اتساع رقعة هذه المناطق الظليلة يمكن الاشارة الى رقم بالغ الدلالة، وهو انه لم يتم فك رموز سوى 36 رسالة من اصل 2400 رسالة كان قد تم تبادلها بين نيويورك وواشنطن وموسكو خلال عام 1945. كان اهتمام مصالح الاستخبارات الاميركية بموسكو سابقا اذن بفترة طويلة على نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن لاشك بأن نهاية هذه الحرب قد سارعت في «تنشيط حركة الاجهزة الاستخبارية» .فمثلا كتب الجهاز الاميركي المكلف بمراقبة المجموعات الاجنبية في الولايات المتحدة تقريرا بتاريخ 11 مايو 1944 من ست عشرة صفحة حول تأسيس «لجنة لدعم قيام المانيا ديمقراطية» ويشير هذا التقرير الى وجود «يد موسكو» خلف هذه اللجنة اذ ان «العناصر المسيطرة داخل تلك اللجنة كانت من الشيوعيين والاشتراكيين المعارضين».، وانه من اصل الـ 65 شخصية التي وقعت على بيان تأسيس تلك اللجنة كان هناك اقل من عشرة يمكن تصنيفهم بأنهم ليبراليون بورجوازيون وثلاثون هم اقرب الى ان يكونوا شيوعيين وليس اشتراكيين، كما جاء في التقرير. لكن الغربيين، وفي مواجهة التهديد الجديد الذي كان يرتسم في الشرق، وجدوا انه ينبغي عليهم التزود بجهاز استخبارات جديد يسمح لهم بان يعرفوا ما يحاك حقيقة وراء «الستار الحديدي» الذي كان تشرشل قد تحدث عنه، وقد تم تشكيل هذا الجهاز تدريجيا مابين عام 1945 وعام 1950. كانت الحرب قد هزت بعمق التوازنات الدولية وانحسر دور القوى الاوروبية الى الصف الثاني، بينما احتلت الولايات المتحدة المقام الاول، ومن هنا كانت الاجهزة الاستخبارية الاميركية هي موضع الاهتمام الرئيسي. الولادة العسيرة كانت الولايات المتحدة تمتلك جهاز استخبارات عسكرياً قوياً باستمرار لكنها لم يكن لها اي وكالة للاستخبارات المدنية حتى الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1942 اسس الرئيس فرانكلين روزفلت الوكالة الامنية الاميركية التي عرفت بالحروف «أو. إس. إس» ووضع على رأسها الجنرال «دونوفان» الذي بذل اقصى الجهود الممكنة في الكشف عن مصادر التمويلات النازية من اجل اثبات فائدة منظمته والحفاظ على بقائها، وانطلاقا من عام 1944 قدم الجنرال «دونوفان» اقتراحا بتمويل المنظمة التي يتولى رئاستها الى وكالة مركزية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال الذاتي بحيث تكون مسئولة فقط امام الرئيس الاميركي وحده، وفي شهر اغسطس من عام 1945 عاد ليؤكد بأنه ليس هناك أية هيئة اخرى يمكنها ان تقوم بنفس الدور الذي تقوم به وخاصة في ميدان المحافظة على السلام. وكانت ادارة مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي ممثلة برئيسها «ادجار هوفر» تضمر العداء للجنرال دونوفان وتتهمه بأنه يريد ان يطيل حياة وكالته بأسماء مختلفة في عالم الاستخبارات الدولية وقد كتب هوفر في احد تقاريره في مطلع شهر سبتمبر من عام 1945 ما مفاده «ان مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركية يقوم بعمليات استخبارية في الغرب، ويقوم مخططه الاستخباري على بساطة البنى ومرونة العمليات مما اظهر قدرا كبيرا من الفعالية بكل سرية وبدون تكاليف كبيرة قبل الهجوم على قاعدة بيرل هاربور، القاعدة الاميركية في المحيط الهاديء والتي ادى الهجوم الياباني عليها الى دخول الولايات المتحدة الاميركية الحرب العالمية الثانية، وهذا المخطط قابل للتطبيق على المستوى العالمي». وفي العشرين من شهر سبتمبر 1945 وقع الرئيس الاميركي هاري ترومان قرار حل الوكالة الامنية الاميركية ووزع مهامها على وزارتي الخارجية والدفاع، لكن في الوقت نفسه وبواسطة رسالة منفصلة كلف وزير خارجيته. جيمس بيرن بالقيام بمهمة التنسيق بين مجموعة تضم ممثلين عن عدة وزارات من اجل تطوير «برنامج للاستخبارات الخارجية» ان العديد من الآراء ـ المتناقضة قد برزت حول مستقبل الاستخبارات الاميركية، وفي وزارة الدفاع تم تجميع ارث الوكالة الامنية الاميركية، في مصلحة جديدة حملت اسم «وحدة المصالح الاستراتيجية» وكان في رأس قائمة مهماته هذه المصلحة الجديدة، فضلا عن القيام بأعمال التجسس ومكافحة الجاسوسية الخلاص من المجموعات التي كانت قد قامت في اطار الجهاز القديم بعمليات «تخريبية». وهكذا تم تحويل اكثر من 5 آلاف عنصر استخبارات سابق الى الحياة المدنية. وفي مواجهة البيروقراطية والنزاعات الداخلية، التي تزايدت آنذاك داخل وزارة الخارجية الاميركية، حاول العسكريون وقيادات مكتب التحقيقات الفيدرالي «سحب البساط» لناحيتهم بحيث ان يتم تكليف هذا «المكتب» بتنسيق برامج الاستخبارات الاميركية على الصعيد العالمي، وذلك على قاعدة النجاحات التي كان قد تم احرازها منذ عام 1941 في العديد من مناطق اميركا اللاتينية على صعيدي تنفذ عمليات محددة ومكافحة الجاسوسية. لكن في الوقت نفسه، كان هوفر ـ رئيس مكتب التحقيقات الاميركي ـ يخيف واشنطن، لا سيما وانه كان يمتلك الكثير من الملفات حول الجميع، مما كان يمنع مهاجمته «وجها لوجه» ولذلك لم تتم الموافقة على مشروعه من قبل ترومان ومستشاريه بينما وجدت المقترحات التي قدمت بها قيادة اركان الجيوش قبولا افضل على هذا الاساس تم انشاء «مجموعة الاستخبارات المركزية» التي تولّى قيادتها الاميرال «سويرس» ليخلفه بعد فترة وجيزة الجنرال «فاند نبرغ» السيد الحقيقي الاول للاستخبارات الاميركية في فترة مابعد الحرب وقد زاد باستمرار من سلطات مجموعة الاستخبارات المركزية ومن استقلاليتها لكي تأخذ الدور الذي كان مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي يقوم فيه على صعيد الاستخبارات الخارجية وخاصة في اميركا اللاتينية. لكن لم تتوصل مجموعة الاستخبارات المركزية في ظل «فادنبرغ» الى ان تصبح وكالة حقيقية بل ظلت بالاحرى عبارة عن مجموعة انبثقت عن توجيهات رئاسية وليس عن قانون حيث انها كانت مسيّرة من عدة وزارات لاتتفق آراؤها ووجهات نظرها دائما، كما كانت تنقصها الميزانيات وامكانيات تطوير استراتيجيات خاصة بها على المدى الطويل، وبالتوازي مع هذا كانت تعاني باستمرار من المنافسة مع الاستخبارات العسكرية وتتعرض للمضايقات من قبل وزارة الخارجية. وفي شهر اغسطس من عام 1946 قرر الجيش من جانب واحد انشاء فروع لاستخباراته في بعض القنصليات الاميركية، لكن منذ اليوم التالي سحب ترومان البساط من تحت اقدام جنرالاته، واكد انه «يعتقد بجزم انه ما كان ينبغي لمثل هذا العمل ان يحصل»، وفي نهاية الشهر نفسه (30 اغسطس) رفض الدبلوماسيون تزويد فاندنبرغ بالتحليلات السياسية لوزارة الخارجية، وفي عام 1947 جرت عملية اصلاح كاملة لمجمل السياسة الامنية الاميركية، لقد تم توحيد القوات المسلحة كلها تحت سلطة وزارة الدفاع وتأسس «مجلس الأمن القومي» الاميركي الذي تم تكليفه بمهمة تقديم الاستشارات للرئيس كما تم تأسيس وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية الـ «سي. آي. ايه» التي اصبح مديرها مسئولا عن مجمل المنظمات الاميركية النشيطة في ميدان الاستخبارات الخارجية، كانت واشنطن ترمي من هذا تجنب فقدان الطاقات وتجنب المنافسات بين الاجهزة وهنا برز سؤال بدا مثيرا للجدل ويتعلق بتحديد ما اذا كان ينبغي ان يكون الجهاز الجديد مدنيا او عسكريا؟ لقد استمر الاخذ والرد حتى شهر سبتمبر من عام 1948 حيث وجد الجنرال رايت نائب رئيس الاستخبارات الصيغة الثالثة حول هوية مدير الجهاز: «نعتقد بأنه ينبغي ان يكون المدير هو افضل الناس تأهيلا لمثل هذه الوظيفة بغض النظر عن لون اللباس الذي يرتديه، الامر المهم هو تأمين الاستمرارية، لكن هذا لم يمنعه من ان يؤكد في النهاية تفضيله بأن يكون عسكريا لأن «صلاته الشخصية ستكون اكثر وثوقا مع المصالح وسيكون اقل حساسية امام الضغوط السياسية». بكل الاحوال اصبح المشهد واضحا جليا منذئذ وهو ان ميدان الاستخبارات الخارجية والعمل السياسي السري اصبحا من اختصاص جهاز الاستخبارات المركزية الاميركية اما المعلومات ذات الطبيعة العسكرية البحتة فقد اصبحت مناطة بوزارة الدفاع وبقيادة اركان الجيوش، اما مكافحة التجسيس ومكافحة عمليات التخريب على التراب الاميركي فقد ظلت بيد مكتب التحقيقات الفيدرالي وحده. على الجبهة الفرنسية كانت فرنسا هي بالتأكيد، الى جانب الولايات المتحدة البلد الغربي الذي شهد عالم الاستخبارات فيه اضطرابا كبيرا، مع عدوة السلام بعد سنوات الحرب، وكانت فترة هذه الحرب قد عرفت نزاعات عديدة ذات طابع شخصي زادت حدتها اكثر فأكثر بسبب المنافسات التي تولدت من الاختلاط داخل «الادارة العامة للاجهزة الخاصة» ومع عودة السلام «انكسر» التوازن الهش الذي كان قد أمكن التوصل اليه بين مختلف الاطراف، ومع تحرير مدينة باريس من الاحتلال النازي شهدت مكاتب الادارة العامة للاجهزة الخاصة انخراط اعداد كبيرة جديدة من المقاومين الحقيقيين ومن المحاربين ولكن ايضا من المغامرين ومن المحتالين، لقد كان العمل في اطار هذه المكاتب يمنع الذهاب الى جبهة الألزاس شرق فرنسا حيث كانت المقاومة الالمانية تشتد اكثر فأكثر مع اقتراب الخطى نحو قلب «الرايخ الثالث». وكانت النتيجة هو وجود الآلاف من «عناصر» الاستخبارات في شوارع باريس لملاحقة «العملاء» ولا سيما وان الاجراءات القضائية آنذاك كانت تسمح بـ «وضع اليد» على ثروة العملاء الذين كانوا قد تعاونوا مع الاحتلال الالماني. وفي عام 1944 تغيرت تسمية «الادارة العامة للاجهزة الخاصة» كي تصبح «الادارة العامة للدراسات والبحوث» لكن لم يكن ذلك التغيير أكثر من مجرد عملية تجميلية وتغير في التسمية فقط هذا واعتبارا من عام 1945 جرت عملية اصلاح عامة لهذه الادارة كي ينخفض عدد العاملين فيها من عشرة آلاف شخص الى 1500 اغلبيتهم من العسكريين، وانخفض عدد الابنية من 101 بناء الى اربعة ابنية فقط، وكان وجود «مسبح» بلدي بالقرب من المقر العام سببا في اطلاق تسمية «المسبح» على جهاز الاستخبارات، كما تم اخراج فيلم بهذا العنوان «المسبح» حول عالم الظل لكن عناصر الأمن ابقوا على تسمية «المركز» او «البيت» او «مورتييه» باسم الشارع الذي كان يوجد المقر فيه. وفي شهر ديسمبر 1945 حمل جهاز الاستخبارات الفرنسية تسمية اخرى هي: «مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة الجاسوسية». وقد ابقت المصالح السرية الفرنسية على بعض حساباتها المصرفية في لندن كـ «خزينة حرب» وكانت تلك وسيلة كي يقوم الانجليز بتمويل المقاومة الفرنسية ضد الالمان، لكن هناك دلائل كثيرة على ان تلك الاموال لم تدخل ابدا في الحسابات الرسمية لجهاز الاستخبارات الفرنسي ولم تتم اعادتها ايضا للانجليز، وقد كان ذلك موضوعا تحدثت عنه الصحافة الفرنسية، وخاصة الشيوعية منها، كثيرا وأدى الى اعتقال رئيس الجهاز ثم اطلاق سراحه بعد فترة وجيزة لانهم لم يجدوا أية براهين تدينه. والى جانب «مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة الجاسوسية» و«مصالح الاستخبارات العسكرية، التابعة لقيادة الاركان» كانت هناك ايضا مصلحتان تتعاونان مع الاستخبارات الفرنسية وهما «ادارة مراقبة التراب الوطني» و «المخابرات العامة» ومن خصوصيات مدينة باريس امتلاك «الاستخبارات العامة» لفرع مهم تابع لها داخل محافظة شرطة العاصمة، وحيث يعمل هذا الفرع بصورة شبه مستقلة ذاتيا وهو غير مسئول سوى امام محافظ شرطة باريس: الامر الذي يجعل منه احد اكثر الرجال «اطلاعا» في فرنسا.وتجد الاستخبارات العامة «الفرنسية جذرها التاريخي في البوليس السري الذي اسسه «جوزيف فوشيه» بعد قيام الثورة الفرنسية الكبرى، لكن كان لابد من انتظار عام 1937 كي يعطي وزير الداخلية الفرنسي آنذاك «ماكس دوروموا» تسمية «الاستخبارات العامة» لذلك «البوليس السري» او «البوليس الخاص» كما كان يسميه البعض وقد اعطت حكومة «فيشي» التي تعاونت مع الاحتلال الالماني احدى الادارات الثلاث الكبرى للشرطة الوطنية الفرنسية، لكن عناصر هذا الجهاز توزعوا بين اولئك الذين انخرطوا في صفوف المقاومة والآخرين الذين جعلوا من انفسهم «عملاء» في خدمة سياسة التعاون والتواطؤ مع سلطات الاحتلال النازي والتي كانت حكومة «فيشي» قد قررت انتهاجها بل وهناك من تعاونوا مباشرة مع سلطات الاحتلال، وكان رئيس جهاز «الاستخبارات العامة» قد حدد دور الاستخبارات العامة بان «تكون عيون الحكومة وآذانها بحيث تخبرها كل يوم بكل مظاهر الحياة في البلاد» وفي عام 1949 وجه وزير الداخلية الفرنسية الاشتراكي آنذاك «جول موشي» حديثه لعناصر الاستخبارات العامة: قائلا: «مهمة مصلحتكم تشابه عمل الارصاد الجوية الخاصة بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفرنسية». وقد تم تزويد الاستخبارات العامة الفرنسية اعتبارا من عام 1964 بمعهد خاص لدراسة استطلاعات الرأي تحت اسم «المكتب المركزي للاستطلاعات والاحصاءات» والذي كان يقدم، فضلا عن المعلومات، غطاء مريحا لعناصر الاستخبارات وكان هذا المكتب قد انجز قبل حله عام 1997 اكثر من 650 عملية استقصاء واستطلاع للرأي العام حول النتائج الانتخابية، او مواضيع اخرى، وقد اثبتت الوقائع بأن النتائج التي توصل اليها المكتب المعني في جميع الميادين كانت اكثر دقة ودلالة على الواقع من تلك التي قدمتها المعاهد التقليدية المختصة بدراسة الرأي العام. ومع مرور الزمن انشأ جهاز «الاستخبارات العامة» عدة اقسام متخصصة الى جانب الاقسام المكلفة بالتحليل السياسي وتتميز الاقسام المختصة بأنها «مغلقة» لانها تطبق القواعد التقليدية للمحافظة على السرية ولاصول العمل الاستخباري، كما انها تستخدم مصادر قد تتعرض حياتها للخطر، وتهتم ايضا بكل ما يتعلق بالأعمال التخريبية والارهاب، ومنذ فترة قريبة، بالجريمة المنظمة وتبييض العملات. وتجدر الاشارة الى خصوصية يتسم بها جهاز «الاستخبارات العامة» وهي ان اعضاءه لا يتمتعون، الا في بعض الحالات الاستثنائية بالنسبة للاقسام المختصة بمكافحة الهجرة السرية، بأية سلطة قضائية، وبهذا المعنى يقترب اسلوب عمل الاستخبارات العامة من الاسلوب السائد لدى المصالح السرية «التقليدية». وذلك اكثر مما هو الامر بالنسبة لمفتشي جهاز مراقبة التراب الوطني. واذا كانت سمة التبدل والتغير هي التي سادت بالنسبة لاجهزة الاستخبارات الاميركية والفرنسية، فإن الاجهزة السرية البريطانية كانت الاقل عرضة للهزات بعد عام 1945، اذ وباستثناء «الغاء» جهاز تنفيذ العمليات الخاصة الذي كان تشرشل قد انشأه عام 1940 فإن الاجهزة عادت للعمل «المعتاد» لفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، فالاستخبارات الخارجية هي من اختصاص الجهاز «ام ـ 16» ومكافحة الجاسوسية الداخلية بجهاز «ام ـ 15» وللجيش اجهزته الاستخبارية الخاصة. تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف