الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 ان التصعيد المفاجيء لبرنامج كوريا الشمالية النووي وقيام بيونغ يانغ بطرد المفتشين الدوليين عقدا استراتيجية الولايات المتحدة من الناحيتين الدبلوماسية والعسكرية، فأميركا الان تواجه صعوبات اكبر بكثير من قبل في تقديم حججها امام مجلس الامن لاستصدار قرار بشن عمل عسكري ضد الرئيس العراقي، الذي ربما يمتلك اسلحة نووية خلال بضعة اعوام، في الوقت الذي تدفع واشنطن نفسها باتجاه ايجاد مقاربة دبلوماسية حيال حكومة كوريا الشمالية التي يرجح انها تملك حتى الان سلاحي بلوتونيوم بسيطين. عسكريا، يشدد وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد على ان بمقدرة الولايات المتحدة التعامل مع الصراعين في وقت واحد، لكن عمليا فان مجرد الفكرة ذاتها تشكل ضغطا كبيرا حتى على القوات المسلحة الاميركية، وعلى سبيل المثال فإن حاملة الطائرات الاميركية «كيتي هوك» ومجموعتها العسكرية خصصت لتقوم بدور منصة لشن العمليات الخاصة ضد العراق، اما الان فيرجح بقاؤها في الشرق الاوسط. وعلاوة على ذلك ففي حين روض العالم نفسه الى حد ما الى الاذعان لحتمية الحرب على العراق، فإن احتمال نشوب صراع مسلح في كوريا الشمالية بإرهاصات نووية سوف يولد ردة فعل عكسية دولية من شأنها اعاقة تقدم ادارة بوش في زحفها على العراق، ويقول معظم المحللين الاستراتيجيين ان تأزم المواجهة مع كوريا الشمالية هو السيناريو الوحيد تقريبا الذي من شأنه تأجيل غزو العراق حتى الشتاء المقبل. وهكذا فإن التحدي الذي نشب في غير اوانه في كوريا الشمالية اجبر البيت الابيض على الاسراع في الارتجال لسد الثغرات التي برزت في مبدأ بوش، فهناك على سبيل المثال حظر كامل على مستوى الادارة الاميركية على استخدام مفردة «ازمة» فيها يتعلق بكوريا الشمالية. وخلال خطابه امام الجنود في تكساس مؤخرا، جادل الرئيس بوش بأنه في حين لايزال العالم يحاول ايجاد ارضية مشتركة في موضوع كوريا الشمالية، فإنه «تحدث بصوت واحد» في موضوع العراق، ومن الواضح ان هذا الكلام كان زائفا «لاتزال هناك انقسامات عميقة في مجلس الامن بشأن العراق»، وينطوي على اعتراف ضمني بفشل سياسة واشنطن في احتواء كوريا الشمالية، ان كوريا الجنوبية والصين كلاهما تتحفظان على خيار فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية ضد بلد على حافة الانفجار اصلا. وفيما يتعلق بالسؤال عن سبب اعتبار كوريا الشمالية الان «الشر الاصغر» في محور بوش، يشير المسئولون الاميركيون ايضا الى ان الرئيس العراقي بخلاف كيم جونغ ايل سبق له ان استخدم بالفعل اسلحة التدمير الشامل، هذا الكلام صحيح لكنه يخص الماضي، وفي الوقت الراهن، فإن الرئيس العراقي له سمعة دولية افضل من سمعة نظيره الكوري الشمالي، بعد ان فتح ابوابه لمفتشي الامم المتحدة.ان السبب الحقيقي وراء انتهاج اميركا سياسة الاحتواء مع كوريا الشمالية واستبعاد هذا الخيار كليا مع العراق ليست له علاقة بالقانون الدولي وله علاقة كبيرة بالواقع العسكري الصريح، فالولايات المتحدة تتعامل مع كيم بلطف وكياسة ليس على الرغم من انتهاكاته بل بسببها، فهو الان يملك القنبلة النووية، وربما يمكنه تدمير كوريا الجنوبية واجزاء كبيرة من اليابان في حال تعرض للهجوم. وبالمقابل فأن برامج العراق النووية تقدمت ببطء شديد بسبب الرقابة الدولية المشددة، ولذلك فهو اكثر عرضة للهجوم الخارجي، ويجادل صقور واشنطن، بأنهم اذا منحوه فرصة عامين اخرين، سيجدون انفسهم مضطرين لمعاملته بنفس الحذر الذي يعاملون به كيم. ثمة منطق مقنع وراء هذا الاتجاه في التفكير لكن ادارة بوش جعلت من المستحيل تسويقه على الساحة الدولية بسبب حماقة سياستها الخارجية التي تبدو مدهشة في فظاظتها نظرا لوجود اشخاص مخضرمين في فريقها.وبعد ان بدأت عام 2002 بالتعهد بإحداث تغيير في النظام في العراق، واجهت واشنطن صراعا عسيرا في اقناع مجلس الامن بأن مصلحتها الرئيسية هي في نزع اسلحة بغداد، وقد تطلب هذا الانعطاف تلاعب غير مقنع في الكلمات من جانب وزير الخارجية كولين باول والناطق بإسم البيت الابيض آري فلايشر اللذين اشارا الى ان في حال التزمت بغداد بنزع اسلحة الدمار الشامل، سيكون النظام الحاكم قد تغير فعليا، ولذلك ربما يسمح له بالبقاء في السلطة. لم يكن هذا الاداء مؤثرا، وسرعان ما اصبح هذا المتاع الخطابي البالي عبئا دبلوماسيا ثقيلا على كاهل الادارة الاميركية عمّق ارتياب الحلفاء المحتملين الذين شكوا في ان تجديد بعثات التفتيش ما هو الى ذريعة لشن الحرب، وعلاوة على ذلك، فإن تحذير الرئيس العراقي بأنه سيكون مستهدفا مهما فعل، قضى على اي حافز له بالتخلي عن وسائله الدفاعية الاكثر اخافة. وحتى لو كانت الادارة الاميركية حقا تؤمن بأن الطريقة الوحيدة لنزع اسلحة العراق هي اقصاء الرئيس العراقي، كان يمكن ان تكون في وضع افضل بكثير الان لو احتفظت برؤيتها المتبصرة لنفسها، وتابعت موضوع نزع الاسلحة بالكلام والفعل، واتاحت لبقية العالم الوصول الى النتائج ذاتها التي خلصت اليها هي.ان مساعدي الرئيس بوش يتحدثون كثيرا عن «وضوحه الاخلاقي» بمعنى انه يفصل تقسيم العالم الى «خير وشر» «معنا او ضدنا» لقد كانت تلك صيحة نافعة لحشد التأييد في اعقاب 11 سبتمبر، لكن مع مرور كل شهر منذ ظهور تعبير «محور الشر» وابرام صفقات مع انظمة تقطن في الظلال الواقعة بين الخير والشر تزداد الصورة ضبابية، ويوما بعد يوم يتضح ان رؤية بوش تتسم بوضوح من نوع خاطيء اصلا، نوع يحل الخطابة السهلة مكان صفاء الذهن والتفكير الثاقب. ترجمة: علي محمد _ خدمة «نيويورك تايمز» _ خاص لـ «البيان»