السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 اذا كان المشروع الاميركي تجاه العراق يندرج تحت تصرفات سلطة امبراطورية، كما يصر على ذلك الكثيرون فان العراق كما هي الحال مع جميع المستعمرات منذ ايام الامبراطورية الرومانية الامبريالية، سيكون في حاجة الى حاكم عسكري يدير شئونه وفي النهاية يجب ان يكون هذا الحاكم في اغلب الاحوال عربيا مسلما وذلك لاسباب ظاهرية حتى لا يتم النظر الى الحرب المقترحة على انها حرب صليبية ضد الاسلام. ولكن كاحدى النتائج الفورية للحرب، فان الرجل الذي من المحتمل ان يمسك بمقاليد الامور في العراق سيكون هو الشخص نفسه الذي خاض هذه الحرب في حال وقوعها والجنرال تومى فرانكس هو قائد اركان ما تطلق عليه السلطات العسكرية الاميركية اسم «القيادة المركزية» التي تمثل 25 دولة من افريقيا والشرق الاوسط والشرق الادنى حتى افغانستان التي غدت بشكل مفاجيء نقطة ارتكاز القوة العالمية ونقطة ارتكاز «الحرب الاميركية على الارهاب». ولو كانت الامبراطورية الرومانية في روما هي التي كانت تشن هذه الحرب، لكان فرانكس قد اصبح القنصل الروماني في اكثر مستعمرات الامبراطورية ـ الرومانية اضطرابا ومعاناة من الصخب والقلاقل، فهو الآن القائد العسكري الذي عليه أن يقوم بتصميم وخوض والفوز بحرب الرئيس الأميركي بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير. ويأتي هذا التكليف في أعقاب آخر تكليف لفرانكس عندما صدرت له الأوامر في الثاني عشر من سبتمبر 2001 للخروج مرة أخرى إلى الحياة العامة وملاحقة أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة وحركة طالبان في افغانستان. ومن الصعب عند النظر إلى فرانكس ان يتخيل المرء شخصاً يتناقض بشكل أكثر منه مع القائد الذي خاض الحملة الأولى ضد الرئيس العراقي صدام حسين في العراق وهو «الجنرال» نورمان شوارزكوف. فقد كان شوارزكوف من الشخصيات المدمنة للاعلام حيث كان يغذي كاميرات الإعلام تقريباً يوميا بأقوال مأثورة عن سير الحرب. في حين أن فرانكس نادراً ما يظهر بشكل علني وتقريباً لا يسمح بعقد لقاءات صحفية معه. فأثناء حرب افغانستان، كان يتم إجباره من قبل وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، الذي يسأل امامه عن مجريات الأمور، للادلاء بتصريحات في مؤتمر صحفي عن مجريات الحرب. وعندما تسلط الأضواء على فرانكس، فإنه لا يتوقع أن يسمع منه أكثر من الأتي: «العمليات التي نقوم بها تستمر طوال الأربع والعشرين ساعة يومياً. فهي تستمر من الجو في النهار والليل، ومثلما رأيتم في بعض وسائل الإعلام، لنا عناصر تقوم بمهمات على الأرض في أفغانستان». ثم عندما سئل أثناء لقاء مع شبكة سي. إن. إن عن مكان أسامة بن لادن، قال: «لا نعلم أين هو، فهو إما في افغانستان أو ليس داخلها». غير ان فرانكس لا يمكن ان يكون خجولا بأي حال من الأحوال عندما يكون مع نفسه وبين قواته، فخلف الأبواب المغلقة، يكون فرانكس مغواراً عنيدا، بل ومتبجحاً في بعض الأحوال. يقول عنه اللواء المتقاعد ليو باكستر إنه «صريح ومباشر جداً في كلامه ويتمسك برأيه بشدة. ففي خلال مناقشة لا تستغرق أكثر من خمس دقائق تدور بينك وبينه حول من هو المصيب ومن هو المخطيء في رأيه، فإنه يستخدم الكلمات الموجودة وغير الموجودة في القاموس اللغوي. وبينما لا يريد فرانكس ان يبدو مسليا للجمهور، فإن هذا الاسلوب لم يمنعه من اصطحاب احد المغنيين واثنين من فريق «دالاس كاوبويز» من اجل تسلية القوات على متن الطائرة «يو اس اس ابراهام» في نوفمبر الماضي. ويتذكر احد الضباط تصرف فرانكس اثناء احدى جلسات الطعام كانت قد اعدت لكبار الضباط في المقر الجديد للقيادة المركزية في قطر، وهو اول مركز يقام للقيادة المركزية خارج الولايات المتحدة الاميركية على ابواب اراضي العدو. فقد كان من المفروض ان يجلس فرانكس مع كبار الضباط، ولكنه بدلا من ذلك جلس على احدى الموائد في احد الاركان مع احد المجندين، وتبعا لرواية اوردتها مجلة «نيوزويك» عن هذا الموقف، فقد اقترب منه احد مساعديه وقال له انه يمكنه الان ان يذهب الى مكانه مع كبار الضباط، فكان الرد كالتالي: لا، انني اريد ان اتحدث مع سيادة الرقيب. وفي احدى المناسبات الاخرى، علم فرانكس ان احد الضباط من الفتيات الصغيرات قلقة من الجلوس بجانبه، فما كان من فرانكس الا ان نهض من مكانه لدى وصولها وعانقها بلطف ثم اخذ في جر الكرسي لها حتى يتسنى لها الجلوس بجواره. وفي مقابلة له مع وكالة الاسوشيتدبرس، قال فرانكس: انا اتذكر عندما كنت جنديا صغيرا، واتذكر تلك الأيام التي كان يعتني بي الاخرون وعندما لا يتم الاعتناء بي». ولايزال فرانكس يحتفظ بمظهر صبي الريف ذي الملامح القاسية، فقد تربى في تلك المدينة الصحراوية ميدلاند بولاية تكساس، والتي حولتها عائلة بوش الى بئر نفط. وتفتخر هذه المدينة بملكيتها لواحد من الامتيازين الذين تملكهما شركة رولز رويس في البلاد، كما ان عدد المليونيرات بها يفوق عدد المليونيرات في اي مدينة أخرى بأميركا قياساً بعدد السكان فيها. وكانت لورا بوش تدرس بالمدرسة نفسها التي كان يدرس بها فرانكس حيث كانت اصغر منه بعامين. غير ان فرانكس وعائلة بوش كانوا يسكنون عالمين مختلفين. فعائلة بوش ذهبت الى هارفارد وذهب بوش الابن بعيداً ليتجنب الخدمة العسكرية والمشاركة في حرب فيتنام في حين ذهب فرانكس الى جامعة تكساس المحلية ثم التحق بالجيش. وتم استدعاؤه ليخدم في احدى وحدات المدفعية في فيتنام، وهو ما اكسبه ثلاثة اوسمة من وسام القلب الارجواني. وعندما عاد الى الجامعة التحق بقسم الاعمال والادارة العامة ثم عاود الالتحاق بالخدمة العسكرية في سلاح الفرسان وخدم في حرب الخليج عام 1991 ومنذ اوائل الستعينيات، تسلق فرانكس سلم التألق مع البنتاغون حتى تولى قيادة القيادة المركزية التي كانت في فلوريدا عام 2001. يقول فرانكس: لقد قامت البنية التحتية العسكرية بتربيتي، وايماني بالله أمر مهم وايماني ببلدي مهم، وايماني بعلاقتي مع اسرتي مهم، والاشياء التي يقولها لك ابوك وامك من اجل تربيتك مهمة. ويطلق حفيده عليه اسم «بوه» تشبيها بالدب وعند فرانكس بيك اب ابيض يتنقل فيه خارج اوقات الخدمة. والطريقة التي يسافر بها فرانكس تلخص التناقضات العسكرية التي تتكون منها شخصيته فهو يسافر عبر طائرة بوينغ عمرها 40 عاماً مزودة بأحدث الوسائل التقنية، وعلى خلفية معقدة هناك اربعة نجوم، وعادة ما يترك اثناء سفره المقعد المجاور له خاليا تحسباً لسفر زوجته معه، وهو الامر الذي يحدث في العادة، هذا المقعد يوجد على ظهره اربعة قلوب.يقول عنه أحد اصدقائه يُدعى جو هاوس: «إن مظهره الخارجي خداع، فهو يبدو وكأنه طفل مطيع جيد، ولكنه فجأة يتحول الى سياسي عليم ببواطن الامور وماهر في رسم التكتيكات». ويخدم فرانكس مع واحد من أكثر وزراء الدفاع سطوة ومهابة وقوة منذ الوزير روبرت مكنمارا، وزير الدفاع الاميركي اثناء الحرب في فيتنام. فرامسفيلد ليس لديه رؤية للسيطرة وحكم وتنظيم العالم وحسب، ولكنه يعلم كذلك كيف يمكنه تحقيق هذا الهدف على المستوى السياسي والعسكري. وهناك هوة سحيقة تقسم البنتاغون الى قسمين: (وهي الصورة نفسها الموجودة في الادارة الاميركية) فباختصار هناك فريق من الذين يؤمنون بشدة بفعالية القوة العسكرية الاميركية وخوض الحروب ولكنهم لا يجدون ان عليهم بالفعل خوض تلك الحروب، وهو فريق من الذين يجدون ان عليهم خوض تلك الحروب ومنشغلون بكيفية خوضها بشكل جدي. ورسم بسيط للمعسكرين سوف يضع رامسفيلد ونائبه باول وولفويتز بجانب جورج بوش الابن في المعسكر الاول، والجنود المحترفين الملتفين حول وزير الخارجية كولن باول عندما كان رئيس هيئة الاركان المشتركة تحت قيادة جورج بوش الاب في المعسكر الثاني. اما فرانكس فهو رجل من رجال باول. ففرانكس يرى انه «لايوجد شخص يكره الحرب كما يكرهها الجندي». ويتمسك فرانكس بشعار آخر يمقته رامسفيلد وهو انه «لا توجد خطة تتفوق على خطة الاشتباك المباشر مع العدو» غير ان وظيفة الجندي هي اطاعة الاوامر. وفي الوقت الذي يُرى رامسفيلد وهو يمتدح فرانكس علنا ويصفه بانه «قائد حكيم وخلاق، فإن هناك الكثيرين ممن يشهدون على وجود توتر بين الاثنين، حيث سمع رامسفيلد وهو يقول انه يرى فرانكس شخصا تقليدياً بشكل مفرط وغير خيالي وعنيد، وسمع فرانكس وهو يقول على رامسفيلد العبارة نفسها التي استخدمها كولن باول من وصف وولفويتز، وهي انه «جنرال يعمل كالمسطرة الحاسبة.لقد تم خوض حرب افغانستان عن طريق الهجوم من الخارج واستخدام حلفاء من الافغان انفسهم وقوات خاصة، وهذا هو الاسلوب الذي يريد رامسفيلد استخدامه في حرب العراق، حيث انه لا يطيق سماع ما يرى انه اسلحة عتيقة عفى عليها الزمن، مثل اسلحة المشاة والمدفعية. غير ان هذا الاسلوب لا يحظى بموافقة فرانكس فخطة الهجوم على العراق من وجهة نظره تحتم الجمع بين هوس رامسفيلد بالتكنولوجيا والقيام بغزو بري تقليدي كاسح مصاحب لاستخدام التكنولوجيا فائقة التطور. و بشكل يثير الاهتمام استطاع فرانكس ان يوصل رأيه ويجعل الرئيس سيستمع اليه.وعندما قام فرانكس برئاسة القيادة المركزية عند نقلها الى قطر، لم يكن هناك الا قدر قليل من الشك في قوة رسالة التهديد التي تبعتها خطوة نقل القيادة الى قطر والى العراق والى المنطقة ككل. غير ان حجم السياسة الذي تنطوي عليه مثل هذه الخطوة بالنسبة لفرانكس كان اقل شفافية. فكل امبراطورية تعلم ماذا تفعل مع مسئول مخلص لها لا يحظى بقبول الجيل الجديد الذي يعتلي السلطة، فمصيره دائما يكون العزل مع تكريمه بأرفع الاوسمة وترقيته مكافأة لجهوده السابقة.ولو أصبح فرانكس الرجل الذي يقود عراق ما بعد الحرب، فانه سيجد نفسه يقود قاعدة من قواعد الامبراطورية تعاني قدرا كبيرا من الفوضى والتشرذم وربما تنعم بخير وفير. وربما يكون الامر ان حياة هذا الجندي المغفل سوف تبدأ لتوها هناك. واثناء احدى احاديثه الصريحة قال فرانكس عن هذا الامر: «سوف نرى الى اين تسير الأمور». عن «غارديان»