الجمعة 7 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 10 يناير 2003 يسود الظلام الدامس والبرد القارس على عمق 150 مترا تحت سطح الجزء الغربي من المحيط الاطلسي، ووسط هذه الظلمة الكالحة يمتد حبل بطول هذه المسافة وهو بمثابة حبل نجاة يربط بين الفراغ الازرق اللامحدود للمحيط والعالم الدافيء الذي تغمره الشمس وراء ذلك. وبالنسبة لتانيا ستريتر، فان هذا الحبل لا يعتبر منفذ نجاة الى السطح، وانما هو طريق سريع يقود الى الفراغ وسكة توجيه تنزلق عليها على متن زلاجة فولاذية مركبة بشكل خاص يجعلها تشبه الرصاصة الكبيرة وبينما تهبط الزلاجة بسرعة مترين في الثانية تشعر تانيا بضغط كبير على طبلة الاذن وبوصولها الى عمق 50 مترا، شعرت تانيا بان رئتيها قد انعصرتا الى حجم حبتي برتقال وادى الضغط على قفصها الصدري الى انضغاط قلبها في الجزء العلوي من التجويف الصدري ودفعه الى احد الجانبين. وفي هذه النقطة يبدأ الغواصون الذين يستخدمون خزانات هواء مضغوط بمعايشة شعور بالثمالة من مخدر النيتروجين والتعرض لخطر «ضربة اكسجين» قاتلة قادرة على التسبب بتعطيل الجهاز العصبي المركزي لديهم ومع ذلك فان تانيا تشعر بصفاء الذهن، انها لا تتنفس هواء مضغوطا ولا تحمل خزانا للهواء وكل ما تفعله هو انها تحبس نفسها في محاولتها لان تصبح الغطاسة الحرة التي وصلت الى اعمق نقطة في تاريخ هذه الرياضة. ولدت تانيا (29 عاما) لأم بريطانية واب اميركي في جزر غايمان وتلقت تعليمها في انجلترا بمدرسة روديان الخاصة وجامعة برايتون ولم تتعرف على عالم الغطس الحر الا في سن الرابعة والعشرين وفي العام التالي، حطمت الرقم القياسي العالمي للغطس بوزن ثابت في المياة العذبة، وهو نوع من الغطس يتحرك فيه الغطاسون بقواهم الذاتية مستخدمين الزعانف، وقد جعلها غطسها لعمق 57 مترا في غضون دقيقتين وعشر ثوان اول امرأة تسجل رقما قياسيا عالميا في الغطس الحر لكلا الجنسين. ولكن المجال الذي صنعت فيه تانيا اسما لها كان في الغطس الحر «غير المقيد» وقد سمي بهذا الاسم لان الزلاجة يمكن ان تكون بالثقل الذي يرغبه الغطاس والقيد الوحيد على سرعة الهبوط هو مدى سرعة معادلة الغطاسين للضغط الممارس على اذانهم وقد اشتهرت هذه الرياضة في الثمانينيات من خلال فيلم لوك بيسون «الازرق الكبير» الذي يحاول فيه رجلان ان يتغلبا على بعضهما البعض بالغطس الى عمق اكبر من الآخر وهي رياضة كانت تخضع تقليديا لسيطرة الرجال الذين يملكون رئات اكبر ولديهم غرور اكبر، وكان الغطس الحر في يوم من الايام حكرا على المتنافسين من الرجال في ايطاليا وفرنسا وهما دولتان لديهما تقليد عريق في حبس النفس كوسيلة لصيد السمك بالحربة. ولكن الامر لا يتعلق بالتحدي الجسدي فحسب، فمحاولة تسجيل رقم قياسي عالمي تحتاج الى الكثير من التنظيم والكثير من النفقات فقد وصلت التكلفة الاجمالية لمحاولة تانيا ألوف الدولارات. ويبدو ان تانيا قد اخذت سلسلة من الجرعات الكبيرة من الهواء قبل ان تغطس وهي تسمي ذلك «تعبئة الهواء» وبرغم الاستعداد للمحاولة الا ان زوجها ومدير اعمالها بول بدا عليه القلق وطلب منها تأجيل المحاولة ولكنها قررت القيام بها رغم كل شيء. عند عمق 75 مترا بدأ جدار صدرها ينهار تحت الضغط واندفع الدم والسوائل الى رئتيها المنكمشتين لاسنادهما. وبطريقة ما وجدت هواء تدفعه في الانابيب الواصلة بين حلقها والاذن الوسطى لمعادلة الضغط. وبعد تجاوز عمق 90 مترا لم يعد بامكانها فعل ذلك واخذت تشعر بألم حاد. وبعد عمق 110 امتار، اصبحت ترى بصورة ضبابية وتشعر بدوار في رأسها وتباطأت ضربات قلبها الى ربع سرعتها الطبيعية. وبتجاوزها للعضو الاخير في فريق المساندة الخاص بها كانت تانيا ستريتر قد بلغت عمقا قدره 135 مترا. وعلى الرغم من حصولهم على تدريب في اساليب الغطس وتزودهم بأجهزة خاصة واستخدامهم لثلاثة انواع من غازات التنفس الا ان الغطاسين المتمرسين لا يستطيعون فعل شيء غير مراقبة تانيا وهي تهبط الى الاعماق. توقف امداد الدم بين الاعضاء الرئيسية لتانيا واخذت خلايا دمها الحمراء تفقد قدرتها على حمل الاكسجين وبينما تعتبر مستويات الاكسجين في الدم المتراوحة بين 70ـ 80% خطرا على الحياة في المستشفيات، فان ستريتر ظلت على قيد الحياة معتمدة على نسبة 51% من الاكسجين في الدم وفي تلك الاعماق. وعندما تجاوزت عمق 155 مترا، واجهت خطر التعرض لازدواج البصر والغثيان والارتباك بل وحتى الدخول في غيبوبة وعندما وصلت تانيا الى نهاية الحبل، كان جسمها تحت ضغط يعادل 15 ضعفا للضغط الجوي العادي حيث كانت على عمق 160 مترا. التقطت تانيا بطاقة معدنية مربوطة بالحبل كدليل على انها وصلت الى العمق المطلوب وتخلصت من الزلاجة وقامت بفك عدة السلامة الخاصة بها وفتحت صماما لنفخ بالون يملأ بالغاز سيحملها الى سطح الماء. واثناء توجهها الى السطح تمدد الهواء في رئتيها من جديد وبدأ جسمها يعود الى طبيعته غير انها واجهت مع اقترابها من السطح خطرا اخيرا فالانخفاض المفاجيء في ضغط الاكسجين قد يسبب اغماءه حادة وهي حالة تعرف باسم «اغماءة المياه الضحلة» ولكنها عادت الى السطح سليمة معافاة بعد مضي ثلاث دقائق و26 ثانية على قيامها بهذه المحاولة التي تكللت بالنجاح وبتسجيل رقم قياسي عالمي جديد. ضرار عمير