الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 ووهاو هو رسام تايواني لون مسيرة حياته باللوحات الزيتية واللوحات المطبوعة من كليشيهات خشبية وكذلك الاصباغ المخزنة في ذاكرته. كانت ذكريات طفولته المتعلقة بالسنة الصينية الجديدة بشكل خاص مصدراً دائماً من مصادر الالهام بالنسبة له، حيث اتاح له ذلك ان يستقي بعض الأمور من صور السنة القمرية الجديدة التقليدية لابداعاته. وبمزج ذكي بين موضوعات الفن الفلوكلوري الصيني وأدوات وأساليب الرسم الغربي، فان اعمال وو تمثل حالة ذهنية خاطفة، حالة مزاجية تتميز في الغالب بالحنين إلى الماضي والهدوء والمرح. ويبدو ان آراء وو في الابداع الفني تتفق مع الطبيعة التراكمية للذاكرة.. وهذا التعبير في الفن يتطور مع التراكم التدريجي للتجارب الشخصية. ويقول هاو بهذا الخصوص: «يميل الكثيرون إلى اعتبار الابتكارات الجديدة في الفن مشابهة لتدمير الابداعات القديمة ولكن بنظري، فان الحياة قصيرة جداً بحيث يتم انكار الجهود السابقة. فالابداع الفني هو عملية متواصلة يحصل منها المرء على تجارب خاصة به كفرد». ويعتقد هاو ان توظيف اللون والمادة وأدوات التعبير الاخرى هو أمر شخصي بحت، ويجب ان يكون كذلك. ويضيف قائلاً: «بدلاً من تقليب الماضي، أفضل المضي قدماً انطلاقاً من التجارب السابقة. ومن خلال هذه العملية فقط يصبح الفنانون ناضجين بما فيه الكفاية لترسيخ تميزهم». وهذا المفهوم ينعكس غالباً في اختيار الرسام وتقديمه للاشكال الانسانية، التي تكون مصحوبة بالحيوانات احياناً، وتكشف عن ميل هاو لرؤية العالم بعيون الابرياء واستخدامه للألوان الزاهية والخطوط الدقيقة يضيف المزيد من لمسة البراءة على أعماله. وحتى عندما يرسم المناظر الطبيعية والحيوانات وجوانب الحياة الساكنة، فانه يعبر عن لمسة حنان تنبع من حنينه لمسقط رأسه. ومع مرور الوقت، امتد شعوره بالوطن إلى ما هو ابعد من نانجنج ليشمل تايبيه. ولد وو هاو في عام 1932 لعائلة ثرية في نانجنج. وعلى الرغم من ان والده كان رجل أعمال، الا ان هاو يبدو انه قد ورث موهبته الفنية من جده لأمه الذي كان متخصصاً في الرسم الصيني. وظهر اهتمامه بالفنون وهو في سن مبكرة، واتخذ الرسم هواية له. غير ان الغزو الياباني للصين جعل عائلته في حالة تنقل مستمر لعدد من السنوات. وحتى بعد ان هزمت اليابان في عام 1945، اجبرت الحرب الاهلية في الصين وو هاو، الذي كان يستعد لدخول كلية تقنية في سوزهاو في حينه، إلى الانتقال إلى تايوان في عام 1949 بصحبة قريب له. ومن اجل اعالة نفسه، تطوع وو للخدمة في سلاح الجو. وخلال اوقات فراغه، كان وو يجتمع مع الأصدقاء الذين يشاركونه اهتمامه بالفنون ويرسمون صوراً من الحياة الواقعية. وفي النهاية اخذت هذه المجموعة الصغيرة تحضر دروساً في الرسم كان يعقدها رسامون عديدون من ضمنهم لي تشونغ شنغ، الذي كان له تأثير ملهم خاص. ولقي الرسام المتدرب تشجيعاً اضافياً على تطوير هوايته بعد فوزه بجائزتين كبيرتين في مسابقات فنية اقامتها وزارة الدفاع الوطني لتشجيع الرجال الذين خدموا في الجيش على تطوير اهتمامهم بالفنون الجميلة. وفي عام 1952، تمت ترقيته إلى منصب ضابط صف وأوكلت له مهمة صيانة ملجأ من القنابل بني في تايبيه خلال فترة الاستعمار الياباني. وسرعان ما اصبح الملجأ المرسم الخاص بوو هاو والمكان الذي يتجمع فيه العديد من الرسامين الناشئين. وبعد أربعة اعوام، شهد هذا الملاذ الفني تأسيس تجمع «تون مان» الفني الذي كان له دور بارز في تحديث الآفاق الفنية في تايوان. وخلال الفترة نفسها، وجد هاو نفسه منجذباً بشكل عميق لدراسة الفنون الفلوكلورية الصينية. وعلى خلفية تأثره بهذه الالهامات، بدأ هاو في عام 1957 بخوض التجربة مع الرسومات الزيتية باستخدام أساليب متعددة مثل الكلاسيكية المحدثة والتكعيبية والسريالية والرسم على الجص والفنون الفلوكلورية الصينية. وبينما استمر في حصد العديد من الجوائز الوطنية في مجال الفنون الجميلة، بدأت لوحاته الزيتية أيضاً تظهر بصورة منتظمة في معارض تجمع تون برفان للفنون التي كانت تعقد سنوياً في الفترة من عام 1957 إلى عام 1971، وهو العام الذي شهد تفكك التجمع. وفي عام 1958، بدأ هاو يظهر اهتماماً بالرسومات المطبوعة بعد حضوره لمعرض الرسوم المطبوعة الأميركي ـ الصيني. وفتر ذلك الاهتمام حتى عام 1964، عندما بدأ بتقديم رسومات مطبوعة على كليشيهات خشبية للصحف وفي عام 1966، انضم هاو إلى جمعية الرسوم المطبوعة الحديثة، التي تشكلت في عام 1959، وبدأ يركز على الابداع في الرسوم المطبوعة. وشارك فيما بعد في معارض عديدة في كل من اليابان وايطاليا وألمانيا والبيرو. وفي عام 1979، نالت لوحته المطبوعة على كليشيه من الخشب والتي تحمل عنوان «ريف وادع» جائزة رئيسية في معرض بريطاني خاص بالرسوم المطبوعة على كليشيهات الخشب. وبعد ذلك بسنوات عاد هاو إلى الرسم الزيتي لاعتبارات عديدة أهمها ان اللوحات الزيتية تجد طلباً أكبر عليها في تايوان من الرسم على كليشيهات الخشب بالاضافة إلى ان الرسم بالزيت يعد اكثر مرونة واتساعاً. ورغم تقدمه بالسن، إلا ان هاو يبرهن على ان العمر لا يعيق الابداع وانما يجعل الوقت ثميناً بدرجة أكبر، ويجعل الرسام يرى الأمور بصورة أوضح وأكثر عمقاً. ضرار عمير