الخميس 6 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 9 يناير 2003 يخطيء من يتصور أن الحرب الأميركية الوشيكة على العراق يمكن استبعادها أو تفاديها إذا التزم العراق بقرارات مجلس الأمن. فالتخلص من أسلحة الدمار الشامل ما هو إلا مسمار جحا لتنفيذ خطة شديدة الطموح جرى وضع سيناريوهاتها قبل ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن، في عام 1973 بالتحديد، عندما أدركت الولايات المتحدة قدرة النفط العربي على إحداث توازن فعال في ميزان القوى من جانب، وفي التأثير بشكل فعال للغاية على الاقتصاد العالمي، والأميركي خاصة، من جانب آخر. فتغيير النظام في العراق وفرض ما يسمى بالديمقراطية والسلام في الشرق الأوسط لا يعكس الا سلسلة من النوايا المبيتة التي تنشدها السياسة الأميركية، ولن تكون الأخيرة أبدا، بدأت بتكريس العديد من الأنظمة العميلة، مثل نظام شاه إيران، وبسلسلة من المؤامرات المستمرة كتسليح الأكراد في شمال العراق. لذلك فإن رسم خارطة الشرق الأوسط يحتاج للكثير من المبادرات والعمليات وتغيير الأنظمة التي تراها أميركا معادية لها أو لإسرائيل. من هنا فإن وجود القوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، الغني بالبترول والثروات ومناطق النفوذ، يلوح ممتداً إلى غير فترة محددة ومتعدد الأهداف والأغراض، لتصدق بذلك المقولة بأن «دخول القوات الأميركية إلى منطقة الشرق الأوسط ليس مثل خروجها منها». والكتاب الذي نناقشه هنا «الحرب ضد العراق» الذي يتألف من صفحات معدودة لا تتجاوز 78 صفحة من القطع الصغير، ولكنها كثيرة المعاني والحقائق هو في الحقيقة لقاء مطول أجراه وليام ريفرز بت، مع مفتش الأسلحة السابق سكوت ريتر، الذي فضح على رؤوس الأشهاد المساعي الأميركية والقناع المزيف الذي تختفي وراءه لجان التفتيش. ويكتسب الكتاب أهمية استثنائية في هذا الوقت بالذات، والعالم كله ينظر ويتطلع إلى الآتي المظلم من الأحداث، والحرب التي يسود الاجماع على انها لابد أن تقع، لتخلف وراءها الكثير من المآسي والآلام ، بفضل أهدافها المجهولة، وطبيعة الأسلحة الفتاكة والمدمرة المحرمة التي حصدت من العراقيين الكثير حتى الان، وخلفت من ورائها الكثير من المخلفات النووية التي تفوق في تأثيرها كل ما يمتلكه العراق، إن وجد، من أسلحة كانت مخبأة في أحد الأماكن التي عجز المفتشون بتقنياتهم المتطورة وأجهزة الرصد والكشف وطائرات الاستطلاع لسنين عديدة عن تحديد مواقعها. أما المصدر الثاني لأهمية هذا الكتاب فهو ان مؤلفه، سكوت ريتر، هو أعلم من الكثيرين بحقيقة التسلح العراقي وما يروج عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، من هنا فهو في موقع أفضل ليستمع إليه مجلس الأمن وليطلع على آرائه، لأنه على دراية أدق وأكبر بحقيقة ما يمتلكه العراق من أسلحة. وفي الحقيقة يسعى المؤلف إلى الإفصاح عن الكثير من الحقائق التي جاهدت الإدارة الأميركية إلى تجاهلها أو إغفالها عن العالم بكل صلافة، متهمة إياه بالخائن وبالمتعاون مع الحكومة العراقية، علما بأنه من أشد المعادين لسياسة النظام في العراق. فأولى هذه الحقائق ان العراق، عمليا، تخلص من كافة أسلحة الدمار الشامل وبات في وضع اقتصادي ولوجستي لا يتيح له أبدا القيام بهذه البرامج مرة أخرى. أما الحقيقة الثانية فهي تأثير الإدارة الأميركية على طبيعة عمل المفتشين التي جنحت لتكون تجسسية أكثر منها تفتيشية، ونقل كل المعلومات إلى الدول الحليفة لأميركا في المنطقة، مثل إسرائيل، من دون علم الأمم المتحدة بذلك. وثالثا، وهو الأهم من كل شيء، إن قيادات الإدارة الأميركية، ممثلة بالرئيس وأعضاء الإدارة، مثل كولن باول وكوندوليزا رايس، مجمعون على هدف مشترك واحد يتمثل بتغيير النظام في العراق، لأسباب عديدة، أهمها عدم تراجع الرئيس بوش عن ما أعلنه في حملته الرئاسية بمكافحة ما يسمى بالإرهاب، وفي تغيير النظام العراقي مصالح للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. جوهر مشكلة العراق ينطلق الكاتب بت بالقول ان أسطورة عقدة غورديون تعود في تاريخها إلى أيام الإسكندر الأكبر الذي شملت فتوحاته في ما بين الأعوام 336 ـ 323 قبل الميلاد العديد من مناطق آسيا، مثل سوريا ومصر وبابل وفارس. وتقول الأسطورة بأن الملك غورديون قد ربط عقدة بشكل دقيق للغاية لم يكن من السهل أبدا حلها. وعلم الإسكندر الكبير من خلال أحد الحكماء بأن الحاكم التالي لآسيا سيكون قادرا على حل هذه العقدة. فما كان من الإسكندر إلا أن شهر سيفه وقطع العقدة الشهيرة ليتمكن بذلك من حل اللغز بسيفه. واليوم يواجه الرئيس بوش وإدارته عقدة مستعصية أخرى، تسمى العراق، وهي العقدة التي لم يعمل أي من الملوك القدماء على إيجادها. وفي الحقيقة فإن ما أوجد هذه العقدة هو تورط الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من عقدين من الزمن، ومن خلال قادة هذه المنطقة ـ كشاه إيران بالطبع. وأسهم الرؤساء الأميركيون بدءا من ترومان ونيكسون وكارتر وريغان وكلينتون، وأثنين يحملان الاسم ذاته، بوش، بربط هذه العقدة، التي باتت تشكل أيضا لغزا قديما عملت الحرب الباردة على إيجاده، شأن البترول والدم والسلطة. لقد تم التخلص من عقدة غورديون بالسيف، الذي لو عمدت إدارة بوش إلى استخدامه فلن تحصد شيئا سوى الفوضى والدمار. ولقد استثمرت الإدارة الأميركية الكثير من رأس المال السياسي في الحرب ضد العراق، وفي الإطاحة بالرئيس العراقي. وللإيفاء بالالتزامات التي قطعتها على نفسها في الحملة الانتخابية، ستدفع الإدارة الأميركية الكثير من التكاليف، وتجعل من الحرب أمراً لا بد منه. وأوضح ريتشارد بيرل، رئيس مجلس استشارة الحرب وأحد مصممي هذه الحرب، مرارا بأن على الرئيس بوش خوض هذه الحرب للمحافظة على سمعته السياسية وإن إخفاق الإدارة الأميركية في التصدي للرئيس العراقي تحقيقا لالتزامات الرئيس بوش سيفضي إلى انهيار الثقة بالرئيس وإلى استفحال دور (الإرهاب) في العالم. ووفقا لما يذكره الرئيس بوش والكثير من رجال إدارته المقربين ـ مثل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائب وزير الدفاع بول ولفويتز، وريتشارد بيرل، فإن العملية ستكون بمنتهى البساطة، وتماثل ما حصل عام 1991 في حرب الخليج الثانية. ولكن في هذه المرة ستقوم الولايات المتحدة بتغيير النظام في العراق، مؤذنة بذلك بولادة ما يسمى بالديمقراطية على النمط الأميركي. ومن خلال ذلك، ستضع الولايات المتحدة حدا للرئيس العراقي الذي طالما أقض مضاجعها بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، التي يستطيع استخدامها ضد جيرانه وحلفاء الولايات المتحدة، أو تسليمها إلى أسامة بن لادن لاستخدامها ضد الأميركيين. ويرى المؤلف أن أميركا مهيأة تماما للاستماع إلى مثل هذه الحجج المثيرة عن الشر بالأبيض والأسود، خاصة بعد الرعب والهلع اللذين استبدا بها جراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وفي الوقت ذاته يعتري الخوف الشديد الكثير من الأميركيين لفكرة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل الكيميائية والنووية والبيولوجية، ووجود الرئيس العراقي في السلطة، الذي هولت الأوساط الإعلامية الأميركية صورته كبيرا، بينما قارنه الرئيس الأسبق جورج بوش الأب بهتلر، فإن مجرد التفكير بتسليم العراق لإسامة بن لادن مثل هذه الأسلحة يكفي لإرعاب أكثر الأميركيين رشدا وعقلانية. أوهام الادعاءات الأميركية يشير ريتر في غمار الحديث عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، الى ان مثل هذه المسألة ليست أبيض وأسود كما تود إدارة الرئيس بوش للقضية أن تلوح هكذا. فليس ثمة شك بأن العراق لم يلتزم كلية ببرنامج نزع التسلح الذي فرضه عليه مجلس الأمن في قراره الدولي، ولكن العراق في الوقت ذاته، ومنذ العام 1998 قد جرد بشكل جوهري من جميع الأسلحة، إذ تم التخلص من ما بين 90 ـ 95 بالمئة من أسلحة الدمار الشامل. ويشتمل هذا الأمر أيضا على جميع المصانع التي كانت تستخدم لإنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية، وكذلك الصواريخ البالستية بعيدة المدى، بالإضافة إلى تدمير المعدات الخاصة بهذه المصانع والمنتجات الكبيرة للغاية التي كان يجري تصنيعها. وكانت المشكلة، كما يوضح ريتر، تكمن في الأسلوب الذي أقدم العراق على تبنيه. فلقد كان يفترض من العراق أن يقوم بتسليم جميع الأسلحة والبرامج إلى الأمم المتحدة التي تشرف على تدمير وإزالة الأسلحة بنفسها. وهنا آثر العراق، وبشكل منفرد من دون إشراف الأمم المتحدة، تدمير كم هائل من الأسلحة والمعدات، وهو الأمر الذي تم من دون توثيق أو تدقيق لحجم الأسلحة التي جرى التخلص منها. وحتى بعد أن تمكنت فرق التفتيش من معاينة ما تم تدميره والوقوف على صحة ما قاله العراق، كان من الصعب تحديد كمية الأسلحة التي جرى إتلافها، وهو الأمر الذي ترك الباب مفتوحا للكثير من الفوضى وعدم الدقة والشكوك في هذا المضمار، حتى الوقت الحالي. وعند الحديث عن تفاصيل الأسلحة العراقية وقدرات العراق على إنتاج وتطوير برامج أسلحة الدمار الشاملة المختلفة، يبين ريتر، الخبير في هذا المضمار، رأيه الذي يخالف فيه إدارة الرئيس بوش التي تطبل وتزمر لامتلاك العراق هذه الأسلحة. ويقول انه عندما غادر العراق في عام 1998، كانت قدرات العراق على إنتاج الأسلحة قد دمرت بنسبة 100 بالمئة، ويشتمل ذلك على المصانع والمرافق والمنشآت ومعدات الإنتاج. وتم تثبيت أجهزة المراقبة الدقيقة في البر والجو للكشف عن أشعة جاما التي ترافق عادة محاولات تخصيب اليورانيوم أو البوتانيوم. ولم تظهر محاولات الكشف أية مساع من جانب العراق لتطوير برامج الأسلحة، وبعبارة أخرى، تخلص العراق بالكامل من مساعيه في امتلاك أسلحة نووية. وحتى في ظل هذه النتائج تمثلت المشكلة الأكبر التي كانت تراها الإدارة الأميركية في العلماء العراقيين الذين يزيد عددهم على آلاف العلماء والمتخصصين ببرنامج التسلح النووي. وكان ترتيب هؤلاء العلماء شديد الخصوصية، وجرى توزيعهم ضمن عناصر مختلفة وتقنيات تصنيع متعددة. واختار العراق المحافظة على ترتيب هؤلاء العلماء، حتى بعد تدمير البنية التحتية لإنتاج الأسلحة، وهو الأمر الذي يعني أن في العراق آلاف العلماء من ذوي الخبرات الكبيرة والمميزة في مضمار الأسلحة النووية وبتنظيم يماثل تماما كما كان عليه وضع هؤلاء العلماء عندما كان العراق يتمتع ببرنامج نووي عالي الطموح. وهؤلاء العلماء، وفقا لما يذهب إليه ريتر، لا يشكلون أي عمل غير قانوني أو محرم، وليست هنالك أية قوانين تلزم العراق بالتخلص منهم، ولكن الخشية من أن وجود هذا العدد الكبير المتخصص بمجال حساس للغاية يقض مضاجع الأميركيين بأن العراق ربما يطور أو سيسعى إلى تطوير برنامج تسلح نووي مستقبلا. وحتى هذا الاحتمال ليس بشيء ممكن أبدا في الواقع، فهو يحتاج إلى بناء قدرات تخصيب وتسليح هائلة تشتمل على مساحات كبيرة تحت الأرض، وتكلف عشرات المليارات من الدولارات. وينتهي ريتر إلى القول ان قدرات تصنيع الأسلحة النووية لا تتم في شوارع أو مدن أو كهوف، فهي تحتاج إلى بنية تحتية صناعية حديثة تتطلب بدورها كما هائلا من القدرات الكهربائية والتقنيات التي يتم السيطرة عليها بمنتهى القدرة والفاعلية، وهذا ما لا يتوفر في السوق المفتوحة، ولن يكون متاحا للعراق أبدا على ما يبدو. وفيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية يقول ريتر ان العراق أنتج ثلاثة أنواع من عوامل الأعصاب: السارين، والتابون، وفي أكس. ويدعي البعض بأن العراق يمتلك أكثر من 20 ألف من الذخيرة التي تحتوي على عاملي الأعصاب السارين والتابون التي يمكن للعراق أن يستخدمها ضد الأميركيين. وفي الحقيقة فإن ذلك ليس بالممكن أبدا، إذ ان حياة هذين العاملين، حسب خبرة ريتر، لا تتعدى أكثر من خمس سنوات، مما يعني إن العراق، حتى لو أخفى هذه الكمية الكبيرة من أسلحة الأعصاب، فإن ما يكدسه حاليا ليس سوى مادة لزجة عديمة الضرر والأهمية. وكان العراق ينتج الأسلحة الكيميائية في منشأة المثنى، وهو مصنع ضخم لإنتاج الأسلحة الكيميائية. وتم قصفها أثناء حرب الخليج الثانية، ومن ثم قام خبراء الأسلحة بتدميرها تماما، مما يعني ان قدرة العراق على إنتاج أسلحة السارين والتابون قد شلت بالكامل. وفي الحقيقة يقترح ريتر بما ليس فيه شك بأن عملية التخلص من الأسلحة الكيميائية قد جرت في غاية المهارة، إذ أستمر العمل يوميا وعلى مدى سنوات عديدة تم خلالها التخلص من ألوف الأطنان من القنابل والصواريخ والرؤوس الحربية وكذلك المنشآت والمرافق المستخدمة في إنتاج هذه الأسلحة، بينما جرى إفراغ صواريخ سكود التي تحمل هذين العاملين. وبالنسبة للأسلحة الجرثومية (البيولوجية)، فكان العراق ينتج الجمرة الخبيثة بشكل سائل أبيض يشبه الطباشير المستخدم في الكتابة. وهذا العامل، حتى في أفضل ظروف التخزين، يصبح عديم الجدوى بعد ثلاث سنوات. لذلك فإن العراق حتى لو كان يخفي هذا العامل أو الأسلحة الجرثومية الأخرى، وسعى جاهدا إلى إنكار وجودها، فهي في الواقع عديمة الفائدة ولا تشكل أي خطر. وفي هذا الصدد يقترح ريتر ان عمليات البحث عن الأسلحة الجرثومية قد جرت بشكل مكثف للغاية ومن دون توقف من جانب المفتشين، حيث جرى تفتيش كافة مراكز الأبحاث والتطوير وكذلك الجامعات والمؤسسات والمدارس والمصانع والمشفيات وكافة المرافق التي ربما تجرى فيها عمليات التخصيب، من دون أن يتم العثور على بصيص من دليل يقود إلى الكشف عن الأسلحة الجرثومية. ويخلص الكاتب إلى القول انه في الفترة ما بين الأعوام 1994 و1998 قامت فرق التفتيش بتفحص جميع منشآت ومرافق أسلحة الدمار الشامل في كامل أرجاء العراق، وقامت بتثبيت أجهزة المراقبة الكاميرات الحساسة لتقوم بدورها بعمليات الكشف. وكانت هنالك أيضا فرق جوالة تجوب العراق عرضا وطولا، ولم تتمكن كافة هذه الإمكانيات من كشف عن أي دليل يقود إلى أسلحة يسعى العراق إلى إخفائها، أو إلى رغبة العراق في استئناف عمله في تطوير الأسلحة المحظورة. وبلغت قدرات أجهزة الكشف درجة كبيرة تستطيع فيها تصوير الليزر الذي يتم إطلاقه بسرعة، وتحليل جزيئات الهواء التي تمر خلال الأشعة. واستطاعت هذه المعدات الكشف عن قدرات العراق الجوية الدفاعية، بالرغم من أن ذلك ليس من مهام فرق التفتيش، لأن الأشعة كشفت عن حامض النتريك الذي كان يستخدم وقودا لإطلاق صواريخ سكود. وعن مساعي العراق إلى شراء معدات أو مكونات تدخل في تصنيع أو تطوير أسلحة الدمار الشامل يعرض ريتر بعض الحقائق المهمة التي لمسها بنفسه من خلال عمله. ويقول في هذا الصدد انه عمل مع العديد من وكالات الاستخبارات والتحريات السرية في العديد من الدول لمتابعة جهود مجموعات العراق السرية في الخارج والكشف عن أية أدلة تقود إلى تورط العراق في شراء أسلحة محظورة. وتمثلت مساعي بعض المجموعات السرية في شراء الطعام اليومي أو بعض الاحتياجات اليومية التي تدخل ضمن أدوات الاستهلاك اليومي المدني، والتي لا تجيز الأمم المتحدة للعراق شراءها. أما المجوعات السرية التابعة لأجهزة العراق الأمنية العاملة في الخارج فحاولت شراء قطع الغيار والمعدات لأسلحة العراق التقليدية من الدبابات والناقلات المدرعة والطائرات العمودية، وهي المعدات المحظور على العراق شراءها على الرغم من أن امتلاك مثل هذه الأسلحة ليس بأمر غير قانوني أو محرم. وفي هذا السياق نجح العراق في شراء قطع الغيار لهذه المعدات التي كانت ستتآكل إذا لم يتم استخدامها أو صيانتها، وهذا هو السبب، وفقا لرأي ريتر، في نجاح العراق في تطوير مضاداته الجوية التي تمكنت من إسقاط طائرات تجسس أميركية غير مرة. وفي هذا السياق قام ريتر بجمع قائمة تضم مئات من الشركات والوكالات السرية التي تتعامل معها أجهزة المخابرات والأمن العراقي في كافة أنحاء العالم. وتم السفر إلى كل الأماكن والدول التي جرت فيها صفقات الشراء، وبعد بحث مضن، لم يتم العثور على دليل ملموس يثبت نية العراق على شراء أي من المواد المحظورة. وكانت أهم الصفقات التي سعى العراق إلى إبرامها مع إحدى الشركات الرومانية العاملة في مضمار الطائرات، وتدعى إيروفانا، لشراء بعض الأجزاء الخاصة بتصنيع الصواريخ الباليستية قصيرة المدى في منشأة الصمود العراقية، وهو المدى المسموح له وفقا لقرارات مجلس الأمن طالما لا تتجاوز أكثر من 150 كيلومتراً. وهذه الصفقة، بالرغم من أنها أثارت زوبعة لدى الأميركيين وهولتها كثيرا، لم تشكل، من الناحية الفنية، خرقا لقرار مجلس الأمن، لكنها، في الوقت ذاته كانت ضمن المحظور على العراق القيام به، بالرغم من حاجته الملحة لقطع الغيار لديمومة العجلة العسكرية. حقيقة مفتشي الأسلحة من المهم جدا الوقوف على بعض الحقائق التي كانت فرق التفتيش السابقة تعمد إلى إثارتها تلك الفترة، أو في هذه الفترة أيضا وذلك من خلال اللقاءات التلفازية التي يظهر فيها ريتشارد باتلر، الرئيس السابق للجنة التفتيش عن الأسلحة، والتي يدعي فيها بأن العراق مازال يحتفظ بترسانة ضخمة من الأسلحة المحظورة القادرة على تدمير منطقة الشرق الأوسط وأوربا وربما أميركا أيضا. فبالإضافة إلى عمليات الاستفزاز التي كان باتلر يتعمد اختلاقها وإيجادها في كل مرة، من خلال إثارة المشكلات التي لا تتعلق بطبيعة عمل وأداء اللجنة، كان الدور الأكبر الذي اضطلعت به لجان التفتيش في تمريق الرغبات الأميركية في التجسس العسكري، وعلى شخص الرئيس العراقي بالذات، من خلال السعي المتكرر والمتواصل لزرع أجهزة تنصت على تحركاته واتصالاته ونشاطاته، وربط هذه الأجهزة بأقمار صناعية تعمل على فك شيفرة بعض الاتصالات العسكرية السرية للغاية، إذ كانت هذه العمليات تبث ويجري تحليلها في إسرائيل. وبعد أن كشف ريتر، خبير الأسلحة المتمرس، حقيقة ما كان يفعله مفتشو الأسلحة والأهداف السياسية تحت قناع التفتيش، عندما أعلن ذلك علنا وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع، ووجهت إليه موجة هائلة من الانتقادات اللاذعة، فتم إتهامه بالخيانة وكشف أسرار العمل، بينما اكتفى باتلر بالقول إن ما يدعيه ريتر عار من الصحة، وأنه، أي ريتر، غير كفء في أداء مهامه. وحينما لجأ ريتر إلى إطلاع العالم على حقيقة عمل المفتشين، لم يتطرق إلى مسألة التجسس والدور والتأثير الأميركي فيها حسب، بل أظهر طيفا واسعا من الحقائق الأخرى، مثل عدم كفاءة الكثير من الذين يُسمون الخبراء، وشخصية رئيس لجنة التفتيش، باتلر، المزاجية والمتقبلة وغير المسئولة والميالة إلى استباق النتائج وطرحها وفقا للأهواء وليس اعتمادا على الحقائق والمنطق والخبرة، ناهيك عن أن العمل كان يؤدى بطريقة تشبه عمل شرطة التحري أكثر منه عمل المفتشين. ففي المقام الأول يذكر ريتر أن عمليات الاختبار كانت تؤدى بشكل سييء. ومن الأمثلة التي يعرضها هنا تتعلق بديك سبيرتزل، الذي تولى رئاسة فريق البحث البيولوجي للجنة الأونسكوم في أحدى المراحل المتأخرة. وكان سبيرتزل ضابطا بيولوجيا سابقا في القوات الأميركية وأسهم بدور كبير في صناعة الأسلحة الأميركية البيولوجية الهجومية. وكان هذا الضابط، وفقا لرأي ريتر، على درجة كبيرة من المعرفة، لكنه أصر على أن الأمم المتحدة لن تقوم باختبار الأسلحة البيولوجية. وحصلت إحدى القضايا المثيرة للغاية في عام 1998 عندما ذهب فريق من المفتشين إلى القصور الرئاسية للكشف عن الأسلحة المزعومة، في وقت أثير جدل كبير عن إخفاء العراق للأسلحة المحظورة في هذه القصور، عندما رفع وزير الدفاع الأميركي السابق كوهين حقيبة من السكر وقال إنها مليئة بالجمرة الخبيثة وبمقدروها أن تقضي على مدينة كبيرة مثل واشنطن بمنتهى السهولة. وأدعى الكثير من الساسة الأميركيين أن مثل هذه الأسلحة المحظورة كانت تصنع في تلك القصور. وعندما دخل المفتشون أحد القصور الرئيسية، تم إجراء اختبارات الأسلحة النووية والكيميائية ولم يتم العثور على أي دليل. وفي الوقت ذاته منع خبراء الأسلحة البيولوجية من القيام بأية اختبارات. وعندما واجه العراقيون سبيرتزل بهذه الحقائق، أجاب بأنه لم يتوقع وجود أية أسلحة بيولوجية في تلك القصور، ولم يشأ الكشف عن النتائج التي تخالف ما كانت السلطات الأميركية تدعيه. وفي المرحلة التي طلب منه العراقيون فيها أن يأتي بالأجهزة والمعدات المتطورة والحساسة للكشف عن أي دليل عن وجود الأسلحة البيولوجية، رفض القيام بذلك، وقال إنه كان يسعى إلى حجب أي دليل ملموس يؤيد زعم العراق بعدم امتلاك أسلحة الدمار الشامل. أما الحادثة الثانية فحصلت في عام 1997 أثناء تفتيش أحد مواقع أجهزة الأمن الخاص. فعندما حاول فريق التفتيش الدخول إلى مقر الأمن الخاص سعى أحد المفتشين إلى الدخول عن طريق الباب الخلفي، فصادف أحد الحراس وبيده حقيبة وهو يهم بالفرار. وعند القبض على ذلك الحارس وأخذ الأوراق منه تبين أنها كانت في غاية السرية وتمت عنونتها ببرنامج الأسلحة الجرثومية، وكان الختم الرئاسي موجودا على هذه الأوراق. كانت بهجة فرق التفتيش، وباتلر بالذات، لا تصدق لأنها هذه المرة الأولى التي يعثر فيها على العراق متلبسا ببرنامج جرثومي قيد التنفيذ. وعندما تمت ترجمة الأوراق إلى الإنجليزية اتضح ان الكثير منها يتعلق باختبارات جرثومية كانت تجرى في مكان سري، وهو المختبر الخاص بطعام الرئيس العراقي. وعندما تم مواجهة العراقيين بهذه الحقائق، أوضحوا بأن طبيعة الكشف عن الطعام تتطلب اختبار بعض الجراثيم السامة التي تدخل ضمن حيز الأسلحة المحظورة، وهذه حقيقة عملية لا يمكن تجاهلها. وكادت الحرب في حينها أن تقع بفعل هذه الحادثة، ريثما سمح العراقيون للمفتشين زيارة الموقع الحساس والوقوف على عمله. ومع ذلك كان باتلر يكرر في كل حادثة أو لقاء ما حصل في موقع الأمن الخاص للقول بأن العراق كان يطور برنامجا جرثوميا سريا، وهو الأمر الذي ردده الأميركيون على الدوام في مسعى للقول بأن العراق ما زال يطور ولن يكف عن برامج التسلح الطموحة. وأخيرا يقول ريتر إن باتلر لم يكن أبداً بالرجل المناسب لرئاسة لجنة «الأونسكوم». فقد كان يفتقر إلى الدبلوماسية والحنكة السياسية وكان سريع الغضب وشديد الرغبة باستفزاز العراقيين. وكان اختياره للخبراء غير موفق، وكذلك فرق التفتيش وطبيعة العمل. ورفض باتلر، الذي كذب ادعاءات ريتر عن حقيقة التجسس الذي كانت تقوم به فرق التفتيش، أكثر من مرة اللقاء وجها لوجه مع ريتر في لقاء تلفازي مباشر. وبالطبع، كان يرفض أن يُجابه بالحقائق، شأن الإدارة الأميركية التي لا ترفض أو تعارض إلا الحقيقة، لأنها تقف ضد تحقيق مآربها ونياتها المبيتة. * تأليف: سكوت ريتر ووليام ريفرز بيت * عرض ومناقشة: عمار فاضل عباس