الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 قبل 400 عام خلت كتب فرانسيس باكون ان «السلطة الحقيقية تكمن في المعرفة» ونلاحظ اليوم كيف تتكشف تلك الحكمة بأشكال شتى في الميادين السياسية والاقتصادية وفي البلدان الفقيرة كما في البلدان الغنية على حد سواء. في الحكومة ثمة مستوى عال من السرية يتكرر دائما ويسمح للذين يمارسون السلطة بالاحتفاظ بمعارفهم من اجل زيادة سلطتهم ملحقين الاذى بامكانية الناس في مشاركة ذات معنى في العملية السياسية حيث يسود الفساد خلف الابواب المغلقة. كذلك الامر بالنسبة للقطاع الخاص الذي يسمح لاقطاب نقابيين فاسدين بتضليل المساهمين وبملء جيوبهم. واذا كانت غالبية الدول تتحدث اليوم حول العودة الى الشفافية وسياسة الحكومة المفتوحة فان البعض منها يذهب الى ابعد من ذلك ليتبنى اجراءات شديدة المفعول لتشجيع تلك الشفافية وذلك بالاعتراف بان للمواطنين حقاً اساسياً بالحصول على المعلومات والمشاركة في النقاش العام مع ذلك مازال هناك الكثيرون ممن يحتكرون المعلومة ويحدون من جهود وسائل الاعلام التي تحاول تقديم المعلومات الى الجمهور. ان الساعة قد أزفت كي تتغير الاشياء اذ يشكل المدخل على المعلومات مكونا اساسيا ضمن استراتيجية التطور الناجح واذا كنا جادين في نيتنا بتقليص الفقر العالمي يتعين علينا تحرير المدخل على المعلومة وتحسين نوعيتها. ان اعلاما حرا ومستقلا بوسعه اماطة اللثام عن فساد الحكومة والقطاع النقابي والدفع باتجاه ان يكون صوت المواطنين مسموعا والمساعدة في بناء حالة من قبول الحاجة الى التغيير وتمكين الاسواق بأن تعمل بشكل افضل عن طريق اعدادها بالمعلومات الاقتصادية الموثوقة. فمع وجود حرية التعبير واعلام حر لا تتقلص امكانيات ان ترتكب الحكومات تعسفات سلطوية وحسب بل انها تزيد ايضا من امكانيات اشباع الاحتياجات الاجتماعية الاساسية للناس، بهذه الطريقة فقط يقلص اعلام حر الفقر بما في ذلك اسوأ عواقبه - سوء التغذية والجوع - ويحفز التطور الاقتصادي. فلقد اصبح الاعلام الحر والمستقل الذي يوفر المعلومة الموثوقة في بلدان كثيرة يمثل وبشكل متزايد اسهاما في وجود اكثر الحكومات مسئولية واكثر الاسواق فاعلية. وعلى الرغم من هذه الثورة في الصناعة المعلوماتية الا ان الذين في الحكومات غالبا ما يحتكرون المعلومة حالهم في ذلك حال المجالس التنفيذية في الجمعيات والنقابات التي تحد بشكل متكرر من وصول المعلومات حول اسواق وتوقعات وتقنيات الشركة الى المساهمين وعندما يقدمون معلومة للجمهور فغالبا ما يستخدمون تقديرات تؤدي الى الخطأ. كانت اعمال سابقة للبنك الدولي ومؤسسات اخرى قد كشفت النقاب عن انه في وسع وسائل الاعلام ان تلعب دورا رقابيا مهما يقلص فجوة المعارف. وهذا امر جدي ليس بالنسبة للمواضيع الكبيرة التي تؤثر في الحركة العامة للجمهور والقطاع الخاص وحسب وانما الميادين الاكثر تنوعا على سبيل المثال ان مطالبة الشركات بتقديم معلومات عن مستويات التلوث عن طريق وسائل الاعلام يمكن ان يكون طريقا فعالا لخفض مستويات هذا التلوث. والسؤال الاساسي بالنسبة لاولئك الذي يتخذون القرارات يتعلق بالاجراءات التي يتعين عليهم تبنيها لارساء اعلام حر ومستقل والمحافظة عليه حيث تستطيع الحكومات ان تساهم بتوسيع حماية وسائل الاعلام بتشجيع المنافسة وتقليص القيود على دخول وسائل جديدة محددة اطارا معياريا متوازنا ومحفزا ومشاركة عن طريق صيغ تحديثية للوصول الى الناس. ففي كثير من الاحيان لم تعر عمليات الخصخصة اهتماما كافيا لاهمية المحافظة على تعددية الخيارات ووضع الوسائل المسيطر عليها من قبل الدولة او من قبل اقلية او اقليتين لم تعد الثقة في وسائل الاعلام ولم تعزز الديمقراطيات الناشئة. لذلك فان اقامة اطار قانوني لا يضمن حرية الاعلام وحق القول وحسب بل يتحداه الى حق المعرفة عن طريق قوانين تحمي الحرية المعلوماتية يبدو امرا اساسيا ايضا. ذلك ان جزءا من استراتيجية ناجحة ومكرسة للتطور الديمقراطي يجب ان يتركز في تحسين الامكانيات الخاصة بصحافة مستقلة ولديها اطلاع من خلال انشاء مدارس صحافية وبرامج أخرى لتأهيل صحافيين على سبيل المثال.لكن وسائل الاعلام في الجوهر هي تجارة وبقاؤها على قيد الحياة يعتمد على البيئة الاقتصادية العامة غير المستقرة احيانا لاسيما في البلدان الفقيرة التي لا تعتمد على قطاع خاص متين يشتري حيزا للنشر. مع ذلك ثمة مؤشرات مشجعة حيث توجد بلدان - من المكسيك الى الارجنتين ومن البانيا الى زامبيا - تحاول ايجاد آليات لتطوير سياسات وانظمة تعليمية ومهارات تقنية تسمح باستغلال التغييرات التي تحدث مع الانتشار السريع لوسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. ان انفتاحا اكبر لا يشكل جزءا اساسيا من ادارة حسنة للحكومة وحسب وانما يمتلك قيمة جوهرية ايضا فلدى المواطنين حق اساسي بان يعرفوا واذا كان شعب اي بلد يريد ويعمل من اجل حكومة واقتصاد اكثر شفافية وفعالية فعليه اذن ان يناضل من اجل حرية من ينشرون المعلومة، عليه النضال من اجل حق المعرفة وقول الاشياء كما هي. بقلم: جوزيف ستيغليتز _ ورومين إسلام _ ترجمة: باسل ابوحمدة عن «كلارين» ـ الارجنتين