الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، يبدو سماع الحديث عن تهديد جديد محتمل للاميركيين من المتمردين الماديين أمراً ينتمي الى الماضي على نحو غريب، كما ان الحديث عن ان هدفهم هو الاطاحة بنظام الملكية واستبداله بـ «جمهورية شعبية» يزيد من الاحساس باعتلال الذاكرة. ولكن نيبال الواقعة في أعالي جبال الهيمالايا والتي تمتد على الحدود بين الهند والصين، لديها بعض المسائل لمعالجتها. ويبدو أن المتمردين الماويين في هذه البلاد الجبلية، والذين اعلنوا مسئوليتهم في نوفمبر الماضي عن قتل اثنين من الحراس النيباليين للسفارة الاميركية في كتماندو يبدون مصممين على إعطاء دورة مكثفة لها في تاريخ القرن العشرين. ففي عام 1990، قادت الاحتجاجات العنيفة ضد نظام الملكية المطلق الملك بيرندرا الى تبني دستور جديد للبلاد تقاسم بموجبه السلطة مع الاحزاب السياسية في نظام ملكي دستوري. وقد ذهبت اكثر من نصف المقاعد البالغة 205 مقاعد في البرلمان الجديد الى حزب المؤتمر النيبالي مع قيام الحزب الشيوعي النيبالي المنطوي على مفارقة تاريخية والمعروف باسم اللينيون الماركسيون المتحدون بقيادة المعارضة. ولكن الاحزاب الجديدة كانت ضعيفة وهشة، وسرعان ما ادت الصراعات داخل تحالفاتها الى تقويض الاستقرار التقدمي الذي كان يفترض ان يرسيه الدستور. وخلال الفترة من عام 1994 الى 1999، شهدت البلاد ثمانية تغييرات في الحكومة، حيث وقع الحزبان الرئيسيان ضحية للانقسامات والتحزّبات. ومع لجوء السياسيين الى الثغرات في الدستور من اجل البقاء في السلطة، لم تكن هناك عوامل مستقرة سوى عاملين هما: أهمية حزب المؤتمر النيبالي وبشكل خاص زعيمه جيريجا براساد كويرالا. وكان كويرالا قد خدم في منصب رئيس الوزراء طوال الجانب الاكبر من التسعينيات، وتولى نفس القدر من الصلاحيات عندما كان خارج منصبه. وقد تحدد الجانب الأكبر من المسار المتشدد في السياسة النيبالية في السنوات الاخيرة من قبله. العامل الآخر الثابت كان العجز المستمر للحكومة المركزية في ادخال تحسينات مهمة على مستويات المعيشة، وبخاصة للمواطنين خارج نطاق المناطق الحضرية القليلة. وكانت النتيجة هي استياء شعبي متنام من الصراع العائلي داخل الدوائر السياسية المحكمة في كتماندو ـ وهو استياء خدم قضية بوشبا كمال داهال، المدرس السابق الغامض، والذي يستخدم الاسم المستعار «براشاندا» والذي يعني «غاضب». وبصفته احد الناشطين في احتجاجات عام 1990، قام براشاندا بخطوته في عام 1995 فعندما بدأ حزب «اللينيون الماركسيون المتحدون» بالتفكك الى احزاب ماركسية واخرى ماركسية لينية، قام بتشكيل الحزب الشيوعي لماويي نيبال، الذي رأى مستقبله في حقول البلاد، حيث لايزال ثلاثة من بين كل اربعة اشخاص يعيشون بشكل مباشر من الزراعة. ومع تراجع مصداقية السياسيين الى الحضيض، قامت حركة التمرد الجديدة ببناء نفوذها عبر استراتيجية مزدوجة من العصيان المسلح والرفاه الاجتماعي. ومن خلال عملهم في المناطق الداخلية، قام المتمردون بشكل منظم باستهداف المكاتب الحكومية ومراكز الشرطة المعزولة. وعندما يتم تدميرها او هجرانها، كان المتمردون يقومون بملء الفراغ الناجم عن ذلك بجهازهم الاداري الخاص، الذي سعى لكسب المزارعين الى صفه من خلال تقديم خدمات اجتماعية تمس الحاجة اليها. غير انه بحلول عام 2000، توقف زحفهم، وكان لدى المتمردون سيطرة فاعلة على خمس من مقاطعات البلاد الـ 75 ولكنهم ظلوا معزولين في المناطق المرتفعة بعيدين عن الحدود الهندية ومصدرهم السهل للسلاح وكانوا يفتقدون للدعم من اليسار السياسي النيبالي في المدن. وفي غضون ذلك، ظلت الحكومة مترددة في تحريك جيشها ضد المتمردين، ومع ان قادة الجيش خاضعين من ناحية نظرية لرئيس الوزراء والمسئولين المدنيين، الا انهم ظلوا من ناحية عملية مخلصين للملكية، ولم تكن الحكومة واثقة في قدرتها على الاحتفاظ بسيطرتها السياسية على جيش معبأ ومتأهب للحرب. وطوال الوقت، بقي الملك بيرندرا الرمز الشعبي الوحيد الموحد للبلاد. ولهذا السبب كانت هناك صدمة وحزن حقيقيين من جانب جميع الوان الطيف السياسي عندما تم في يونيو 2001 قتل الملك والملكة بيد ابنهما، ولي العهد ربندرا، في عملية وصفت في البداية بانها عملية قتل وانتحار. غير أنه يقال ان ربندرا نجح قبل ان يستسلم لجروحه في خلافة أبية على العرش رسميا ثم عيّن جياندرا، شقيق والده الأصغر خلفاً له في العرش. وفقدت البلاد ملكا كان يحظى بتقدير واسع نظراً لما تمتع به من رجعية اخلاقية وانفتاح سياسي، ولكنها فقدت كذلك شعورا بالثقة الهيكلية. فقد فتحت حادثة القتل المؤثرة الباب على مصراعيه امام نظريات المؤامرة، وقد شكك الكثير من النيباليين في شرعية خلافة جيانذرا على العرش. وتحولت الامور من سييء إلى اسوأ مع تنظيم جماعات طلابية احتجاجات في الشوارع بينما قام براشاندا بالتأكيد على مطالب الماويين بتشكل جميعة تشريعية تعمل على تأسيس «جمهورية شعبية» تحت حكم الحزب الواحد. وفي مواجهة تهديدات متزامنة في الريف والمدن، تخلص حزب المؤتمر النيبالي الحاكم في النهاية من كويرالا في عام 2001 وبدأ مفاوضات مع الحزب الشيوعي النيبالي الماوي في محاولة لادخالها الى التيار السياسي الرئيسي. لكن يبدو أن المتمردين قد استغلوا ذلك الحوار فقط من اجل شراء الوقت لاعادة بناء قوتهم ،عمل هجوم مادي جديد لى انهاء المحادثات في وقت لاحق من العام نفسه. وفي ديسمبر 2001، وبتشجيع من حزب المؤتمر النيبالي ـ الذي تجاوز قلقه من العصيان المسلح بشأن اعطاء دور سياسي للجيش ـ اعلن الملك جيانذرا حالة الطواريء واطلق الجيش مباشرة على المتمردين. ونتيجة لذلك، دخل الصراع مرحلة جديدة اشد خطورة. ففي المناطق التي يسيطر عليها المتمردون اختفت البرامج الاجتماعية لتفسح المجال امام ظهور التخويف الصريح والابتزاز حتى مع قيام الجيش بالهجوم على المتمردين بوحشية اكبر.. انها الان حرب حتى النهاية، مع ان النتيجة من المستبعد ان تقرر في الميدان. ويذكر المتمردون ثلاثة اسباب لثقتهم بانهم سيصمدون على الرغم من انهم اقل عدداً وعتاداً من الجيش. احد الاسباب هو تكلفة العمليات العسكرية للجيش. فقد زادت نيبال، التي تعتبر من افقر دول العالم، انفاقها العسكري بنسبة 70% العام الماضي، حتى مع انخفاض صادراتها وانهيار تجارتها السياحية. وهي الآن مضطرة الى تفكيك مشروعات التنمية الريفية من اجل تمويل الحملة المضادة للتمرد، وهي خطوة يعتبرها الحزب الشيوعي النيبالي الماوي خطوة انهزامية. وعلى نحو متزايد تتوجه كتماندو الى الهند طلبا للمساعدة، ولكن هذا ايضا يصب في صالح المتمردين، فاحدى اكثر الاستراتيجيات نجاحاً لبراشاندا كانت الاستغلال الذكي للمشاعر المعادية للهند لدى الكثير من النيباليين. والجهود الرامية لطلب المساعدة من الولايات المتحدة، وهي حليف واضح في المنطقة، تعقدت بفعل الانتقاد الاميركي لانتهاكات حقوق الانسان التي ترتكبها القوات الحكومية. واخيرا، فان لدى المتمردين قناعة بان الحكومة لاتملك الموارد التنظيمية ولا القدرة المالية لكي تحسن من ظروف معيشة السكان الريفيين الذين يعملون بينهم، وطالما ظل عامة السكان مضطهدين وفقراء، فانهم يعتقدون بان الثورة لايمكن سحقها بالكامل ابداً. ومن جانبهما، تذهب الحكومة الى القول بان استراتيجية الموجة البشرية التي استخدمها المتمردون لاكتساح مراكز الشرطة الريفية الصغيرة تظهر نتائج كارثية في وجه قوات عسكرية افضل تسليحاً وانضباطا. غير انه، وحتى لو كسب الجيش كل معاركه فانه قد يخسر الحرب اذا استمرت الغالبية الريفية بالشعور بالاهمال من قبل النخبة الحضرية الغنية نسبياً وذات التوجه العالمي والتي يبدو انها تريد سياسات البلاد واقتصادها لصالحها. وهذا هو الجانب الذي يجعل الصراع النيبالي مهما حتى بالنسبة لاولئك البعيدين عن تلك الزاوية من آسيا. ان الصراع في نيبال يذكرنا بانه، حتى ان كان القرن العشرين قد ولى، فان بعضاً من افكاره لاتزال قوية. وفي الوقت الذي تحتل الاديان المتصارعة والتفاوت في الموارد الطبيعية والتطلعات المحبطة لاقامة دولة مستقلة عناوين الاخبار، فان شعورا بسيطا بعدم المساوة يمكنه ان يشعل صراعاً في جميع انحاء العالم. ترجمة: ضرار عمير _ خدمة «نيويورك تايمز»