الثلاثاء 4 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 7 يناير 2003 الاذلال والاهانات للفلسطينيين سبب أساسي في اندلاع انتفاضة الاقصى ودليل على تحول الصراع الى صراع ديني - حضاري على حساب طابعه المصلحي الأساسي. كتاب البروفيسور صموئيل هنتنغتون من جامعة هارفارد «تصادم الحضارات» يثير الجدل منذ سنوات عديدة. الكتاب ألف في عام 1996 وحظي بأصداء وردود فعل كثيرة خصوصا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في اميركا ذلك لانها كانت هجمة من المتعصبين الاسلاميين على حضارة الغرب وليس صراعا حول المصالح. اسامة بن لادن لم يهاجم اميركا لانها تسيطر على العالم، وانما صب جام غضبه على المجندات الاميركيات اللواتي قدن سيارات الجيب العسكرية خلال حرب الخليج». أحد المنتقدين للبروفيسور هنتنغتون هو البروفيسور الفلسطيني الاميركي ادوارد سعيد الذي نشر اقواله بصورة منظمة في وسائل الاعلام الفلسطينية. في الاسبوع الماضي نقلت عنه صحيفة «الجيروزاليم بوست» ما يلي: «لست أعتقد ان هناك صراعا بين الحضارات، واعتقد ان هناك صراع مصالح. في اميركا يسود انطباع وكأن هناك صراعا بين الاميركيين والاسلام، الا ان الحقيقة هي ان الصراع يدور مع مجموعة محدودة من المتطرفين، وهذا ما تعتقده القيادة الاميركية». هذه الجدالات ذات سياق ملح حاليا بسبب الحرب الوشيكة على العراق والانتفاضة الفلسطينية. الجميع في العالم العربي يعتقدون ان الولايات المتحدة ستقوم بمهاجمة العراق فقط بسبب المصالح والسيطرة على مصادر النفط في المنطقة - وليس لأي سبب آخر غيره. أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فالجدل أكثر تعقيدا. فما هو طابع وشكل الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي اذا؟ هل هو صراع ديني - حضاري يرى فيه الفلسطينيون والشرق العربي - الاسلامي في اسرائيل جسما غريبا وسرطانا في جسم الأمة يقوم بادخال ودس قيم وعادات الثقافة الغربية الفاسدة للمنطقة؟ أم انه قد يكون صراعا حول مصالح محددة - السيطرة على الاراضي والمياه ومراكز القوة الاقتصادية والسياسية؟. الفرق بين الأمرين واضح: الصراع حول المصالح يمكن ان يسوى بسهولة نسبية اذ يتوصل الأطراف الى استنتاج ان استمرار الصراع يلحق الضرر بهم ويأخذون في البحث عن تسوية معينة مثل التوزيع. أما الصراع الحضاري الديني فهو صراع ذو وضع أخطر بكثير. اذ يصعب التغلب على العقائد والرموز والهويات. ومن الواضح ان الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي يحتوي على عناصر من الأمرين معا. فهو صراع حول المصالح، الا انه ينطوي على عناصر الصراع الثقافي - الديني، أو انه بالعكس صراع ثقافي ديني وفيه عناصر مصلحية. والسؤال هو ما هو الامر الأهم. ماذا سيحدث مثلا اذا قمنا بحل تصادم المصالح وتوصلنا الى تسوية حول توزيع الاراضي بين الجانبين، فهل سينتهي الصراع حينئذ؟. الجواب عن هذه الاسئلة ليست قاطعة. فلدى مجموعات مختلفة في الجانبين وجهات نظر متباينة. خلال الحوار الجاري حاليا في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية يبرز مثلا التناقض بين اعضاء فتح الذين يركزون على المصالح وبين ممثلي حماس الذين يعتبرون الصراع صراعا شموليا وغير قابل للتسويات. كما ان نقاط الارتكاز تتغير وتتبدل بين الحين والآخر. هناك فترات يبرز فيها الطابع المصلحي للصراع ويهيمن، وهناك فترات اخرى يصبح فيها الصراع دينيا - حضاريا. وعلى خلفية هذه الامور تبرز أقوال البروفيسورة ابيشاي مرغليت من الجامعة العبرية التي أكدت على بروز العناصر الحضارية الثقافية في الصراع في الفترة الاخيرة. المثل الاول الذي تسوقه هو العمليات الانتحارية. البروفيسورة تقول انهم لا ينتحرون بسبب المصالح، وحتى اذا حصلت عائلة الانتحاري على المال فان هذا لا يساعده بعد موته في شيء. ودليل على ذلك ان الكثيرين ما زالوا على استعداد للانتحار حتى في ظل عقوبة هدم المنازل. ليس من الممكن اعتبار هذا السلاح سلاحا جديدا اكتشفه الفلسطينيون، وهي ليست بندقية اكتشف الفلسطينيون جدواها واختاروها. فالدافع الرئيسي وراءها هو الانتقام، حسب رأي مرغليت. والانتقام هو قيمة ثقافية وبحث عن العدالة. الانتحاري يدفع من خلال مصلحته العليا حتى يتألم الآخر. المثل الثاني مأخوذ من الاذلال السائد في المناطق. مرغليت تقول ان المس بالفلسطينيين لا يقتصر على الممتلكات والأرواح وانما يتجاوزه ليشمل الاذلال والدوس على الكرامة. وهذه الاهانات وعمليات الاذلال تبرز من خلال عشرات القصص والحكايات التي تنشر حول ما يتعرض له الفلسطينيون في المناطق مثل حكاية الجنود الذين نكلوا بزبائن وصاحب صالون حلاقة في الخليل هذا الاسبوع، كما تحدثوا ايضا عن شاب طلب منه الجنود ان يختار أي عضو من جسده يود ان يحطموه له. والشاب حسب شكواه اختار ان يحطموا له أنفه. من الصعب تحديد صحة الشكاوى، وعمليات التحقيق في الشكاوى ضد الجنود والضباط أقل مما يجري تناقله، كما ان عدد الشكاوى نفسها قليل والفلسطينيون يحجمون عن مساعدة المحققين الاسرائيليين في العادة. ولكن البحث عن صحة الشكاوى ليس شرطا ضروريا لمعرفة الدور الذي تلعبه هذه الاهانات في علاقات اسرائيل مع الفلسطينيين الآن. يكفي مشاهدة الصور الكثيرة جدا التي تنشر في الصحف الفلسطينية للتأكد من ذلك. هذه الصور تهدف الى ابراز عمليات الاذلال للنساء الحوامل والاطفال والمسنين وتحت المطر والشمس اللاهبة، وهناك صور كثيرة تبرز الجنود وهم يصوبون سلاحهم لصدور الاطفال والعجائز والنساء. في كل يوم تلتقط صور لشبان فلسطينيين وهم يصطفون رافعين أياديهم فوق رؤوسهم والجنود يصوبون البنادق الى ظهورهم. وبعضهم يبرز وهو يرفع قميصه أمام الجنود، وصور الأمهات الحزينات الباكيات والشيوخ البائسين أمام مشاهد الدمار والخراب الذي خلفه الجنود. ايضا في الحياة اليومية في شرقي القدس يكثرون من الحديث عن الاهانات مثل الطابور المكتظ أمام مكتب الداخلية، عشرات المقالات كتبت حول هذا الموضوع ولكن الصورة المخزية التي تبرز الناس وهم يصطفون فوق بعضهم أمام المكتب ما زالت على حالها وأصبحت جزءا من حياة عرب القدس. مركزية الاهانات والاذلال في الوعي الفلسطيني تبرهن على البعد الرمزي للصراع الآخذ في احتلال مكان البعد المادي المصلحي. هذا برهان آخر على الخزي المؤلم في علاقات اسرائيل والفلسطينيين والذي تسبب في اندلاع انتفاضة الاقصى. بقلم: داني روبنشتاين _ عن «هآرتس»