الثلاثاء 4 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 7 يناير 2003 مرت أعياد الميلاد حزينة هذا العام في بلدان كثيرة، مثل فنزويلا أو الارجنتين. ويبدو ان التوقعات بالنسبة لعام 2003 لن تكون حسنة في أحسن أحوالها ومهما حاولنا ان نكون متفائلين. كما يبدو العالم الخاضع للفوضى متأرجحاً بين الحرب والسلم وعلى عدة جبهات مختلفة. في رسالته السنوية التقليدية حمل صوت البابا شجباً للحرب الوقائية وأطلق نداء لصالح انهاء الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، الذي وصفه بأنه «خط حلزوني غير مجد من العنف الاعمى»، وبدون ان يشير بشكل واضح إلى العراق، طلب من المؤمنين ومن اصحاب النية الطيبة رجالاً ونساءً ان يضعوا حداً في الشرق الاوسط للتعنت المشئوم في الصراع الذي يمكن الحيلولة دون استمراره من خلال الادارة الحازمة لكافة الاطراف. اما الارتباط الوثيق والثابت بين الصراع العربي ـ الاسرائيلي والحرب على العراق ـ المحطة الاولى في موجة من التصعيد باتجاه اماكن اخرى ـ فإنه يحمل بين طياته اهمية كبرى ويتمتع بدلالات خاصة جداً على الصعيد السياسي. لقد شكلت كلمات البابا رسالة تفاؤل موجهة إلى جميع المؤمنين بغض النظر عن أديانهم وحتى إلى غير المتدينين كي يتمكنوا متحدين من «اقصاء جميع اشكال عدم التسامح والتمييز وبناء السلام». والامر هنا يتعلق برسالة عزيزة في حوار الاديان، الموجهة إلى التعبير عن قيم مشتركة تقود إلى السلام. رسالة تقع في النقيضين المتمثلين في التشدد الاسلامي وفي الصليبية اليهودية المسيحية كما نراها في دوائر اميركية محافظة تفوح منها رائحة نفط نفاذة جداً. ان روح الانتقام المثارة من قبل الرئيس بوش عندما اعطى اوامره بقتل المشتبهين بالارهاب، بأسرع طريقة ممكنة وفي اي بلد.. هذه الروح هي نقيض العدالة والشرعية الدولية وتتعارض حتى مع البصيرة الاخلاقية المشتركة. الرأي العام الاوروبي واضح بهذا الخصوص، اذ انه يقف في صف السلام وضد الحرب على العراق في غالبيته. مع ذلك تبدو بعض الدول الخمس عشرة، خصوصاً الخمس المهمة من بينها، قد انقسمت على نفسها حيث يظهر البعض تحفظاً حيال الضغوطات الاميركية، مثل المانيا او فرنسا، وآخرون يتزاحمون فيما بينهم من اجل اثبات انهم الاكثر ليونة مع بوش: المملكة المتحدة أو ايطاليا او اسبانيا.إ لى ذلك لم يضعف توني بلير رئيس الوزراء البريطاني في حربه الصليبية ضد العراق، مع انها حرب يشجبها البابا عندما يؤكد: «من مغارة بيت لحم ينطلق اليوم نداء عاجل إلى العالم كي لا يستسلم للريبة وللشك واللامبالاة رغم ان المكافحة المأساوية للارهاب تغذي الشكوك والخوف». رغم النداءات والانتقادات الكثيرة، تشتد التحضيرات لحرب ضد العراق حيث يجرون عشرات المناورات لآلاف الجنود الاميركيين والبريطانيين بالقرب من حدود العراق متأهبين للحرب. وعمليات القصف الاستراتيجية لم تتوقف ابداً. اما آرييل شارون فإنه يحاول من جانبه شمل سوريا ضمن «محور الشر» متهماً رئيس ذلك البلد، بشار الاسد، باخفاء اسلحة تدمير شامل عراقية في اراضيه. وتعتبر سوريا اتهامات رئيس الوزراء الاسرائيلي «مزيفة بالكامل» ولا تهدف الا لحرف الانظار عن الترسانة الكيماوية والنووية والبيولوجية التي تملكها «اسرائيل» فحقيقة الامر ان الشرق الاوسط يشكل برميل بارود. لكن في نهاية المطاف يمثل الائتلاف ضد الارهاب المقاد من قبل الولايات المتحدة ظاهرة غير متماسكة بطريقة تجعلنا نجد انفسنا في طريق «حرب صليبية» وسط لا وعي هائل، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث لنا. ولقد حذر داعية الحرب وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد، العراق، وكوريا الشمالية من ان «الولايات المتحدة قادرة على شن نزاعين اقليميين في الوقت نفسه». بل قال اكثر من ذلك «اننا قادرون على الانتصار بشكل حاسم على احد هذين البلدين وفرض هزيمة سريعة على الآخر». كلمات متغطرسة ومتهورة جداً، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار ردود فعل الصين، البلد الذي بدأ يشعر بأنه محاصر من جانب الولايات المتحدة. ولا ردود افعال بقية العالم (فيما يخص العراق) بما في ذلك جزء من الرأي العام الاميركي المشكل جيداً، مما يذكر بمداخلات رئيسين سابقين هما كارتر وكلينتون. في غضون ذلك، يبدأ المدافعون عن حقوق الانسان في الولايات المتحدة بالاحتجاج ضد الاساليب السياسية المستخدمة للتحقيق مع مشتبهي الارهاب. ان الاساليب المستخدمة هذه تضع الحريات الفردية ضمن دائرة الخطر. اننا نجد انفسنا ببداية عام 2003 بين الخوف والطموح. ونعيش في عالم معقد بشكل ملحوظ وفي تحول سريع جداً. وحتى فيما يتعلق بركيزة ما يسمى بالديمقراطية الليبرالية وعلى ضوء ركود اقتصادي مستمر يمكن ان يقود إلى حرب، فالمرجح هو ان يستفحل التقهقر. ولذلك «علينا الا نقنط وان نؤمن بالوقت». ما يعني انه «علينا الوثوق بانسان الغد» ويضيف: «ظلام الليل ينبيء بانبلاج الفجر. وانا ارى بحماس هذه الامكانية في العودة للبدء من جديد وبطريقة جديدة للعيش». فربما كانت الخيارات الطوباوية اليوم هي الاكثر واقعية. فليكن هذا. بقلم: ماريو سواريز الرئيس البرتغالي السابق _ ترجمة: باسل أبوحمدة _ عن «لا فانجوارديا» ـ اسبانيا