الثلاثاء 4 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 7 يناير 2003 من كان يصدق قبل عام من الآن أن الوجه ذا الذقن الحليق لصدام حسين هو ما يتوجب علينا أن نكرهه وليس الوجه الملتحي لأسامة بن لادن؟ متى حدث هذا التحول من «الشرير الأول» (حسب وصف نيوزويك) الى صدام بغداد؟ وكالعادة، تواطأ صحفيونا في الجرائد والتلفزيون في تدبير هذا التحول من بدايته لنهايته. ألم يكن حريا بهم أن يشيروا الى أن مهزلة قيد الاجراء؟ ألم يكن من واجبهم ان يقولوا: تريثوا، نعتقد أن العدو كان اسامة بن لادن ـ لقد غيرتم الصورة فحسب؟ لكن هذا لم يحدث، لقد توارى وجه أسامة بن لادن من المشهد ليحل مكانه وجه صدام حسين. لم يعد عدونا يعيش في كهوف أفغانستان، بل على ضفاف دجلة. وبدلاً من خرائط جبال افغانستان وشبكات القاعدة فيها، اخذنا نسمع القصص والاخبار عن اسلحة الدمار الشامل وانتهاكات حقوق الانسان في العراق. اتذكر ظاهرة مشابهة عشتها قبل حوالي عقد من الزمان. اصبح صدام حسين كريهنا منذ غزا الكويت، غير أننا اخرجنا العراقيين من امارتنا الحبيبة، وفجأة، ظهر الجنرال كولن باول في شمال العراق ـ الجيب العراقي الذي قررنا انقاذه متأخرين حينها ـ واخذ يتحدث عن «المسئولين العراقيين». حينما حضرت المؤتمر الصحفي الذي عقده كولن باول ذلك اليوم وسألته لماذا لم يعد يذكر اسم صدام حسين. لكنه اكتفى بتحريك كتفيه والمضي في الحديث عن «المسئولين العراقيين» لقد اختفى اسم صدام حسين من كل نصوص الادارة الاميركية ـ مثلى عاد للظهور كشخصية محورية أوائل هذا العام. لهذا فإني ادين بالفضل للبروفيسور روبرت الفورد من مركز الدراسات العليا في جامعة نيويورك الذي انار هذا التحول المبهم الاميركي امام حيرتي. عرض علي الفورد مجموعة من الجداول البيانية التي تظهر شيئاً مثيراً: قضية «العراق» في الاخبار بدأت تتعاظم ـ واسطورة ابن لادن تتراجع ـ مباشرة عقب تفجر فضيحة انرون. حينها في يناير، كانت انرون تذكر 1137 مرة في نيويورك تايمز وواشنطن بوست ولوس انجلوس تايمز، والعراق 200 مرة فقط. ثم تزايدت اخبار العراق بنسبة 100 في المئة تقريباً اوائل الربيع فيما تراجعت اخبار انرون بنسبة 50 في المئة لتصل 618 فقط. وبعد ركود اوائل الصيف، حلقت اعداد قصص العراق الاخبارية الى 1529 مرة، مع تراجع ذكر انرون الى 310 مرات فقط طريقة مثيرة، اليس كذلك؟ طريقة مثيرة لتنظيف الصفحات الاولى من فضيحة قذرة عبر تسمية كريه جديد لك. ليس هذا فحسب، اذ انها فكرة جيدة ايضا ان تغير الوجه الكريه لك، حينما يكون اقرب حلفائك، اسرائيل، مهددة بأن تتقدم للعالم بوجه كريه متمثل بأرييل شارون. فلو لم نكن قلقين بشأن اسامة بن لادن وصدام حسين، لربما نظرنا عن كثب اكثر لشارون، ذلك الرجل الذي مجد مذبحة ذهب ضحيتها احد قادة حماس الى جانب تسعة اطفال قائلا: انها «نجاح كبير» ولربما ايضا كنا قد تفحصنا في مسألة تورطه بمذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 حينما ـ كما اصبح واضحا الآن ـ تم تسليم أكثر من الف من الذكور نجوا من المذبحة الاولى الى قوات الكتائب التي ارتكبتها من قبل الجيش الاسرائيلي. لكن اجهاض محاولة بضعة ناجين من المجزرة لمحاكمة شارون في بروكسل بالكاد ظهرت في عناوين الاخبار. حينما كان هناك حديث عن مؤتمر سلام للشرق الاوسط يفترض ان يعقد هذا الصيف. كان كولن باول بالكاد قد اعلن عنه في الربيع الماضي. لكنه لم يحدث، مؤتمر «السلام» تلاشى، مثلما تلاشى اسامة بن لادن. ونحن لم نكلف نفسنا حتى عناء السؤال عن السبب. في عالم السرية الجديد هذا، لا نزعج انفسنا بهذه الاسئلة، والغريب ان ما يلي هو ما افرزه العام الماضي: حالة من الخمول ازاء مأساة الشرق الاوسط وفشل في معالجة الظلم الحقيقي الواقع والاحتلال والبؤس. وفي المقابل لم نتورع عن السماح لأنفسنا بالمضي الى الحرب في العراق. هكذا، دعونا نذهب للوراء قليلا ـ الى مابعد انرون ـ وتحديدا مفتشي الاسلحة الدوليين. لقد دخلوا العراق ـ ويال للهول ـ لم يعثروا ولو على جرثومة واحدة. ثم كان علينا ان نضع أيدينا على بيان الاسلحة العراقي. وحينما وصل البيان ـ 12 الف صفحة ـ بدأنا نتأفف من ضخامته. الاميركيون ـ الذين كانوا سيصرخون ساخطين لو أن العراق سلم 10 صفحات فحسب ـ اعلنوا ان العملية مراوغة، محاولة متعمدة لطمس ما نعرفه كلنا بأنه حقيقة لكننا لا نستطيع العثور عليه، وهو اسلحة الدمار الشامل العراقية. عند تلك المرحلة، اختطف الأميركيون ببساطة الوثيقة العراقية كلها ـ كما قالوا لنا ـ لان لديهم اجراءات أمنية أفضل بشأن آلات النسخ ومترجمين اسرع. ولنتذكر ان هذا القول يأتي من الدولة التي فشلت في توقع هجمات 11 سبتمبر بسبب ـ نعم صدقوا ـ ان مترجميها فشلوا في ترجمة العربية بسرعة كافية. العام الماضي كان ايضا عام «تغيير النظام» ليس نظام صدام حسين فحسب، بل ونظام ياسر عرفات ايضا عرفات يجب ان يرحل، ونظامه يجب ان يستبدل بديمقراطية وفق أحدث النظم بين اطلال الدمار الذي خلفته الغارات الجوية الاسرائيلية. او هكذا قالوا لنا وقرار بوش بأن على عرفات ان يحزم أمتعته ويمضي ضمن ان هذا العجوز سيعاد انتخابه بعد اسابيع. لكن حينما تحدث وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد عن «ما يسمى» الاراضي المحتلة ـ بشكل أو حتى انه يعتقد الجنود المنتشرين في كل الضفة الغربية انما كانوا جنوداً سويسريين ـ بدا وكأن الادارة الاميركية قد فقدت سيطرتها على واقع الشرق الاوسط. لهذا دعونا نتحدث عن النفط، فبوش كان رجل نفط ونائبه ديك تشيني كان رجل نفط وكوندوليزا رايس كانت سيدة نفط وكلنا ندين لأكثر كتاب نيويورك تايمز يمينية، وليام سفير، الذي تربطه علاقة طيبة مع الادارة الاميركية وعلاقة شخصية مع ارييل شارون كلنا ندين له لانه علمنا ما الذي يعنيه كل ذلك. ففي مقال مثير له في اكتوبر الماضي، كشف عن اللعبة وراء الحرب المقبلة في العراق. قال: «ان حكومة العراق الجديد ستعوض الولايات المتحدة وبريطانيا عن معظم التكاليف التي ستتكبدانها في الحرب وفي ارساء الحكومة الانتقالية وذلك من دخلها النفطي وعقودها النفطية في المستقبل..» كما ان حكومة العراق الديمقراطية الناشئة «ستتبرأ من ديون الفساد الروسية على العراق في عهد صدام حسين». لكن ما يثير مخاوف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اكثر من اي شيء آخر حسب سفير هو «الاستثمارات المكثفة التي ستقوم بها الشركات الاميركية والبريطانية والتي ستزيد الى حد بعيد طاقة الحفر والتكرير للبلد الوحيد في العالم الذي يتمتع باحتياطيات نفطية تضاهي تلك التي لدى روسيا والسعودية والمكسيك».اتساءل ان كنا سنتذكر كل هذا حينما سنمضي للحرب مع العراق في غضون شهر أو قريبا من ذلك؟ بالتأكيد لن نتحدث حينها عن انرون. بقلم: روبرت فيسك _ ترجمة جلال الخليل _ عن «اندبندنت»