الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 عرفت القمة الايبيرية ـ الاميركية في «سانتو دومنجو» التي عقدت على مستوى زعماء الدول ـ نصيباً مماثلاً حيث لم يتجاوز القرار الابرز فيها سقف انشاء لجنة لتحليل المستقبل الخاص بهذا المنتدى نفسه. في اطار هذه المرجعية من المنطقي تخيل وقع انتخاب شخصية مثل لولا داسيلفا لقيادة بلد من القارة يؤثر موضوعياً على مسيرة اميركا الجنوبية برمتها. ما هي العناصر التي تخضع لها ازمة المنطقة، من الارجنتين إلى فنزويلا مروراً بالكاريبي وأميركا الوسطى وإلى حد ما المكسيك؟ وفي السنوات العشرين الاخيرة التي تتضمن ما يسمى بالعقد الزمني الضائع، حافظ الناتج القومي الاجمالي لهذه الدول على المعدلات ذاتها، في حين ساءت عملية اعادة التوزيع بشكل دراماتيكي باستثناء تشيلي. وفرضت ديون سنوات الثمانينيات توجهاً سياسياً اقتصادياً مغايراً، تجلى في تفاهم عرف باسم «تفاهم واشنطن» الذي خرج عام 1989 بوصايا عشر هي بالاساس مباديء تتعلق باجراءات للتطوير الاقتصادي والخصخصة بالجملة واطلاق حرية التبادل التجاري تم تطبيقها بشكل او بآخر من قبل جميع الحكومات تقريباً. وكان السؤال المسيطر خلال تلك المرحلة يدور حول انه اذا كان النمو يتلاءم مع العدالة الاجتماعية، ماذا كان يفترض ان يتأتى عن سياسات الليبرالية الجديدة المطبقة. وعندما وجهوا إليّ في البرازيل وتشيلي ذلك السؤال الشهير حول الملاءمة بين النمو الاقتصادي والعدالة حاولت على ضوء التجربة، استثمار مصطلحات القضية. وتساءلت حول امكانية وجود نمو محتمل بدون اعادة توزيع عقلانية للدخل. اذ انى لا اعرف اي بلد مركزي لجأ إلى طريق التطور بدون اعادة توزيع ثابتة للدخل او ما يعرف بالتطور القوي للطبقات الوسطى. وفي الاجابة عن هذا التناقض الظاهري تكمن اللعبة على مستقبل اميركا اللاتينية ومناطق اخرى ناشئة. لكن من حيث المبدأ. فإلى السؤال حول ملاءمة النمو والعدالة يبدو نسبياً وكأنه فخ، لأنه يعلق النمو على ارضية ما هو علمي ـ معايير يجب الالتزام بها لتحقيق النمو ـ والعدالة على سيطرة القيم الاخلاقية. وهكذا تنهزم فوقية القيم الاخلاقية وبشكل منتظم امام الحجة العلمية والصارمة لشروط النمو. وكما لو انهم كانوا ماركسيين، يعلق الليبراليون الجدد الظروف الموضوعية للنمو كمرحلة مسبقة لسياسات العدالة والانصاف التي يتعين عليها ان تنتظر دائماً دورها في التوزيع. والناس في اميركا اللاتينية يحرصون على الادلاء باصواتهم دائماً لصالح برامج تطوير كفيلة بتحسين ظروف حياتهم وتعليمهم وصحتهم كي يعينهم ذلك على تحمل استمرار وجود سياسات محددة تتجمع عند شواطئهم. مع ذلك فإن الاقتصادات الداخلية للمنطقة لم تتحسن بتلك السياسات حيث لم تتعزز اسواقهم ولم تصبح مؤسساتهم وشركاتهم مرموقة. ان المشكلة المسماة بالانصاف الاجتماعي وبالاضافة إلى بعدها الاطلاقي التضامني هي اقتصادية بقدر مشكلة النمو نفسه. فبدون اقتصادات داخلية متينة، مع طريقة لتوزيع الدخل قادرة على تحسين القدرة الشرائية لغالبية الفئات الاجتماعية، لن تواصل اميركا اللاتينية طريق الخروج باتجاه التطور. وفي ذلك الدرب تشكل التربية والتعليم والرعاية الصحية والسكن وكذلك تطوير البنى التحتية جزءاً من آلية اعادة التوزيع التي لا يمكن الاستغناء عنها. يريد لولا الاعتناء باقتصاده الداخلي واقتصاد المنطقة وتبدو لي نيته منزهة عن الخطيئة، لكن اذا اعتقد المحللون ومقيمو الخطر وكيانات مالية عالمية، بأن هذا الطريق ليس صحيحاً وان عليه التركيز على التسوية حصراً، فبوسعهم ان يقودوه إلى الفشل، مهما اخذ صحة اجراءاته الاقتصادية على محمل الجد. وانا على قناعة ايضاً بأنه اذا كرس الزعيم الجديد عنايته على التسوية فقط بدون نظرة باتجاه عناصر التطور فإن مصيره الفشل. بقلم: فيليبي غونزاليس _ ترجمة: باسل أبوحمدة عن: «كلارين» ـ الأرجنتين