السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 سواء احببنا جورج بوش ام كرهناه، فهناك شيئان لا يمكن انكارهما بخصوصه. الاول واضح، وان كان مبهما بعض الشيء بالنسبة لمنتقديه في اوروبا وهو شعبيته التي اعطته وهو الرئيس الثالث والاربعين لاميركا احدى على نسب الدعم المستدامة، بين كل من شغلوا البيت الابيض في الزمن المعاصر. لقد اكتسح المرشحون الجمهوريون مجلس النواب في انتخابات نصف المدة، في نوفمبر الماضي، وكان السبب الرئيسي وراء ذلك هو القدر غير المسبوق من الوقت والحضور الشخصي الذي استثمره بوش في الحملة الانتخابية وقد اثمر هذا الاستثمار على نحو طيب وزاد الاغلبية الجمهورية في المجلس واعاد مجلس الشيوخ الى السيطرة الجمهورية والاهم من ذلك هو ان الرئيس قد حاز على نحو متأخر التفويض الشعبي له الذي لم يكسبه في انتخابات عام 2000 الرئاسية. ويعود هذا النصر جزئيا الى الصورة التي اكتسبها بوش كزعيم مقتدر وفشل الحزب الديمقراطي الفاقد للزعامة في عرض رسالة بديلة، لكنه ايضا يعكس الشيء الثاني الذي لا مراء فيه والذي تتصف به ادارة بوش وهو ان الرئيس يدير اكثر بيت ابيض انضباطا وتوحدا في الرسالة في الزمن المعاصر ايضا. اذ ليس هناك مجموعة اكثر احباطا في العادة في واشنطن من الفريق الصحفي للبيت الابيض غير ان التسريبات والانقسامات السياسية والنزاعات الشخصية هي امور غير موجودة الآن تقريبا وباختيار بوش لآري فليشر، قد عين متحدثاً باسم البيت الابيض هو الاكثر برودا ورقابة والاقل انفتاحا بين كل من شغلوا هذا المنصب. تلك الاخبار التي كانت تتحدث عن اختلافات بين وجوه البيت الابيض اصبحت منسية صحيح ان هناك بعض الخلاف في الصف القيادي الاعلى وخصوصا بين وزير الخارجية كولن باول من جانب وديك تشيني ودونالد رامسفيلد من جانب آخر بخصوص العراق غير ان هذا الخلاف بمعايير الماضي قد ظل طفيفا الى حد كبير في ظهوره على السطح، وحالما كان الرئيس يتخذ قراره كان كل مسئول في ادارته يردد اقواله ذاتها علنا على الاقل. ان بوش هو الرئيس النموذجي بالنسبة لتقديره عاليا قيم العمل الجماعي في اتخاذ القرار والولاء للقائد وقيادة السفينة بحزم ولا يمكن ان يكون هناك من هو افضل منه في التشبث بفكرة واحدة لدرجة استثناء اي فكرة اخرى مثلما فعل في حملة انتخابات نصف المدة وهو يطرق بدون كلل قضية العراق. وكان احد العوامل الحاسمة في صياغة هذا المزيج هو كارل روف، مستشاره السياسي، الذي يوصف دوما بالماكيافيللية، وحتى بامكانياته الشيطانية، لدرجة ان احد الديمقراطيين الساخطين قد وصف هذه الظاهرة ذات مرة بأنها «الروفية» ومعرفا اياها بأنها «فن العمل بطريقة حزبية محضة مع الظهور في الوقت نفسه بأنك فوق هذه المهاترات». وقد نجح بوش في نصب الفخ السياسي ببراعة في انتخابات نصف المدة، حيث ناور لجعل مهاجمة الرئيس بالنسبة للديمقراطيين تبدو وكأنها نزعة لا وطنية وعزز روف سمعته باعتباره لعوبا خبيثا بما قيل عنه من ذكره لقاعدة قديمة في عالم التسويق وتطبيقها على الاندفاعة القوية للبيت الابيض ضد صدام حسين التي بدأت في سبتمبر الماضي وهذه القاعدة هي «لا تطرح منتجا جديدا في اغسطس». وتكتيكات العمل التجاري منتشرة جدا في ادارة بوش اذ ان رامسفيلد وتشيني كان كلاهما مديرين تنفيذيين وكذلك كان حال بول اونيل وزير الخزانة السابق وخليفته جون سنو حتى توماس وايت سكرتير الجيش، احضر الى البنتاغون ليرأس ادارة فيه ويديرها وفق المباديء نفسها التي اتقنها خلال عمله السابق في شركة انرون. اذا ما كان بوش رئيسا لشركة اميركا، فان كل مدرائه يشتركون بالاعتقاد القائل ان سلطات المسئول التنفيذي قد تعرضت لتضاؤل خطير في ظل الادارات السابقة ولهذا فقد عملوا جاهدين لابقاء عملهم خاصا بهم ـ وتبدى هذل الجهد على نحو ضار خلال سلوكيات مجموعة العمل لسياسة الطاقة عام 2001 التي ترأسها تشيني والتي اعتمدت كثيرا على نصائح شركة انرون التي ضربتها الفضائح لاحقا. مع ان الاسئلة قد طرحت حول ماضي الرئيس بوش ونائبه تشيني في العمل التجاري، الا ان الفريق الرئاسي تمكن من الالتفاف عليها، وذلك، جزئيا، لانه لم يعد هناك قانون يخول محققا مستقلا من النوع الذي اقض مضجع بيل كلينتون بخصوص وايتوتر بفعل ذلك مجددا. وعلى نحو له مغزاه الواضح، وعند هذه النقطة المتمثلة بنصف المدة الرئاسية فان اربعة فقط من كبار المسئولين المعنيين في ادارة بوش قد اجبروا على الاستقالة مقارنة بعشرة في عهد كلينتون و13 في عهد رونالد ريغان و8 في عهد بوش الاب ضمن المرحلة نفسها، والذي تغير هو عمليات الاعدام السري وخصوصا الطرد المفاجيء لاونيل ولاري ليندساي كبير مستشاري البيت الابيض للشئون الاقتصادية. اذ ان بوش يعرف كيف دفع والده ثمنا باهظا لعدم اكتراثه بالمشكلات الاقتصادية وهو مصمم على عدم الوقوع في الفخ نفسه. غير ان بعض العصي وقعت بين العجلات لاحقا فلم يكن هناك من يتوقع ان ترينت لوت زعيم الاغلبية في مجلس الشيوخ والمتحدث الاكثر طلاقة باسم الحزب الجمهوري بعد الرئيس يمكن ان يطلق مثل تلك التعليقات الحمقاء حول قضية الفصل العنصري فبعد شهر فقط من فوز نصف المدة الانتخابي وجد الجمهوريون انفسهم وسط فوضى عارمة، وهم يواجهون اسئلة صارخة حول مدى اخلاصهم في محاولتهم الانفتاح على ناخبي الاقليات العرقية فالرئيس بوش تعلم بعد كرب الانتخابات الرئاسية 2000 ان لكل صوت ثمنا. والآن تلوح تهديدات اكبر فالحزب الديمقراطي لا يتوقع ان يبقى خاملا كما كان عام 2002 والحرب في العراق محتملة واذا ما تورطت اميركا في حرب برية شرسة ودموية فسيواجه بوش تحديا جديدا وكما تعلم والده قبله فان انتصارا عسكريا على الرئيس العراقي لن يكون ضمانة لانتخابه رئيسا لفترة ثانية اذا ما تراجع الوضع الاقتصادي. بوش فطن لهذا التهديد وليس غافلا عنه غير ان حقيقة ضياع مليون ونصف المليون فرصة عمل في عهده مع ارتفاع نسبة البطالة الى اعلى مستوياتها منذ تسع سنين ووصولها 6 في المئة لا يمكن اخفاؤها والنمو الاقتصادي لا يتوقع له اكثر من 2 في المئة او قريبا من ذلك، كما ان صدمة نفط للسوق بسبب ازمة العراق ستغير كل شيء، نعم بوش في وضع جيد بالنسبة لاعادة انتخابه لكن من غير المحتمل بعد 12 شهرا ان يكون في حال طيبة كما هو الآن. عن «اندبندنت»