السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 قبل حوالي عقد من الزمان، كانت شرق آسيا منطقة ساخنة، مثلها كانت ايضا «القيم الاسيوية» حينها اعتقد الكثيرون في تفسيرهم للتنمية الاقتصادية المتميزة في شرق آسيا، والتي وصفها البنك الدولي بأنها معجزة، اعتقدوا ان الثقافة، قد لعبت دوراً محورياً في هذه الظاهرة اذ ان العديد من دول العالم الثالث قد حاولت النهوض بنفسها من حالة الفقر، إلا ان دول شرق اسيا كانت الوحيدة التي نجحت في هذا المسعى، واصبح لي كوان يو على سبيل المثال وهو الآن المؤسس لسنغافورة الحكيم الناصح على مستوى عالمي وهو يشرح كيف ان الثقافة الكونفوشية الفريدة قد حفزت المجتمعات الاسيوية وقد وافقه الكثير من الباحثين على هذا الرأي وربما كان اكثرها تحمساً في دعمه هو جويل كوتكين الذي جعل نظريته الرئيسية في كتابه الصادر عام 1993 بعنوان «القبائل» الجدل القائل بأنك اذا اردت النجاح اقتصاديا في العالم المعاصر فعليك ان تكون يهودياً او هندياً لكن الافضل ان تكون صينياً. وهنا عليّ ان اعترف بأني وجدت هذه النظرية جذابة بداية الامر باعتباري من اصول هندية، غير اني تساءلت لاحقا اذا كان كون المرء هندياً شرط اساسياً للنجاح الاقتصادي فما الذي يفسر الاداء التعس للاقتصاد الهندي طوال العقود الاربعة التي تلت الاستقلال عام 1947 وطوال مئات السنين قبل الاستقلال؟ والسؤال نفسه ينطبق على الصين، وهي البلاد التي عاشت اقتصاداً مزرياً لمئات السنين وهو ما لم يتغير إلا منذ عقدين فقط، فاذا كان العامل الاساسي للنجاح الاقتصادي هو وجود الصينيين، فإن الصين لديها مئات الملايين منهم منذ قرون. اما فيما يتعلق باليهود، فإن هؤلاء عرفوا البحبوحة الاقتصادية في الكثير من بلدان العالم لكن البلاد الوحيدة التي يشكلون فيها اغلبية وهي اسرائيل فقد عانت من فوضى اقتصادية الى وقت قريب. ان هذه الدول الثلاث لم تتحسن احوالها الاقتصادية على نحو ملحوظ، إلا في العقود الثلاث الماضية، غير ان هذا التحول لم يقع لانها اكتسبت لنفسها ثقافات جديدة وانما بسبب تغيير حكوماتها لبعض السياسات واحلالها انظمة اكثر تطابقا مع آليات السوق، واليوم تنمو الصين بسرعة تفوق الهند، غير ان لهذا علاقة بالسرعة التي تنفذ بها الصين اصلاحها الاقتصادي، وليس بتفوق القيم الكونفوشية على نظيراتها الهندوسية. ومن المستغرب فعلا ان يكون لي كوان يو مدافعا بهذه القوة عن الجدل الثقافي، فسنغافورة ليست بذلك الاختلاف الثقافي الكبير عن جارتها ماليزيا، صحيح ان سنغافورة ذات مكونات ثقافية صينية اكثر ومالاوية اقل، مقارنة بماليزيا، إلا ان المجتمعين السنغافوري والماليزي، مقارنة ببقية العالم، هي مجتمعات متشابهة تماماً، غير ان سنغافورة مقارنة بجاراتها قد تمتعت بحكومة اكثر فاعلية واتبعت سياسات اقتصادية اكثر حكمة، ان لي كوان يو وليس كونفوشيوس، هو من كان وراء النجاح الاقتصادي والبرهان الاكثر بساطة هو ان ماليزيا حينما اتبعت النهج السنغافوري نجحت اقتصادياً بدورها. ان الجدل حول القيم الاسيوية لم يكن في واقع الامر مجرد سجال بحثي. فالعديد من طغاة آسيا قد وظفوا هذا الجدل حول الثقافة الفريدة لمنطقتهم لمنع الغرب من دفعهم نحو الديمقراطية. وكانت اللازمة المعيارية للرفض هو ان الاسيويين يفضلون النظام على فوضى الديمقراطية، غير ان التاريخ السياسي المعاصر لشرق آسيا يقدم برهاناً قويا على عالمية النموذج الديمقراطي ـ حال تطبيقه على النحو الصحيح، فبخلاف دول العالم الثالث الاخرى، حررت العديد من دول تلك المنطقة اقتصاداتها اولا ثم دمقرطت سياساتها وبالتالي عكست التسلسل الذي حدث في اوروبا القرن التاسع عشر، وكانت النتيجة ارساء انظمة ديمقراطية مستقرة في تايوان وكوريا الجنوبية مع نتائج اكثر تعقيداً لكن تستحق الاعجاب ايضا في تايلاند وماليزيا. ان ما اريد قوله هنا ليس نفي اهمية الثقافة بل على العكس فهي مهمة جدا فالثقافة تمثل التجربة التاريخية للامة وهي متجسدة في مؤسساتها وشكل مواقفها وآمالها من العالم غير ان الثقافة يمكن ان تتغير. فالثقافة الالمانية عام 1939 تختلف كثيرا عما اصبحت عليه عام 1959 بعد عشرين عاماً فقط، واوروبا التي كانت ذات مرة قلب التطرف القومي تعيش الآن عصر ما بعد القومية وحكوماتها مستعدة للتخلي عن سلطاتها لصالح هيئات فوق قومية بشكل يصعب حتى على الاميركيين تخيله، الولايات المتحدة كانت يوماً جمهورية انعزالية ذات شكوك عميقة في الجيوش النظامية، اما اليوم فهي قوة مهيمنة على العالم تحتفظ بحامياتها العسكرية في كل ركن منه، الصينيون كانوا يوما امة من الفلاحين الرجعيين، اما الآن فهم تجار حاذقون. ان الازمات الاقتصادية والحروب والقيادات السياسية كلها تمثل ظروفاً قادرة على تغيير الثقافات. قبل قرن من الآن حينما كانت شعوب شرق آسيا تعيش فقرا مدقعا، جادل الكثير من الدارسين على رأسهم الاشتراكي الالماني ماكس فيبر، بأن الثقافات القائمة على الكونفوشية تجهض كل المزايا الضرورية للنجاح في الرأسمالية، لكن منذ عقد من الزمان فيما كانت شرق اسيا تزدهر، قلب الباحثون هذا الجدل رأسا على عقب ليقولوا ان الكونفوشية في واقع الامر ترسخ المزايا اللازمة للحركية الاقتصادية. ثم دارت العجلة مرة اخرى ليرى العديدون في القيم الاسيوية كل العناصر المكونة للرأسمالية العائلية، ووجد لي كوان يو نفسه مضطراً للاعتراف بأن الثقافة الكونفوشية فيها ايضا سماتها السيئة ومن بينها الميل لمحاباة الاقارب والمحسوبية لكن من المؤكد ايضا ان الفضائح الاخيرة في اوساط اكبر الشركات التجارية الاميركية تظهر ان ثقافة الولايات المتحدة فيها ايضا شكلها الخاص من الرأسمالية العائلية. كان فيبر قد فسر النجاح الاقتصادي في شمال اوروبا بمذهبها البروتستانتي وتنبأ بأن الجنوب الكاثوليكي سيبقى فقيراً غير ان ايطاليا وفرنسا قد حققتا نمواً اقتصادياً يفوق كل اوروبا البروتستانتية في نصف القرن الماضي، ويمكن لمن اراد ان يوظف الصورة النمطية للاميركيين اللاتينيين المتقلبين ومذهب المانانا لتفسير الاداء الاقتصادي الضعيف في بعض دول تلك القارة، لكن كيف سنفسر حينها النجاح التشيلي؟ ان اقتصاد تشيلي ينمو بسرعة تشابه تقريبا اسرع اقتصادات نمور آسيا قوة، حينها سنجد مجموعة اخرى من القيم اللاتينية لتفسير النجاح التشيلي: البنية العائلية القوية، القيم الدينية والعزم. الحقيقة هي انه ليس هناك تفسير مبسط لنجاح مجتمعات بعينها في ازمان بذاتها فحينما يزدهر مجتمع ما، يبدو نجاحه امراً محتوما لمن يريد ان يفكر به بأثر رجعي، وبالتالي فإن الغريزة تدفعنا لتفحص المجتمعات الناجحة والبحث ضمن ثقافاتها عن بذور هذا النجاح. ان الثقافات معقدة فالمرء يستطيع ان يجد فيها ما يريد ان يجده فاذا ما اراد احدنا ان يجد سمات ثقافية تشجع على العمل الجاد والكد في شرق آسيا فسيجدها واذا ما اراد ان يعثر على ميول نحو الطاعة العمياء ومحاباة الاقارب فهي موجودة ايضا، لنبحث بجد وسنعثر على هذه السمات في كل الثقافات تقريبا. وقد يتراءى للمرء ان تجربتنا مع القيم الآسيوية قد كان لها ان تقضي على مثل هذا النوع من السجالات الثقافية لكن فيما ادرنا وجوهنا بعيداَ عن هذا الجدل، اخذ الكثيرون يتطلعون لجدل آخر فالآن هو دور الاسلام لكن هذه المرة باعتباره ثقافة تشجع على الشر. اذاً لابد من القاء اللوم على القيادات والسياسات والخطط الفاشلة والسيئة في الدول الاسلامية، نجد الكثيرين في الغرب مثل المؤرخ البريطاني بول جونسون والصحفية الايطالية اوريانا فالاتشي والزعيم الديني الاميركي بات روبرتسون وقد وجدوا ان من المناسب اكثر بالنسبة لهم استغلال التعميمات الهائلة بخصوص الاسلام وسيجد هؤلاء ان المجموعة الوحيدة من الناس الذين يتطابقون تماماً مع افكارهم انما هم المتشددون الاسلاميون الذين يؤمنون بأن الطبيعة الحقيقية للاسلام لا تتوافق ابداً مع الغرب والحداثة والديمقراطية غير ان التاريخ سيدحض هذه النسخة الجديدة من النظرية الثقافية مثلما فعل مع سابقتها. ترجمة: جلال الخليل عن «فورين بوليسي»