الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 بعد 11 سبتمبر 2001، كان مرور الزمن كفيلاً بتجاوز اسوأ الاوجاع التي ألمت بالاميركيين لكن منذ ذلك الحين لايكاد يمر شهر حتى تتجدد مشاعر القلق والازعاج عند الاميركيين باحداث متتالية، تحذيرات متشائمة من «الاف بي. آي» تفجير مريع في بالي، هجوم على ناقلة نفط في الشرق الاوسط، اظهرت ان الخطر لايزال يقف عند ابواب اميركا، لقد جهد الاميركيون لاستعادة عالمهم الآمن الذي اصبح امنية منذ 11 سبتمبر لكن مع كل خطوة على الطريق كان الشعب يتساءل عما اذا كانت هذه هي فعلاً السبل الى التعافي، وما اذا كانت هناك امور اخرى يجب القيام بها من اجل الغاية ذاتها. ترافقت مع هذا كله كوميديا سوداء من فساد واحتيال لشركات كبرى في الولايات المتحدة، من كان يتوقع ان اقتصاد التسعينيات المغامر والمتفاخر انتج هذا الكم من القراصنة؟ لقد تبين ان مؤسستي «انرون» و«ورلد كوم» كانتا برجين توأمين يقومان على الوعود الزائفة التي تعرت بانهيارهما، سقطت المؤسستان العملاقتان، وسقط معها الموظفون وحاملو الاسهم، وانهار قدر كبير من الثقة الجماهيرية بالشركات الكبرى كانت الاساءات والانتهاكات جميعها تنقل الرسالة ذاتها، التي مفادها انه مع انهيار الشيوعية لم يبق اعداء للرأسمالية سوى اسوأ الاندفاعات والنزوات الخاصة بها. يوما بعد يوم، راحت تتداخل الهواجس والظنون مبعدة المستثمرين القلقين من البورصة، ومضيفة طابعاً مشئوما على السنة بأكملها،وفي ظل الاجواء المقلقة التي تنذر بأن اميركا ربما تكون في طريقها الى عالم تنهار فيها كل الابراج والصروح الكبيرة بعد انهيار برجي نيويورك، كانت هناك حاجة ماسة للاسراع في استنباط كيفية اصلاح العمليات المخففة في مجالس ادارات الوكالات الحكومية. وهنا برزت الى المشهد ثلاث نساء عاديات من حيث السلوك لكنهن استثنائيات بشجاعتهن واحساسهن الاخلاقي العالي، شيرون واتكينز هي نائبة رئيس مؤسسة انرون للطاقة التي كتبت رسالة لرئيس مجلس الادارة كينث لاي في منتصف 2001 تحذره فيها من ان اساليب المحاسبة التي تتبعها الشبكة خاطئة وغير لائقة. في شهر يناير عندما قامت لجنة الكونغرس المكلفة بالتحقيق بقضية انهيار انرون بالكشف عن محتوى الرسالة اصبحت واتكينز شخصية جماهيرية على الرغم من نفورها من ذلك، وبدأت بذلك سنة فاضحي الاسرار المخبأة. المرأة الثانية هي كولين راولي محامية اركان مكتب التحقيقات الفيدرالي «اف. بي. اي» التي احدثت ضجة كبيرة في مايو الماضي عندما قدمت مذكرة الى مدير «الاف بي اي» روبرت مولر عن كيفية تجاهل المكتب لطلب موجه من مكتبها الميداني في مينا بوليس بولاية مينسوتا بأنه يجب التحقيق مع رجل يدعى زكريا موسوي الذي ادين فيما بعد بتهمة الاشتراك بالتآمر في هجمات 11 سبتمبر، وبعد ذلك بشهر واحد فجرت سينثيا كوبر فقاعة «ورلد كوم» عندما ابلغت مجلس الادارة بأن الشركة كانت قد غطت على ديون بـ 38 مليارات دولار من خلال التلاعب والتزييف في دفاتر الحسابات. لقد برزت هؤلاء النسوة الثلاث بدون رغبة منهن كبطلات للمشهد الاميركي، تماما كما حصل مع عمال الاطفاء في نيويورك صبيحة 11 سبتمبر هؤلاء اشخاص قاموا بأشياء عظيمة بمجرد تأديتهم لعملهم على الوجه الصحيح. لقد خاطرت النساء بعملهن وصحتهن وخصوصيتهن لمجرد قول كلمة حق في زمن الزيف الاميركي، ولذلك اختارتهن مجلة «تايم» ليكن شخصيات العام لسنة 2002. لم تكن اي من هؤلاء النساء تسعى للشهرة او الاضواء فجميعهن حاولن بداية ابقاء الامر داخل المؤسسة التي تنتمي كل منهن لها، ولم يصبحن شخصيات جماهيرية إلا بعد تسرب مذكراتهن الداخلية الى الاعلام والقضاء، وحتى الآن لم تدل اي منهن بحديث اعلامي مثير كما يفعل اغلبية من تهبط عليهم الشهرة فجأة. وفي مطلع شهر ديسمبر 2002 جمعت مجلة «تايم» النساء الثلاث في حجرة باحد فنادق مينا بوليس وبدا واضحا من الوهلة الاولى انهن لسن نساء متمردات بالمعنى المألوف للكلمة، بل موظفات مخلصات لم يترددن في قول كلمة الحق في وجه مديريهن ايماناً منهن بأن الغش الداخلي في مؤسساتهن يضر بشريحة اكبر في المجتمع، كما جاء في المقالة التي نشرتها «تايم» في عددها الاخير بمناسبة اختيارهن شخصيات لعام 2002. وعلاوة على كونهن نساء، تشترك البطلات الثلاث بأشياء كثيرة اخرى، منها انهن جميعاً نشأن في بلدات صغيرة وفي اسر تعيش على المرتب الشهري عاماً بعد عام. كما انهن يتحملن مسئولية اعالة اسرهن فزوجا كل من كوبر وراولي يتفرغان لادارة شئون المنزل وتربية الابناء، ولذلك فإن مجابهة السلطات العليا في مؤسساتهن تطلب منهن شجاعة فائقة لان ذلك يهدد رواتبهن التي تعيش عوائلهن عليها. وقالت مجلة «تايم» في مقالتها الخاصة بالمناسبة ان واتكينز وراولي وكوبر اطلقن شرارة مناظرات اساسية لنظافة ادارة الحياة الاميركية وستستمر تلك المناظرات لسنوات طويلة، ومهما نشر البنتاغون من دفاعات صاروخية متطورة جديدة وشدد اجراءاته الامنية في المطارات فاذا لم يثق الاميركيون بمؤسساتهم المعنية فإن الدفاع عن الوطن سيكون عبارة فارغة. وركزت المجلة على الدور المهم الذي لعبته كل من واتكينز وكوبر في فضح الخداع والتلاعب في عالم المال والاعمال وفي تعرية بعض الانتهاكات الخطير في «انرون» و«ورلد كوم» مشيرة الى ان امثال هؤلاء الاشخاص من اصحاب الضمائر الحية يحملون شعلة القيم وسط درب الديمقراطية الرأسمالية المحاط بالاشواك. اختتمت المجلة بالقول: ان هؤلاء نساء عاديات لم ينتظرن السلطات الاعلى حتى تفعل ما ينبغي فعله، فالمجتمع مثل السفينة، ويجب على كل منا ان يكون مهيأ لادارة دفة القيادة وهذا ما فعلته البطلات الثلاث. علي محمد