الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 يعتبر الماس من المعادن الثمينة ويمتاز بصلابته الشديدة بحيث لا يمكن كشط قطعة من الماس إلا بقطعة اخرى منه وبكثافته الكبيرة التي تجعله يبطيء سرعة الضوء بمقدار الثلثين وببرودته عند اللمس لانه يمتص الحرارة من الاصابع، ومع انه قد يبدو متشابها للشخص العادي إلا انه متنوع جداً ويختلف في درجة اللون والنقاء وهذا امر لا تميزه إلا العين الخبيرة، والماس حلية متميزة تتجمل بها النساء ويفخرن بتقلدها، وقد اصبح في السنوات الاخيرة عنواناً للثراء، حيث تتجمل به معظم نجمات السينما العالمية والعارضات ونساء المجتمع المخملي، وينظر اليه باعتباره تعبيراً عن المكانة الاجتماعية، فالمرأة التي تتقلده هي امرأة تحاول ان تترك انطباعاً لدى الآخرين بأنها امرأة ثرية ومن طبقة اجتماعية راقية. وتتنافس الشركات المتخصصة في الماس على اجتذاب الزبائن في هذا السوق المربح الذي تصل عائداته الى مليارات الدولارات، ولكي تكون قادرة على المنافسة تقوم هذه الشركات بتوظيف مصممين بارعين تكون مهمتهم ابداع تصاميم جديدة من الحلي والمجوهرات الماسية تناسب المستجدات والاذواق المتغيرة في عالمنا المعاصر. ولا تبخل ايضا في اطلاق الحملات الترويجية التي تكلف ملايين الدولارات، حيث تستخدم نجوم السينما وعارضات الازياء والمشاهير في التأثير على الزبائن المحتملين، وحتى فترة قريبة لم يكن احد يسأل: من اين يأتي الماس؟ أو كيف يتم استخراجه؟ وهل له علاقة بما يجري من صراعات في دول المنشأ؟ والآن، تثير صناعة صقل الماس اكثر من أي صناعة اخرى جدلاً واسعاً حول مشروعية الوسائل المستخدمة في الحصول على بضاعتها الثمينة والاخلاقيات التي تداس من اجل تحقيق الارباح الطائلة دون اي اعتبار لمآسي الشعوب الفقيرة او انتهاكات حقوق الانسان. ففي القارة الافريقية، يوصف الماس من قبل الشعوب بأنه ماس «الدم» او «الصراع»، فهو يستخدم في تمويل الصراعات المسلحة في الدول المنتجة للماس والتي يروح ضحيتها المدنيون من نساء واطفال. ففي سيراليون على سبيل المثال، يسيطر المتمردون الذين يطلقون على انفسهم اسم «الجبهة الثورية المتحدة» على مناجم الماس ويستخدمون عائد هذه المناجم في تمويل عملياتهم المسلحة ضد الحكومة، والتي ادت الى قتل آلاف الابرياء وبتر اطراف الاطفال بصورة وحشية بشعة، وما يشجع هذه الاعمال هو وجود سوق دولية لاتسأل عن مصدر هذا الألماس وحتى ان سألته، فإنها تغض الطرف عن الانتهاكات والفظائع التي ترتكب بحق الانسان، طالما ان هذه التجارب تدر ارباحاً طائلة تصب في جيوب اصحاب الشركات الرأسمالية التي لديها استثمارات في تلك البلدان. غير ان وسائل الاعلام ساهمت في اظهار الحقيقة للرأي العام العالمي والعربي على وجه الخصوص، فزال القناع عن هذه الشركات وبرز وجهها القبيح، وشكل ذلك فضيحة كبرى اخذت الصورة التي رسمتها صناعة الماس حول نفسها. ويقول أحد المطلعين على بواطن الأمور في الصناعة، ويبدو عليه ملامح الرعب مما شاهده في احد المخيمات المخصصة للمعاقين الذين بترت اطرافهم في سيراليون ـ يقول: «ربما يكون ما يحدث في سيراليون هو مشكلتنا وربما يكون ذلك من نتائج عملنا». ان نشاط التعدين لاستخراج الماس يعتبر عملاً وحشياً حتى من غير الفظائع التي يرتكبها المتمردون. فشركات التعدين تستخدم عمالاً محليين وبأجور زهيدة جداً وبظروف قاسية جداً تجعلهم اشبه ما يكونون بالعبيد. وهناك اعداد غفيرة من الناس في بلدان افريقيا الفقيرة تنقب عن الماس ساعات طويلة في اليوم على امل العثور على ماسة كبيرة تخلصهم من الفقر إلى الأبد. ولكنهم لا يحصدون سوى خيبة الأمل، حيث لا يحصل معظمهم الا على ما يكفي لسد حاجاته الأساسية من الطعام . والعاملون في المناجم التابعة للشركات الكبرى، يعاملون معاملة سيئة لا تليق بهم كبشر، حيث يتم تفتيشهم قبل الدخول إلى المجمعات الخاصة بفرز الماس وقبل مغادرتها باستخدام اشعة اكس، وهناك كاميرات متحركة تراقب كل زاوية في المكان وتحصي عليهم تحركاتهم، بالاضافة إلى وجود سور عال حول المكان كله لمنع أي عامل من الهرب، وهذا ما يجعلنا أمام ظروف لا تقل قساوة عن ظروف الاعتقال والسجون. البعض يرى ان المبالغ الطائلة التي يتم استثمارها في هذه الصناعة والايدي العاملة التي تعمل وسط ظروف قاسية انما يعد كله هدراً عبثياً في مقابل الحصول على سلعة غير اساسية. ولكن البعض الآخر يقول: صحيح ان السلعة غير اساسية ولكنها ترمز إلى الرومانسية والقوة والجمال والثروة، وهذه أمور مهمة في حياتنا. قد يكون الماس هو الصديق المفضل لدى المرأة، ولكن جانباً من الاغراء الكامن فيه يمكن تفسيره بمعادلات حسابية محضة. فالعالم ينتج حوالي 120 مليون قيراط من الماس الخام والتي تزن بالاجمالي 24 طناً، أي حمولة شاحنة واحدة، ولكن الاطنان هذه تباع من قبل المنتجين بحوالي سبعة مليارات دولار. وحيث انها لا تكلف سوى أقل من ملياري دولار لاستخراجها، فان الأرباح تعتبر هائلة بجميع المقاييس. وما ان يصل الماس إلى الزبائن في مختلف انحاء العالم حتى تكون قيمة حمولة الشاحنة من هذه المادة الثمينة قد وصلت إلى 50 مليار دولار. لا عجب اذن ان تضرب شركات الماس بعرض الحائط كل ذلك الحديث عن معاناة الشعوب وحقوق الانسان طالما ان الأرباح بهذا الحجم من الضخامة. ضرار عمير