الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 حظيت الأضواء الشمالية المعروفة ايضا باسم الشفق القطبي باهتمام الدارسين واستأثرت باعجاب الناظرين منذ الوف السنين، لكن العلماء لا يزالون الى الآن منكبين على العمل لحل ألغاز هذه الظاهرة الطبيعية المثيرة. تعتبر ستائر وشلالات الاضواء السماوية الشمالية من اكثر المشاهد الطبيعية اثارة على وجه الارض. وتنتج الالوان المبهرة عن تفاعل الجسيمات المشحونة بالطاقة المحمولة مع الرياح الشمسية مع الغازات في الطبقات العليا في الغلاف الجوي للارض. وينبعث الضوء الأخضر المائل الى الاصفرار من اصطدام الجسيمات المشحونة بذرات الاكسجين على ارتفاعات تتراوح ما بين 100 و300 كيلومتر. تحيط بالشمس مجالات قوة تتعاظم شدتها تدريجيا. وكل 11 عاما ينبثق منها دفقا عنيفا جدا من الجسيمات المشحونة، وعندها نشاهد نحن الاضواء الشمالية الخلابة تتألق في أفق الارض. تندفع الريح الشمسية بسرعة 400 كيلومتر بالثانية لتصل طبقة الايونوسفير في الغلاف الجوي للارض بعد أربعة ايام من مغادرة الشمس. وخلال اي اندلاع شمسي شديد، قد تصل قوة الدفق الى 1062 جول خلال بضع دقائق، وهذا يعادل انتاج 30 مليون محطة طاقة كهربائية بقوة 1000 واط على مدار مئة عام. ان حقن الدفق الهائل من الجسيمات الشمسية في الغلاف الايوني للارض يولد شحنات كهربائية قادرة على تدمير التجهيزات الالكترونية للاقمار الصناعية وتسريع سقوطها الى الارض. ولقد سقط قمر سكيلاب قبل اوانه في يوليو 1979 بسبب تعرضه للقصف العنيف بالجسيمات الشمسية المشحونة. وغالبا ما تكون اخطار الاضواء الشمالية اعظم على اقمار الاتصالات لأنها في كثير من الاحيان تكون مغلفة بطبقات واقية رقية لخفض التكلفة، على الارض تعتبر مصانع الطاقة الكهربائية محرضا ممتازا للتيارات الايونوسفيرية. وخلال العواصف المغناطيسية يمكن لتلك التيارات ان تكتسب قوة عظيمة لدرجة انها يمكن ان تذيب المحولات الكهربائية وتقطع شبكات بأكملها.. كما ان سكك الحديد الكهربائية هي ايضا معرضة للتأثر بسيول الجسيمات المشحونة الهابطة من السماء. تنجم أضواء بورياليس (في الشمال) واضواء استراليس (في الجنوب) عن تفاعل الريح الشمسية مع الغازات في الغلاف الجوي للارض. وتتكون الريح الشمسية من جسيمات ذرية مشحونة ـ بروتونات، الكترونات، هيدروجين وهيليوم.. وهي تندفع بسرعة فائقة مبتعدة عن الشمس مرورا بالكواكب وصولا الى اقصى اطراف المجموعة الشمسية. ويتحرك معها دفق من الأشعة القاتلة: الاشعة فوق البنفسجية والاشعة السينية واشعة غاما. ولو كانت الارض معرضة بشكل مباشر للرياح الشمسية، لما وجدت الحياة في شكلها الذي نعرفه، ومن حسن حظنا، ان الارض محمية بغلاف مغناطيسي، عبارة عن فقاعة واقية من الجسيمات الذرية المشحونة محاطة بخطوط طاقة تشكل مجالا مغناطيسيا حول الارض. تجر الريح الشمسية الغلاف المغناطيسي عبر الفضاء، مشكلة «ذيلا مغناطيسيا» يمتد لمئات آلاف الكيلومترات خارج غلاف الارض في الجهة المعاكسة للشمس. لكن على الرغم من الحماية التي يوفرها الغلاف المغناطيسي، فان الارض معرضة لتأثير الريح الشمسية عند التطبيق، حيث تتسرب الجسيمات المشحونة على طول خطوط القوة المغناطيسية هابطة باتجاه سطح الارض. وعلى الطريق تصطدم بذرات الغاز الموجودة في الطبقة العليا من الغلاف الجوي، متسببة بانبثاق الوان ساطعة متألقة، هي التي ندعوها بالشفق القطبي. وهناك نشاطات علمية للتنبؤ بالريح الشمسية اشبه بنشاطات التنبؤ بأحوال الطقس داخل المجال الجوي للارض. وتبرز في هذا المجال جمعية «آيسكات» التي تعتبر اهم مركز في أوروبا لدراسة احوال الغلاف الايوني. ويشترك في المشروع العلمي الضخم الذي يتخذ من النرويج مقرا له كل من بريطانيا والمانيا وفرنسا والنرويج والسويد وفنلندا. ويستخدم العلماء هناك هوائيات عملاقة مثبتة على الواح استقبال كبيرة لجمع المعلومات من الاضواء القطبية الشمالية. وتتراصف تلك الالواح لتغطية اكبر حيز ممكن في السماء وتبعث اجهزة الارسال امواجاً عالية التردد تنعكس على اصطدامها بالالكترونات في الغلاف الايوني للارض. ويرتد جزء من تلك الامواج عائدا الى الرادار الارضي لتحليل كيفية استجابة الغازات في الغلاف الايوني لوصول دفق الجسيمات الشمسية. والبيانات المجموعة التي تتضمن كثافة الالكترونات ودرجة حرارة وسرعة الايونات تعطي علماء الفيزياء الفلكية ما يكفي من المعلومات لرسم خارطة دقيقة للمحتوى الكهربائي وسرعة البلازما في الغلاف الايوني ولاعداد نماذج تمثيلية لدورانها فوق القطب، ويأمل العلماء بأن يستفيدوا من تلك المعلومات لفهم الطقس الفضائي والظواهر الجيومغناطيسية بشكل افضل. وتأتي المعلومات ايضا من مصدر مهم اخر يتمثل في المسابير الفضائية التي تدور حول الشمس، مثل مسابير «كلاستر» التي اطلقت في عام 2000. وتعكف اوروبا وأميركا الآن على تطوير برامج لاطلاق مسابير جديدة لتحسين جودة البيانات التي يستقبلها خبراء الارصاد على الأرض. علي محمد