الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 يعد الكتاب من الكتب المهمة التي تعرض لموضوع يفرض نفسه اليوم بقوة، حيث يتعرض لعصر المعلوماتية والآثار الاجتماعية والسياسية المترتبة على ثورة تقنية المعلومات، وهو موضوع بلا شك يمس حياتنا جميعا، فمن منا لا يلجأ الى جهاز الكمبيوتر للرحيل عبر الانترنت وراء المعلومة او السلعة او الخدمة او لكتابة رسالة او مقال او تعلم لغة جديدة او الاطلاع على احدث ما انتجته المطابع في العالم، واذا اردنا ان نعدد فوائد ومزايا عصر المعلوماتية فسوف نحتاج الى مجال اكبر كثير مما هو متاح هنا. ويتعرض هذا الكتاب لآثار ذلك العصر الذي يشهد كل يوم اضافة جديدة في مجال المعلومات والبرامج وتطور الانسان في جميع المجالات. ومما يزيد من مصداقية واهمية هذا الكتاب ان مؤلفيه السويديين الاثنين هما الكسندر بارد محاضر جامعي وخبير في مجال الاتصالات الصوتية بواسطة الانترنت وصاحب اكبر شركة تسجيلات صوتية في السويد ويان سودركفست وهو كاتب ومنتج ومذيع تلفزيوني. والمؤلفان على علاقة وطيدة بموضوع الكتاب وعلى دراية تامة بأدق تفاصيل عصر المعلومات ومن ثم فهما قادران تماما على تحليل هذا العصر والوقوف على الآثار السياسية والاجتماعية له. وقد احدث هذا الكتاب منذ صدوره، مؤخرا، ردود افعال قوية، ليس في السويد فحسب ولكن في دول اخرى عديدة بسبب المفاهيم الجديدة التي ادخلها بدءا من اعتبار ان التقنية هي القوة المحركة للتاريخ وانتهاء بأن العولمة قد قضت على وسائل الاعلام. يقع الكتاب في 277 صفحة ونشرته وكالة رويترز للانباء، وهو ما يعد قيمة اخرى مضافة لهذا العامل، حيث من المعروف ان وكالة دولية بارزة مثل رويترز لا تتحمس لنشر كتاب الا اذا كان على مثل هذا القدر من الاهمية. ويشدد المؤلفان بصفة خاصة على رفضهما لمقولة ان الانترنت ستعزز موقف الرأسمالية والديمقراطية عبر اشاعة المزيد من الحرية للتجارة والاقتصاد والافراد، كما يرفضان نظرية ان بالامكان السيطرة على الانترنت من قبل الدول وانها ستتحول لاداة كبت وسيطرة . وبالتالي يطرحان عبر هذا الكتاب بديلا. التقنية والتاريخ يبدأ الكتاب بالفصل الاول الذي يحمل عنوان «التقنية باعتبارها القوة المحركة للتاريخ» ويحكي المؤلفان في بدايته حكاية طريفة وشديدة الدلالة، مفادها ان جنديا يابانيا تم العثور عليه بعد عقود طويلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية في احدى الغابات النائية التي يصعب الوصول اليها، وهو يحمل بندقيته ويمارس تدريباته اليومية بشكل منتظم. ولا احد يعلم سبب بقائه في ذلك المكان هذه الفترة الطويلة منعزلاً تماما عن العالم. هل صدرت اليه اوامر بأن يفعل ذلك؟ هل كان خائفا من الانخراط في التجمعات السكانية؟ هناك اسئلة عديدة لا تنتهي ولا يوجد سبب يدعونا لادانة هذا الجندي البائس، لكن الشيء المؤكد ان هذا الجندي لم يعلم ان الحرب العالمية الثانية قد انتهت، وان رحاها لا تزال تدور في رأسه فقط. والسبب فيما آل اليه من مصير مأساوي هو ان احداً لم يخبره بشيء عن انتهاء الحرب وهو الشيء نفسه الذي نعاني منه جميعا احيانا عندما تحدث امور مهمة لا نعلم بها الا بعد فوات الاوان، لكن ذلك لا يمنعنا من تكوين رأي عن شيء تلو الآخر حتى في الامور المعقدة التي تكون فيها معلوماتنا محدودة. ان عدم توفر المعلومات دائما يعني اننا نسبح في بحر من سوء الفهم يوميا، وهو عمل مكلف للغاية، ومثل الجندي الياباني الذي اشرنا الى قصته فإننا جميعا نقوم بتشكيل وصياغة حياتنا في داخل رؤوسنا، ونحن نفعل ذلك لأن العالم كبير جدا ومعقد للغاية حتى نعرف كل جوانبه دون ان نحمي انفسنا بمصفاة عقلية متعددة الطبقات، والمعرفة في حد ذاتها هي محاولة لان تتوازن رؤوسنا مع مايدور خارجها، فالمعلومات التي في رؤوسنا هي التي على ضوئها نتخذ قراراتنا. ولم يكن نقص المواد الخام هو السبب في عدم لجوء الاسكندنافيين للتزلج على الماء او عدم تمكن الرومانيين من تصوير طقوسهم بالفيديو، وانما كان مرد ذلك النقص في المعلومات. والحضارة في جوهرها هي بمعنى من المعاني تراكم المعلومات ويؤكد مؤلفا الكتاب ان اللغة هي احدى مقومات الثورة التقنية التي تشهدها حاليا، حيث كان ظهور اللغة احد اوجه تلك الثورة، فمثلا القرود ـ اقرب الكائنات الى الانسان ـ تعرف بأنها حيوانات ذكية، ولديها قدرات هائلة على التعلم، لكنا على الرغم من ذلك لا نستطيع ان نعلمها الكلام، ويستطيع الشمبانزي ان يتعلم تجميع اصوات لكي يتفاهم على مستوى طفل صغير، كأن يعبر عن أنه يريد شيئا ما، او يريد شخصا معينا لكن الشمبانزي لا يستطيع ان يتبادل الخبرات مع نظيره، ولا يعرف ما يدور حوله من احداث. ان فصيلة الشمبانزي تفتقر الى المقدرة على التعبير عن افكارها وخبراتها برموز لغوية، او بمعنى آخر تفتقر الى القدرة على تبادل المعلومات. باختصار، فان اللغة تميز بين الانسان وغيره من سائر مخلوقات الله، وابتكار التقنية يتطلب فكرة مجردة تنشأ اساسا من نظام لغوي للرموز، واللغة هي التي جعلت التطور الاجتماعي ممكنا وان نفتح شبكة عالمية جديدة من العلاقات بين الافراد. واللة تعد الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الافكار المبتكرة بكل امكاناتها اللامحدودة للتعبير، وان تنشر المعلومات الى كل افراد المجتمع. ويتطرق المؤلفان الى اللغة المكتوبة ويصفانها بأنها مثل السحر، وكان من المنطقي ان الاله المصري «توت» الذي تنسب اليه الاساطير انه هو الذي اهدى البشرية عملية الكتابة كان هو نفسه إله السحر، وقد ساهمت عملية القراءة والكتابة في تغيير مفاهيم المعرفة بل وتغيير العالم اجمع. فعندما تم تطوير القراءة والكتابة امكن للامبراطوريات ان تقام وتتقارب عن طريق اصدار الاوامر عبر مسافات شاسعة، وقد ادى ذلك إلى فناء دول المدن (تلك الدول المؤلفة من مدينة مستقلة والمناطق الخاضعة لسلطانها المباشر). وقد عزا كثير من المؤرخين انهيار الامبراطورية الرومانية الى نقص انتاج ورق البردى الذي كان يستخدم في الكتابة، وكان اختراع يوحنا غوتنبيرغ للطباعة في منتصف القرن الخامس عشر بداية للثورة التالية لادارة المعلومات وقد اصدرت المطابع العديد من الكتب التي احتوت على معلومات وافكار ساهمت في ا لكثير من الاكتشافات والابتكارات. فمثلا كريستوفر كولومبوس قرأ عن رحلات ماركوبولو والعديد من المطبوعات والادلة التي كان يتم توزيعها في اوروبا، وكان لذلك اكبر الاثر في اكتشافه للقارة الاميركية، او للعالم الجديد. الاقطاع والرأسمالية والمعلوماتية الفصل الثاني من الكتاب الذي نناقشه هنا وضع له المؤلفان عنوانا ألا وهو «الاقطاعية والرأسمالية والمعلوماتية» وهو يبدأ بالتأكيد على ان الاشخاص الخنوعين او غير الطموحين لم يكتسبوا شيئا على الاطلاق، ففي كل عصر كان اصحاب القوة والسلطة والمجد هم المتفتحون والمجدون والذين لديهم رغبة في التغيير، تغيير المناخ السائد، والذين يبحثون عن مصالحهم الخاصة. اما المخلصون والاوفياء في كل الانظمة فكانوا مختلفين فيما بينهم اختلافا كبيرا، بحيث ان الطامح الى دور قيادي في المرحلة الجديدة عليه ان يتعلم ثقافة مختلفة تماما ومجموعة جديدة من القيم. ومن السهل على الطبقة الدنيا ان تتكيف مع متطلبات المرحلة الجديدة التي تفرضها الطبقة الحاكمة للعصر الجديد، مقارنة بالتكيف مع متطلبات المرحلة التي فرضتها الطبقة الحاكمة القديمة، والطبقة الدنيا ليس لديها الكثير مما تدافع عنه او تفقده وتجد من الاسهل عليها ان تتعلم حيلا جديدة، وتسمح لنفسها باجراء التحول. ويقول مؤلفا الكتاب ان القيم والثقافة الخاصة بكل شخص او مجموعة تتكون من عدة عناصر، تثبت مدى تحولها او ضعفها عند اروين الذي يرى ان نموذج التحول يمكنه ان يتجدد بأثر رجعي فقط وبالطريقة نفسها، نجد ان الجينات المختلفة التي ليس لها تأثير على التغيرات الطبيعية لا تترك بصمتها خلال ثورة داروين الجينية، وجميع العناصر تكون عاجزة امام القوى الاجتماعية التي تحيد عن طريقة عملية التحول. في الوقت الذي كانت الرأسمالية مشغولة بإحداث ثورتها، كانت الارستقراطية مشغولة بممتلكاتها في القرى بعيدا عن البنوك والاسواق في المدينة، وقد نشأ اعضاء المجتمع الارستقراطي على ان ينظروا الى كل من التجارة والادارة المالية بنفور. وكانت الطبقة الحاكمة القديمة مشغولة على الدوام بحماية حقوقها المتوارثة والمتمثلة في اسم العائلة وممتلكاتها على الرغم من حقيقة ان قيمة الاسماء الرنانة في المجتمع الاوسع نطاقا كانت تختفي بسرعة. وقد شغلت الارستقراطية نفسها بتلميع كنوزها ومراكمة الحكايات البطولية للعصر الذهبي الذي ولى وانقضى. ويؤكد مؤلفا الكتاب ان هناك ظاهرة جديدة بالملاحظة في عملية التحول من نظام الى آخر، وهي انشاء حلف سري، هو حلف غير مقدس بين الطبقتين السائدتين القديمة والجديدة السائدة، فعندما يصبح انتقال السلطة عملية غير متنازع عليها تجري عملية تسليم السلطة في هدوء وسلام لصالح كل من الطرفين والقصد من تشكيل هذا الحلف هو حماية المصالح المشتركة والواضحة بين المجموعتين كلتيهما. ومن اهم وظائف هذا الحلف السري تأمين الاحتكارات العامة لكل من الطبقتين خلال فترة التحول. وفي قرون سابقة، عندما كان واضحا ان الارض يمكن حمايتها بواسطة القوانين، واحتكار السلطة في ايدي طبقة النبلاء، سيرطت الارستقراطية على كل الارض بقدر المستطاع، ولم تترك اي مساحة ارض مهما صغرت او بعدت حتى لا تكون ذريعة في المستقبل لمطالب الفلاحين بملكية الارض. وبالطريقة نفسها فان البرجوازية وبمباركة من الارستقراطية استطاعت ان تستغرق العقود الاولى للعصر الصناعي في سلب الريف والمستعمرات المختلفة الغنية بالمواد الخام والعمالة وادارة مصانع يقوم بتشغيلها العبيد الامر الذي يدر عليهما ارباحا طائلة. وليس هناك ما يجعلنا نعتقد ان الطبقة السائدة الجديدة لـ «المعلوماتية»، وهي النتوقراطية، سوف تتعامل بطريقة مختلفة عن تلك التي كانت تتعامل بها الطبقات السائدة السابقة. والطبقة البرجوازية التي يجري تهميشها بطريقة متزايدة سوف تكون راغبة في المشاركة في تلك الدراما التاريخية التي يعيد فيها التاريخ نفسه، ولكن ستكون البرجوازية هذه المرة تحت اشراف النتوقراطية وهي دراما يقبع في قرارها انكار لوجود طبقة دنيا جديدة. وفي فصل بعنوان «موت اشتراكية الدولة ومشكلة الديمقراطية» يقول مؤلفا الكتاب انه طبقا لوجهة النظر الماركسية المعروفة في التاريخ، فإن حكام اي مجتمع يمارسون السلطة على الشعب، وذلك بالسيطرة على وسائل الانتاج. فالسلطة هي عمل يتم من خلاله امتلاك وتوجيه وسائل الانتاج وكانت المهمة الرئيسية للثقافة ـ من وجهة النظر الماركسية ـ تبرير هيكل السلطة القائم، وذلك بوصفه بأنه طبيعي، وكانت ايضا الوظيفة الرئيسية للمجتمع الاقطاعي هي انتاج وتوزيع المنتجات الزراعية فالسلطة اذن مرتبطة بالسيطرة على الاراضي وما تنتجه وان الطبقة الحاكمة في العصر الاقطاعي وهي الارستقراطية كانت تهتم على الدوام بما يلي: «السيطرة على الارض، وإضفاء الشرعية على هذه السيطرة». وقد تم توجيه الثقافة لكي تؤدي دورا مهما وهو ان تضع طبقة الفلاحين في مكانها. كان اهم ما يميز مجتمع على حافة الانتقال من الرأسمالية الى المعلوماتية هو اضفاء الطابع الاعلامي. وقبل الانجاز المتعلق باجهزة الاعلام التفاعلية في التسعينيات كانت وسائل الاعلام تتميز بأنها هيكل صناعي رأسمالي وكانت وسائل الاعلام الرائدة لهذا العصر هي الراديو وفي المقام الاول التلفزيون وكانتا وسيلتين كافيتين تماما بالنسبة للمؤسسات البرجوازية لنقل رسالتها الى الجماهير. ومنذ ان اوضح المنظّر الاجتماعي الفرنسي اليكسيس دي توكفيل في اربعينيات القرن التاسع عشر كيف ان الديمقراطية الاميركية استقرت بأمان في شبكة مجموعات المصالح، فإن المجتمع المدني كان يقف كشرط رئيسي ومثالي لقيام الديمقراطية. لكن الكلمة الرئيسية هنا هي «الشبكة». فعندما دخلنا مرحلة تاريخية جديدة اصبحت فيها الشبكات الاجتماعية متجردة من وظيفتها المعروفة، وسيطرت على الامور السياسية بدلا من ذلك، تم الغاء الشروط والمجتمع المدني عند توكفيل ـ وهو الذي يتكون من شبكة مجموعات المصالح ـ ادركت قوتها وامكاناتها بفضل المعلوماتية. وفي الولايات المتحدة فإن هذه الشبكة من مجموعة المصالح ومجموعات الضغط المختلفة اصبحت تجد ميلا كبيرا لتمويل انشطتهما بأنفسهما وفي اوروبا يتم تمويل هذه المجموعات عن طريق الضرائب التي تدفعها لهما المؤسسة التي يتشاور معها وهي الدولة. واذا نظرنا الى هذا النظام من وجهة النظر المعلوماتية فسنرى كيف ان الطبقة الجديدة في الواقع تمول مجموعات المصالح السياسية للطبقة الحاكمة الجديدة عن طريق النظام الضريبي، ونتيجة لذلك فإن الديمقراطية التمثيلية تتعرض لهجوم من جميع الاتجاهات في وقت واحد. وقد ادى التطور السريع للتقنية لايجاد شبكات لمجموعات مصالح اصبحت فيما بعد اكثر قوة ، وان قدرتها على ممارسة ضغط سياسي بلغت حدا اصبحت فيه تحت السيطرة العملية السياسية وتلقى الرعاية والدعم. ولننسى الحكاية القائلة ان كل شخص له صوته الانتخابي فما يهم الآن هو التغلغل في الشبكات المناسبة، لكي نكون قادرين على التأثير في القرارات المهمة، وليصبح الشعار القديم المتجدد هو «عضو واحد في شبكة مصالح يساوي صوتا واحدا». المعلومات والدعاية والترفيه في فصل بعنوان «المعلومات والدعاية والترفيه» يختلف المؤلفان معنا جميعا، او على وجه الدقة مع كثير منا، حيث يبدآن الفصل بالقول: في البدء لم تكن الكلمة، فقد جاءت بعد ذلك. ويشير الى انه لمدة طويلة كان للكلمة اكثر من معنى من تلك المعاني التي نستخدمها اليوم، فالكلمة اللاتينية «معلومات» لها معنيان، الاول هو التمثيل او الوصف، والمعنى الثاني هو التفسير او الترجمة وبالتالي فإن هذا المصطلح «المعلومات» باللغة اللاتينية يرجع الى الفكر واجهزة الفهم الخاصة بنا، ثم حدث بعد ذلك تحول تدريجي في المعنى من دون قصد، ففي النصف الاول للقرن العشرين، عندما كانت الرأسمالية في قمة الازدهار، كانت «المعلومات» تعني شيئا تبحث عنه في مرجع او مُخَزن في اضابير الاراشيف. قد تكون هذه المعلومات اسماء، ارقاما، عناوين، تواريخ .. الخ وكان يتم الحصول عليها عن طريق موظفين يعملون في الدرجات الدنيا من السلم الوظيفي، او في اقسام اقل اهمية في اي مكان عمل لم يكن هناك اي ذكر لـ «نظرية المعلومات» او «تقنية المعلومات» وبالتالي لم تكن هناك وظيفة في مجال ادارة المعلومات يمكن ان يبحث عنها احد. ومنذ ذلك الحين اصبح هناك تحول في معنى ذلك المصطلح، وتغيرت النظرة اليه وارتبط بالسمو والعلو، كان ينظر الى المعلومات قديما باعتبارها عنصر تليين بطيء لكنه ضروري، اما الآن فالكل ينظر الى المعلومات على انها المنتج الاكثر اهمية بالنسبة للاقتصاد كله. وقد بدأ التحول في تعريف كلمة «المعلومات» في الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، بالتزامن مع القفزة الهائلة التي حدثت في تطور اجهزة الكمبيوتر الاولى وقد تنبأ عالم الرياضيات نوربرت وينر بثورة صناعية ثانية تقودها اجهزة التفكير (العقول الالكترونية) التي كان لديها المقدرة على التعليم في الماضي وخبراتها السابقة. وكانت الفكرة المحورية في هذا المجال هي «التغذية» اي ان الجهاز يستخدم نتائجه الخاصة كمعلومات جديدة، ويقوم باجراء التعديلات اللازمة بنفسه، واعتبر وينر هذه التغذية والتعامل الذكي مع المعلومات انه هدف جوهري في حد ذاته. وعندما استحوذت البرجوازية على السلطة من الطبقة الارستقراطية في الوقت نفسه الذي حدث قفزة هائلة في مجال المعلومات، وباعتبارها سلاحا خطيرا، وعندما سعى البرجوازيون مؤخرا الى حماية وضعها وامتيازاتها، كانت المعلومات هي الاداة الفعالة في كل ذلك. ويقول مؤلفا الكتاب ان الترفيه او التسلية اليوم هو ما تدعمه المعلومات، جذب الاهتمام الاكبر اكثر من اي شيء آخر، واصبحت بالتالي القوة المحركة الاهم للاقتصاد في عالم اليوم. فعلى سبيل المثال اصبح التسوق حاليا مقرونا بالتسلية والترفيه، وان هناك العديد من المنتجات تباع في محطات التزود بالوقود ويمكن استعارتها من المكتبات، وهذه التسلية هي التي تساعد المستوق على المزيد من التسوق، بل واصبحت مكونا حاسما في الترويج للماركات الكبري. وعزا مؤلفا الكتاب هذه التسلية الى اضفاء الجاذبية على بعض السلع اكثر من نظيراتها من السلع الاخرى والمساعدة على بيعها بسرعة اكبر، فالحياة يجب ان تكون مسلية، ولو شعر الناس بالملل والضجر فسوف يذهبون الى اي مكان آخر ليشتروا اشياء اخرى. النتوقراطية ونظرتها للعالم وفي فصل بعنوان «النتوقراطية ونظرتها للعالم» يقول المؤلفان انه نتيجة للتحول الحادث حالياً والانتقال من الرأسمالية الى المعلوماتية، فإن القوة تترك صالونات البرجوازية الى عالم واقعي تستعد فيه النخبة الجديدة ـ النتوقراطية ـ لتولي زمام الأمور. والآن تأتي الاسئلة المهمة: من هم النتوقراطيون؟ وأين نجدهم؟ وما هي أوجه الاختلاف مع أسلافهم البرجوازيين؟ وما هي الصفات المميزة لهم؟ وما هي طموحاتهم واستراتيجياتهم واهتماماتهم وقيمهم؟ وكيف ينظرون لأنفسهم ولكيانهم الاجتماعي؟ وما هو هيكل هذه النخبة الجديدة؟ يوضح المؤلف انه لكي نجيب عن هذه الأسئلة المهمة والخطيرة لابد ان نفهم أولاً الظروف التي أدت الى ظهور هذه الطبقة السائدة الجديدة، ولابد أيضاً أن نضع هذه الطبقة ومبادئها في سياق تاريخي. منذ ظهور الفلسفة، انقسم الفكر الغربي الى طريقين رئيسيين، هما الكلي أو الاجمالي من ناحية، والتوتالي أو الحشدي من ناحية أخرى. ويتميز الأول بانشاء نظام كبير هو الرغبة في ايجاد نظرية فردية لتفسير وجود التاريخ، ومثال ذلك الكونفوشية في الصين، ويعتبر كل من سقراط وأرسطو وأفلاطون الرموز الثلاثة لمبدأ الكلية أو الاجمالية الذي يعتمد على موضوع غير مرئي. أما التوتالي أو الحشدي فإنه يتميز أولاً وأخيراً بالرغبة في الانفتاح العالمي. واليوتوبيا بكل أشكالها المختلفة هي الحلم والهدف الأساسي له وينظر أصحاب هذا المبدأ الى اليوتوبيا باعتبارها اداة القوة وتتطلب الخضوع الكامل من جانب الانسان وتوقفه عن التفكير بحرية وان يعيش ويستغرق في اللحظة الآنية. ووفقاً لهذا المبدأ فإن الانسان موعود بمكافأة في المستقبل القريب أو البعيد مقابل تخليه عن حريته. أما المجتمع المعلوماتي فيسيطر عليه التسلسل الهرمي للقوة، كما ان مصلحة القوى النتوقراطية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسرعة التغيير في المجتمع، وهذا يعني ان قواعد المجتمع النتوقراطي من المستحيل ان تتشكل. وطبقاً لمبدأ التوتالي أو الحشدي فإن كل قوة لها قوة معاكسة، وكل لحظة تواجه لحظة مقاومة تشكل قدراً من المعارضة. وعند الحديث عن الطبقة السائدة الجديدة (النتوقراطية) فإننا نفترض وجود ظل مناقض لها وهو الدور نفسه الذي لعبته الطبقة العاملة في النظام الرأسمالي. والمشروع العالمي للنتوقراطية يقوم على الامكانات المتوارثة للتقنيات الجديدة للاتصال عبر مسافات بعيدة وبين حضارات مختلفة. وتسعى النتوقراطية للوصول الى العالمية على الساحة الكونية ويسعى النتوقراطيون الى الخروج بلغة عالمية، وعن طريقها يمكن ان يمارسوا الدوافع والحوافز التي يتوقون اليها. وينتهي الكتاب الى ان الثقافة عبر شبكة الانترنت لها آلياتها ولها قواها المحركة، فعلى الشبكة يستطيع الناس في جميع انحاء العالم أن يضعوا معلومات رقمية على الصفحات قد تكون هذه المعلومات نصوصاً أو صوراً أو موسيقى أو فيلماً أو برامج أو غير ذلك. ويمكنهم ان يتبادلوا هذه المعلومات فيما بينهم من دون أي تدخلات من أية جهة أو قيود قانونية أو أي شخص يدعي حقوق الملكية الفكرية. تأليف: الكسندر بارد ويان سودركفست