الاربعاء 27 شوال 1423 هـ الموافق 1 يناير 2003 في الشرق الاوسط تمثلت اسوأ الفظاعات في الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، الذي سقط فيه نحو 20 الف شخص وخلف الجزء الأكبر من لبنان مدمراً بما في ذلك العاصمة اللبنانية بيروت. وكما هي اعتداءات رابين ـ بيريز التخريبية في عامي 1993 و1996، ما كان بالامكان تبرير هجوم عام 1982الاسرائيلي على لبنان بحجة الدفاع عن النفس، اذ اقتصر رد فعل رفائيل ايتان، رئيس الأركان العامة، على التعبير عن وجهة النظر السائدة في اسرائيل عندما اعلن ان هدفه كان «القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية كمرشح لبعض المفاوضات معنا حول أرض اسرائيل»، وهو مثال للارهاب مثلما يعرف رسمياً. فلقد كان الهدف تثبيت نظام صديق في لبنان وتدمير منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة عرفات. ويصف مراسل في الشرق الأوسط يدعى جيمس بينيت الوضع فيقول: «انتشرت نظرية ان ذلك كان يساهم بإقناع الفلسطينيين بانه يتعين عليهم قبول السيطرة الاسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة». من الممكن ان يكون هذا الذي ورد أول اعتراف صريح في الولايات المتحدة باحداث ذكرت على نطاق واسع في اسرائيل في تلك اللحظة على الرغم من انها لم تظهر سوى في وسائل الاعلام المنشقة. تلك العمليات نفذت بدعم عسكري ودبلوماسي حاسم من ادارتي ريغان وكلينتون وبالتالي تشكل اعمال ارهاب دولة كما كانت الولايات المتحدة متورطة بشكل مباشر في اعمال ارهابية اخرى في المنطقة في الثمانينيات، بما في ذلك الاعتداءات الارهابية الاكثر عنفاً لعام 1985: السيارة المفخخة للمخابرات المركزية الاميركية في بيروت التي قتلت 80 شخصا وجرحت 250 آخرين، قصف تونس الذي نفذ بأوامر من شيمون بيريز والذي قتل 75 شخصاً والموافق عليه من قبل الولايات المتحدة والذي اشيد به من قبل وزير الخارجية الاميركي جورج شولتز، على الرغم من انه ادين بالاجماع من قبل مجلس الامن الذي وصفه بانه «عمل عدواني مسلح» (الولايات المتحدة امتنعت عن التصويت)، وعمليات «القبضة الحديدية» لبيريز الموجهة ضد «قروين ارهابيين» في لبنان، التي بلغت حدودا جديدة من «الوحشية المحسوبة والقتل التعسفي» بكلمات دبلوماسي غربي متأقلم مع المنطقة قدم تغطية واسعة حول هذه العمليات في وسائل الاعلام. وفي هذه الحالات ايضا، كان الامر يتعلق بارهاب الدولة ولانريد ان نسميه جرائم حربية وعدوانية. يعترف في الصحافة والدراسات الاكاديمية بان عام 1985 كان اسوأ عام للارهاب في الشرق الاوسط، لكن ليس بسبب تلك الاحداث، بل بسبب اعتداءين ارهابيين قتل فيهما شخص واحد فقط، وفي كلتا الحالتين كان هذا الشخص اميركياً، لكن الضحايا لا تنسى بهذا القدر من السهولة. ويأخذ ذلك التاريخ الحديث للغاية دلالة مضافة، لان الشخصيات الرئيسية «للحرب الجديدة ضد الارهاب» قد لعبت دوراً بارزاً في الحرب الأولى، فالعنصر الدبلوماسي للمرحلة الراهنة يتحمل مسئوليته جون نيغرو بونتي، الذي كان سفيراً لريغان في هندوراس، القاعدة الرئيسية للهجمات الارهابية التي ادينت حكومته بسببها من قبل محكمة العدل الدولية ولارهاب الدولة المدعوم من قبل الولايات المتحدة في مناطق اخرى من اميركا الوسطى وهي نشاطات «جعلت من سنوات ريغان العقد الأسوأ بالنسبة لأميركا الوسطى منذ الغزو الاسباني، وكانت في معظمها تحت اشراف نيغرو بونتي نفسه. اما العنصر العسكري من هذه المرحلة الجديدة فتحمل مسئوليته دونالد رامسفيلد مبعوث ريغان الخاص الى الشرق الأوسط اثناء سنوات اسوأ الفظاعات الارهابية المدفوعة أو المدعومة من قبل حكومته. وليس أقل ايضاحا ذلك الواقع القائل بأن تلك الفظاعات لم تخفف أو تلطف في السنوات التي اعقبتها حيث مازالت واشنطن تساهم بالملموس بـ «استفحال الارهاب» في الصراع العربي ـ الاسرائيلي. التعبير للرئيس بوش الذي يحاول حسب العادة تطبيقه على ارهاب الاخرين، فإذا قمنا بتنحية ما هو اعتيادي، نجد ايضا بعض الامثلة ذات الدلالات الكافية. اذ ان احد اشكال جعل الارهاب اشد سوءا هو المشاركة فيه. على سبيل المثال بإرسال طائرات مروحية لمهاجمة مناطق إقامة المدنيين ولتنفيذ الاغتيالات كما الولايات المتحدة عادة مع وعي كامل منها بالنتائج، ويتمثل شكل آخر في الحيلولة دون ارسال مراقبين دوليين لخفض مستوى العنف، حيث ألحت الولايات المتحدة على الحيلولة دون السير في هذا الطريق مصوتة مجددا في الـ 14 من شهر ديسمبر عام 2001 ضد قرار بهذا الخصوص لمجلس الامن، مسجلة فقدان عرفات للحظوة الى درجة جعلته بالكاد يرتفع عن مستوى اسامة بن لادن والرئيس العراقي، فلقد ذكرت وسائل الاعلام ان الرئيس بوش كان غاضبا للغاية من تصلب الساعة الاخيرة في الموقف الفلسطيني.. مطالبا بمراقبين دوليين في المناطق الفلسطينية في ظل قرار لمجلس الامن، بمعنى آخر، لان عرفات انضم الى باقي العالم في المطالبة بوسائل لخفض مستوى الارهاب الاسرائيلي. وقبل ايام من التصويت ضد ارسال المراقبين، قاطعت الولايات المتحدة مؤتمراً عالمياً عقد في جنيف واعاد التأكيد على ضرورة تطبيق معاهدة جنيف على الاراضي المحتلة بحيث ان غالبية اعمال الولايات المتحدة واسرائيل هناك هي جرائم حرب وبسبب درجة جسامتها فهي جرائم حرب جدية. وهذا يشمل المستوطنات الاسرائيلية الممولة من قبل الولايات المتحدة وسياسة «الاغتيالات المتعمدة» واعمال التعذيب والابعاد غير القانوني والحرمان المتعمد من حق محاكمة عادلة والتدمير ووضع اليد على مساكن المواطنين.. وجميع هذه الاعمال تمارس خارج القانون وبدون أي تبرير. مع أن معاهدة جنيف، المثبتة من اجل حظر جرائم النازية في أوروبا المحتلة بشكل رسمي، هي بالاساس مبدأ مركزي في القانون الانساني العالمي ولقد اعيد التأكيد على قابلية تطبيقه على الاراضي التي تحتلها اسرائيل مراراً وتكرارا على لسان الكثيرين، من بينهم المندوب الاميركي لدى الامم المتحدة في ذلك الحين (في سبتمبر 1971)، كما طرحت القضية من خلال عدة قرارات صادرة عن مجلس الامن الدولي، ومنها القرار رقم 465 (1980) الذي اقر بالاجماع والذي أدان الممارسات الاسرائيلية المدعومة من قبل الولايات المتحدة واعتبرها «انتهاكات صارخة» للمعاهدة، والقرار رقم 1322 (اكتوبر 2000) الذي اقر بأربعة عشر صوتا مع امتناع الولايات المتحدة عن التصويت، والذي طالب اسرائيل بـ «احترام مسئولياتها في ظل معاهدة جنيف الرابعة»، وذكرها بانها تنتهك مجددا بوضوح تلك المعاهدة، لذلك فإن الولايات المتحدة والقوى الاوروبية مجبرة، كأطراف ملتزمة عبر اتفاق مهيب على ملاحقة المسئولين عن تلك الجرائم، بما في ذلك الزعماء انفسهم، إذا شاركوا فيها. من المؤكد ان البحث في عمق الصراع العربي ـ الاسرائيلي ومشاركة الولايات المتحدة فيه يقودنا الى ابعد مما هو متصور. فلنذهب الان باتجاه الشمال، باتجاه منطقة اخرى يمارس فيها ارهاب الدولة على نطاق جماعي واسع، ودعوني آخذ على سبيل الاستعارة عبارة وزير الدولة التركي لحقوق الانسان وهو يشير الى قطاعات عام 1994 وإلى اسماعيل يسيكي، الذي عاد الى السجن اثر نشر كتابه «ارهاب الدولة في الشرق الاوسط» بعد ان امضى خمسة عشر عاماً في السجن بسبب كشف النقاب عن القمع التركي للاكراد، حيث اتيحت لي فرصة الاطلاع على بعض العواقب وعاينتها بنفسي عندما زرت ديار بكر العاصمة الكردية شبه الرسمية، بعد بضعة اشهر من احداث الحادي عشر من سبتمبر التي تمت ادانتها هناك بشكل قاس، لكن ليس بدون تذكر الهجوم الوحشي الذي تعرض له السكان على يد اولئك الذين يدعون حق القيام بمهمة «تحرير العالم من الاشرار» وعملائهم المحليين. في عام 1994 خمّن وزير الدولة التركي ومصادر اخرى ان مليوني شخص كانوا قد ازيحوا من اراض مكتسحة، بالاضافة الى اعداد اخرى كبيرة واجهت المصير ذاته في وقت لاحق، غالبا عن طريق ممارسة الارهاب وعمليات التعذيب الوحشي الموصوفة بتفاصيل مؤلمة في تقارير عالمية عديدة حول حقوق الانسان، لا تصل الى عيون من يتحملون النفقات، مع انه كان هناك عشرات الالوف من القتلى، اما الذين بقوا هناك ـ مع شجاعتهم العصية على الوصف ـ فيعيشون في سجن مظلم تحت الارض، حيث تغلق محطات البث الاذاعي، ويعتقل صحفيون لمجرد أنهم يعزفون موسيقى كردية، ويعتقل ويعذب طلاب بسبب تقديم التماسات كي يعطوهم دروساً بلغتهم الخاصة، وحيث يغرم بشكل قاس، اولئك الآباء الذين تكتشف قوات الامن المنتشرة في كل مكان ان ابناءهم يرتدون الالوان الوطنية الكردية، حتى ان القانوني الوقور الذي يتولى رئاسة منظمة حقوق الانسان قد خضع للمحاكمة، بعد ان كنت هناك بوقت قصير، بسبب استخدام العبارة الكردية، المطابقة للتركية تقريباً، في التهنئة بقدوم العام الجديد... الخ. تندرج تلك الاعمال ضمن فئة الارهاب العالمي الذي ترعاه الدولة. مع العلم ان الولايات المتحدة تزود تركيا بـ 80 بالمئة من اسلحتها، وهي عملية وصلت الى اوجها عام 1997 عندما تجاوزت الاسلحة المحولة الكميات المسلمة طوال فترة الحرب الباردة وقبل بدء الحملة «المناهضة للارهاب» عام 1984. مما حوّل تركيا الى المستقبل الرئيسي لاسلحة الولايات المتحدة في جميع انحاء العالم، هو موقع حافظت عليه حتى عام 1999، عندما تحول الموقع الاول الى كولومبيا، الممارس الرئيسي لارهاب الدولة في نصف الكرة الغربي. وارهاب الدولة «يستفحل» ايضا بالصمت والردع، مع النجاح الملحوظ، بشكل خاص لجوقة مرتلي المديح الذاتي، عندما دخلت سياسة الولايات المتحدة الخارجية في «مرحلة نبيلة» مع «بريق متألق» في ظل توجيه وقيادة زعامات تكرس نفسها، لأول مرة في التاريخ للدفاع عن «المباديء والقيم» في مكان مصالح دنيئة، وجاء الاثبات لذلك كله من خلال استعدادهم لعدم التغاضي عن جرائم ارتكبت بالقرب من حدود الناتو. (فقط داخل حدودها حيث ارتكبت جرائم أسوأ من تلك التي تسببت بها قنابل الناتو لم يتم التغاضي عنها وحسب، بل تطلبت مشاركة حماسية). مع العلم بان ارهاب الدولة التركي الذي ترعاه الولايات المتحد لم يختف بالكامل. اذ يبرز تقرير وزارة الخارجية الاميركية السنوي حول «جهود محاربة الارهاب» تركيا من خلال «تجربتها الايجابية» في تلك المعركة، الى جانب الجزائر واسبانيا. من جانبه قدم اختصاصي في الارهاب في صحيفة «نيويورك تايمز» معلومات بدون تعليقات حول ذلك التقويم في ملحوظة على الصفحة الاولى، وفي مجلة مهمة تعنى بالشئون العالمية علق السفير روبرت بيرسن قائلا ان الولايات المتحدة «ما كان بوسعها ان تحصل على صديق وحليف افضل من تركيا»، في جهودها، «من اجل القضاء على الارهاب. في كل العالم» بفضل «قدرة قواتها المسلحة» التي اثبتت نفسها في «حملتها ضد الارهاب» في جنوب شرق تركيا. لذلك «لم يشكل مفاجأة» ان تنضم تركيا بحماس الى «الحرب ضد الارهاب» المعلنة من قبل جورج بوش، معربة عن امتنانها للولايات المتحدة لكونها البلد الوحيد المستعد لتقديم الدعم اللازم لفظاعات سنوات كلينتون التي لاتزال مستمرة في اطار آخر. وكجائزة على نجاحاتها، تقوم الولايات المتحدة الآن بتمويل تركيا كي تزودها الاخيرة بقوات مشاة لانهاء «الحرب ضد الارهاب» في كابول وليس ابعد من ذلك. وهكذا اذن لا يتم السكوت على الارهاب العالمي الذي ترعاه الولايات المتحدة، بل انه يكافأ أيضاً وهذا لا يشكل مفاجأة كذلك. فبعد كل اعتبار استقبلت ادارة كلينتون في عام 1998 بالمراسم المعتادة الجنرال الاندونيسي سوهارتو، احد اسوأ القتلة والجلادين في الربع الأخير من القرن العشرين، واصفة اياه بـ «صديقنا العظيم» عندما وصل الى السلطة قبل ثلاثين عاما، اعلن بدقة وهلل باغتباط بلا رادع، بعملية «قتل جماعية هائلة» راح ضحيتها مئات الالوف من الاشخاص، غالبيتهم فلاحون بدون ارض، وعندما هزم النيكاراغويين في نهاية المطاف أمام ارهاب الولايات المتحدة وصوتوا كما كان يجب ان يصوتوا انضمت الولايات المتحدة فرحة الى «نصر اللعبة الاميركية النظيفة» ذالك حسب ما أعلنت عناوين الصحف انه لمن السهل جدا مراكمة الامثلة، حيث لا يأتي الفصل الحالي بأي جديد في تاريخ الارهاب العالمي والرد السائد بين مرتكبيه. فلنعد الى قضية الرد المناسب على الاعمال الارهابية خاصة الى احداث الحادي عشر من سبتمبر حيث جرت العادة على اظهار الفرج لان رد فعل الولايات المتحدة وبريطانيا قد اعتمد على مساندة عالمية واسعة مع ذلك فان الطريقة الوحيدة التي يمكن المحافظة من خلالها على هذا الموقف تكمن في الاعتناء برأي النخب، فلقد كشف استفتاء معهد «جالوب» العالمي النقاب عن ان اقلية محدودة فقط هي التي دعمت الهجوم العسكري في مكان الوسائل الدبلوماسية في أوروبا لم تتجاوز الارقام الـ 8 بالمئة في اليونان والـ 29 بالمئة في فرنسا. وفي أميركا اللاتينية وصل الى اقل من ذلك: 2 بالمئة في المكسيك و16 بالمئة في بنما.. وكان دعم هجمات شملت اهدافا مدنية ضئيلاً جدا، وحتى في البلدين المستفتيين الاكثر دعما لاستخدام القوة العسكرية «لاسباب تتعلق بمصالحها» اي الهند و«اسرائيل» عارضت غالبية معتبرة تلك الهجمات، وبالتالي كان هناك معارضة بالغالبية للخطط الحربية التي حولت، منذ اللحظة الاولى التجمعات المدنية الرئيسية الى «مدن اشباح» حسب ما اوردت وسائل الاعلام. خارج نطاق استطلاعات الرأي التي تتقاطع نتائجها مع غالبية المعلقين، بقيت النتيجة المسبقة لسياسة الولايات المتحدة على الافغان حيث كان الملايين منهم على حافة الجوع حتى قبل الحادي عشر من سبتمبر، ولم يطرح التساؤل على سبيل المثال، عما اذا كان الرد المناسب على الـ 11 سبتمبر سيتضمن مطالبة باكستان بالغاء قوافل الشاحنات التي كانت تزود السكان المدنيين الافغان بجزء كبير من الغذاء ومواد اخرى ضرورية، كذلك التسبب بانسحاب الاختصاصيين الاجتماعيين وبانخفاض حاد في الامدادات التموينية الامر الذي ترك ملايين الافغان يواجهون خطر المجاعة، مما اثار احتجاجات شديدة من جانب منظمات المساعدة وتحذيرات حول كارثة انسانية جسيمة ومحاكات تراجعت جميعها مع نهاية الحرب. من نافل القول انه من اجل تقويم الاعمال الهجومية، يتعين الانطلاق من المقدمات القياسية للخطة، الامر الذي كان يجب ان يكون واضحا ايضا، اما النتيجة الحقيقية فهي قضية مختلفة تماما حيث من غير المرجح ان يتم التعرف عليها ولا حتى بشكل سطحي، ذلك ان جرائم الاخرين يتم التحقيق فيها بشكل دقيق، والامر ليس كذلك بالنسبة للجرائم الخاصة، وربما تنفع كمؤشر تلك التقارير العرضية حول عدد الاشخاص المحتاجين لمساعدة غذائية: خمسة ملايين قبل 11 سبتمبر وسبعة ملايين ونصف المليون بنهاية سبتمبر تحت التهديد بالقصف وتسعة ملايين بعد ستة اشهر، وهذا لا يعود الى نقص الاغذية، سهلة الوصول وانما الى مشاكل في التوزيع حين عادت البلاد لتقع بين ايدي اسياد الحرب. لا توجد دراسات موثوقة حول وجهة النظر الافغانية لكننا نعتمد على بعض المعلومات ففي البداية حذر بوش الافغان من عمليات قصف ضدهم حتى يسلموا الاشخاص المشتبهين بممارسة الارهاب وبعد مضي ثلاثة اسابيع، تحولت اهداف الحرب الى الاطاحة بنظام طالبان حيث كان القصف سيستمر حسب ما اعلن الاميرال سير مايكل بويس، «حتى يعرف الشعب الافغاني بأن هذا سيتواصل الى ان يغير قياداته» لاحظ ان قضية الاطاحة بنظام طالبان البائس التي بررت القصف لم تطرح حتى لانها لم تتحول الى هدف للحرب الا بعد ان بدأت الحرب نفسها، وعلى الرغم من ذلك كله، بوسعنا ان نتساءل عن آراء الافغان التي في يد المراقبين الغربيين حول تلك المسائل، التي تقع في كلتا الحالتين ضمن التعريف الرسمي للارهاب العالمي. عندما تحولت القضية الى هدف للحرب بنهاية شهر اكتوبر، اجتمع الوف القادة الافغان، بعضهم من المغتربين واخرون قدموا من افغانستان نفسها، في بيشاور واعدين بالاطاحة بنظام طالبان، لقد كان غرضا غريبا للوحدة بين زعماء قبائل ودارسين اسلاميين وسياسيين متمردين وقدماء قادة حرب عصابات»، حسب ما ذكرته وسائل الاعلام وجميعهم طلبوا من الولايات المتحدة بالاجماع ان توقف الغارات الجوية واستنجدوا بوسائل الاعلام العالمية كي تطالب بدورها بوضع حد لـ «عمليات قصف المدنيين الابرياء» كما اصروا على ان يتم تبني وسائل اخرى للاطاحة بنظام طالبان البغيض، وهو هدف كان بالامكان تحقيقه بدون موت وتدمير، حسب قول هؤلاء. من جانبه ارسل عبدالحق زعيم المعارضة الافغانية، المحترم جدا في واشنطن، رسالة مشابهة، وبالضبط قبل ان يدخل الى افغانستان، بدون دعم الولايات المتحدة كما يبدو، وحيث اعتقل وقتل، ادان القصف، وانتقد الولايات المتحدة على رفضها مساندة جهوده من اجل «رعاية تمرد في رحم طالبان، وحسبما قال فإن القصف «كان عقبة كبيرة بالنسبة لهذه الجهود»، واعلن عن وجود اتصالات مع عدة قيادات من الصف الثاني داخل حركة طالبان وزعماء قبائل مجاهدين سابقين وعرض كيف كان بإمكانهم التقدم في تنفيذ الخطة، طالبا تسهيلات تمويلية ومساندات اخرى من الولايات المتحدة في مكان نسفهم بالقنابل، لكن الولايات المتحدة كما قال «تحاول استعراض عضلاتها وتحقيق نصر ساحق وتخويف العالم برمته، فهم لايساورهم القلق جراء معاناة الافغان ولاجراء عدد الناس الذي يمكن ان يموتوا». الخلاصة هي ان المراجعة التي انتهينا منها للرأي العام بما في ذلك ما يعرف عن الافغان انفسهم، تقدم مساندة ضئيلة للرضا الموجود بين المثقفين الغربيين حول عدالة قضيتهم. مع ذلك فإن رد فعل النخبة صحيح بكل تأكيد، حيث من الضروري التساؤل حول اسباب جرائم الحادي عشر من سبتمبر فهذا يقع خارج دائرة الشك، على الاقل بين الذين يرغبون بخفض احتمال اعتداءات ارهابية جديدة. كذلك هناك اتفاق واسع النطاق ومبرر على انه «مالم تحل القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي افضت الى ظهور القاعدة ومجموعات شبيهة اخرى، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها اوروبا الغربية ومناطق اخرى ستواصل كونها اهدافا للارهابيين، تلك القضايا معقدة جدا بلا شك، لكن بعض العناصر معروفة منذ زمن. في عام 1958 العام الحاسم في تاريخ ما بعد الحرب، حذر الرئيس الاميركي ايزنهاور وطاقمه من ان المشكلة في العالم العربي هي اننا نخشى حملة من الغضب والمقت ضدنا، طبعا ليس من قبل الحكام، بل من الشعب الذي «يقف في صف جمال عبدالناصر، داعما القومية العلمانية المستقلة، كما كانت اسباب «حملة الغضب» قد ابرزت من قبل مجلس الامن القومي قبل ذلك ببضعة اشهر، امام عيون غالبية العرب تعارض الولايات المتحدة نيل الاهداف القومية العربية، ويعتقدون ان الولايات المتحدة تحاول حماية مصالحها النفطية في الشرق الاوسط بدعم حالة الوضع الراهن وبمعارضة التقدم السياسي والاقتصادي، بالاضافة الى ان ذلك الادراك ليس مزيفا تماما: «فلق اوصلتنا مصالحنا الاقتصادية والثقافية في المنطقة وبشكل طبيعي الى تضييق العلاقات مع عناصر من العالم العربي تتمثل مصالحهم الرئيسية في الحفاظ على العلاقات مع الغرب والابقاء على حالة الوضع الراهن في بلادهم الخاصة. لاتقف تلك الادراكات عند هذا الحد، بل انها تتمادى فبعد الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، بدأت «وول ستريت جورنال» تبعتها لاحقا وسائل اعلامية اخرى» ببحث وجهات نظر «المسلمين الاغنياء» من مصرفيين ومهنيين ومديري شركات متعددة الجنسيات.. الخ ووجدت انهم يدعمون عموما سياسة الولايات المتحدة بحذر، لكن يحسون بالمرارة بسبب دور الولايات المتحدة في المنطقة المتضمن دعمها لانظمة فاسدة وقمعية نسفت الديمقراطية والتطور وسبب سياسات محددة وملموسة، لاسيما فيما يتعلق بفلسطين والعراق، وعلى الرغم من انها ليست مسجلة، الا ان مواقف الاحياء الفقيرة او المتدنية والقرى هي مشابهة ربما، لكنها اشد، فعلى خلاف «المسلمين الاغنياء» لم تتفق الجماهير الشعبية على ان تنقل ثروة المنطقة الى الغرب والى الحسابات المصرفية لمتعاونين محليين بدلا من خدمة الاحتياجات الداخلية. بلا شك فإن المواجهة تحتدم اكثر عند الاعتقاد بأن الرد على سؤال بوش المتذمر: لماذا يحقدون علينا؟ يكمن في الشعور بالاستياء الذي تلقاه عندهم حريتنا وجبنا للديمقراطية، او في التخلف الثقافي لعدة قرون او في عدم قدرتهم على الاستفادة من «العولمة» التي يشكلون لحسن الحظ، جزءا منها، مواجهة ربما، لكن ليست حكيمة فهمها فاجأتنا اعتداءات الـ 11 من سبتمبر، ما كان يجب ان تكون يائسة اذ هناك منظمات شبيهة خططت لاعمال ارهابية خطيرة خلال سنوات التسعينيات وفي عام 1993 كانوا قريبين بشكل خطر من نسف مركز التجارة العالمي مع مخططات اكثر طموحا، وكان تفكيرهم مفهوما جيدا لاسيما من جانب وكالات الاستخبارات الاميركية التي كانت قد ساعدت بتجنيدهم وتدريبهم وتسليحهم منذ عام 1980 وواصلت هذه الوكالات العمل معهم حتى عندما هاجموا مصالح اميركية. على وجه اعم، تنفح فظاعات 11 سبتمبر كذكرى دراماتيكية لمكان اصبح مشتركا منذ بعض الوقت فمع التقنية المعاصرة والاغنياء والاقوياء لم يعودوا يحرزون سيطرة احتكارية على ادوات العنف وهو الوضع الذي دام لزمن طويل في التاريخ وعلى الرغم من انه في اماكن اخرى هناك خشية من الارهاب بحق وتشكيل بالنتيجة «عودة الى البربرية» لاتطاق، الا ان ليس مدهشا ذلك الادراك بأن طبيعته تختلف وتتباين كثيرا وفق تجارب مختلفة للغاية، الشيء الذي من الصعوبة بمكان ان يتمكن من تجاهله اولئك الذين عودهم التاريخ على الحصانة بينما كانوا يرتكبون جرائم فظيعة. بقلم: نعوم تشومسكي _ ترجمة: باسل ابو حمدة _ عن «ريبليون» اسبانيا