الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 في الوقت الذي يقوم اسرائيليون كثيرون بنفض الغبار عن أقنعتهم الواقية ويتدارسون امكانية حجز أماكن للاقامة في الجليل أو على متن الطائرات المتوجهة للخارج ويفكرون في الامور والافكار التي تطرح حول التطعيم ضد فيروسات الجمرة الخبيثة، تأهبا للحرب مع العراق، فلا يوجد أي خوف في قلوب الفلسطينيين في الضفة وغزة وشرقي القدس من هذا الوضع. لا نجد أي فلسطيني يتحدث عن الاستعداد للحرب. محادثات مقتضبة مع التجار العرب في شارع نابلس في القدس توضح لك صورة الوضع، كلهم يعتقدون بأن الحرب ستحدث الا انها لن تصل الى حيث هم، ولذلك لا حاجة لاعداد الأقنعة الواقية أو تخزين الأدوية أوالأغذية. «نحن لا نقوم حتى بتنظيف الأسطح للرقص عليها عند الحاجة» قال أحدهم ضاحكا. صاحب محل لبيع الصحف وواسع الدراية في دهاليز السياسة الاسرائيلية يعتقد ان الخوف السائد في اسرائيل ما هو الا صرعة اعلامية روجها المستشار لحزب الليكود من اجل صرف الأنظار عن قضايا الفساد خلال الانتخابات الحزبية الداخلية. واذا كان الخوف قد ساد في المناطق قبل اشهر من قيام حكومة شارون باستغلال الهجوم على العراق للقيام بترحيل جماعي للفلسطينيين فانهم لم يعودوا يتحدثون عن ذلك الآن. ربما يعود ذلك الى استنتاجهم ان اسرائيل تدرك محدودية قوتها وقصورها. البرهان على ذلك: على الرغم من الحديث الذي لا يتوقف في اسرائيل عن وضع الحرب مع الفلسطينيين، الا انهم يتصرفون وكأن هذه الحرب هي حرب شاملة. ولا يعتقد أحد في المناطق ان اسرائيل تتصرف بسخاء فائض معهم، وها هي حكومتها تواصل امداداتها من الوقود والكهرباء والأغذية الاخرى للمناطق «المعادية». ورئيس الوزراء الاردني علي أبو الراغب صرح قبل ايام ايضا ان بين اسرائيل والاردن اتفاقاً لا يسمح بطرد الفلسطينيين بالمرة. الرئيس العراقي 2002 هو من وجهة النظر الفلسطينية أبعد من ان يكون بطل 1990، ولكن هناك الآن معارضة واسعة للحرب الاميركية ضد العراق، وهناك مظاهر دعم وتأييد لنظام بغداد. التعاطف في هذه المرة منظم في اطار مكاتب «جبهة التحرير العربية». التنظيم الفلسطيني الصغير الذي يخضع لرعاية العراق والذي توزع بواسطته اموال التبرعات العراقية على عائلات الشهداء في المناطق. مؤخراً نظمت في غزة مراسيم احتفالية وزعت فيها الاموال على ست عائلات للشهداء في رفح. كل عائلة من هذه العائلات حصلت على عشرات الآلاف من الدولارات. ممثل الجبهة، عودة القشطة، رحب بالمشاركين والحاضرين باسم الرئيس العراقي وأرسل تحياته ايضا للأسرى في السجون الاسرائيلية وعلى رأسهم الامين العام للجبهة ركاض سلام الذي اعتقلته اسرائيل في رام الله قبل شهرين. الشيخ منصور أبو حميد شكرهم باسم العائلات وقال ان الشعب الفلسطيني كله يؤيد العراق ويعارض الحرب التي تهدف الى تحطيم معنويات الأمة العربية. هناك عدة وفود فلسطينية زارت بغداد في الآونة الاخيرة. وآخر هذه الوفود كان وفد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي توجه لتحية العراق مؤخراً. الوفد تضمن قادة الجبهة في دمشق الذين كانوا قد أنهوا سلسلة لقاءات في القاهرة مع رئيس المخابرات العامة المصرية عمر سليمان لبلورة الوحدة الفلسطينية، وبعد ان أنهوا لقاءاتهم توجهوا الى بغداد لتحية الرئيس العراقي. طارق عزيز هو الذي استقبل الوفد وقام ماهر الطاهر عضو اللجنة المركزية في الجبهة بالتصريح باسم قيادة الجبهة بأن الشعبين العراقي والفلسطيني سيتمكنان من التصدي للمؤامرات العدوانية الاميركية والاسرائيلية. ما يحدث في المناطق في كل ما يتعلق بالحرب الوشيكة على العراق يشبه ما يحدث في اغلبية الدول العربية. فهناك معارضة شديدة للحرب عند الجماهير وتعاطف معين مع النظام العراقي، أما الحكام فلا يتجرأون على التعبير عن مواقف مناهضة لامريكا ويتحدثون بلغة مبهمة ضبابية. المعارضة الجماهيرية للحرب تتلقى تعبيرا من خلال عشرات التقارير والأخبار التي تنشر في وسائل الاعلام العربية، وهناك تجري مظاهرات ايضا. مؤخراً نظمت في القاهرة مظاهرة ضد قطر لسماحها لدخول الجيش الاميركي الى اراضيها. ياسر عرفات يحتفظ بصمته، وبينما يرون في نابلس وغزة صور الرئيس العراقي في الصحف وعلى صالات العرض نجد عرفات يحذر من قول كلمة تغيظ الاميركيين. فقط في الرسوم الكاريكاتورية التي تنشر في الصحف يمكن ايجاد تعابير حادة ضد الولايات المتحدة وضد الحرب وضد قادة الدول العربية. مؤخراً كان من الممكن مشاهدة رسوم كاريكاتورية في صحيفة «الايام» حيث يظهر مسئول عربي وهو يقوم بتنظيف نافذة الطيار الحربي الاميركي ويغني له: «حلق فوق بغداد، بغداد المحررة والأصيلة». وفي صحيفة «القدس» تحدث رسامو الكاريكاتور بسخرية عن التحقيق الذي يجري الآن مع العلماء العراقيين ورسموا مفتش الامم المتحدة وهو ينبش في رأس عالم عراقي حتى يجد داخله سلاحا للابادة الجماعية. وفي صحيفة «الحياة الجديدة» رسمت امرأة كرمز للأمة العربية وهي تمسك في حضنها بثعلب توجد عليه نجمة داود والى جانبها طفلان جائعان ومهملان - فلسطين والعراق. المناظرة بين المعاناة الفلسطينية والمعاناة العراقية محببة جدا على قلوب المحللين الصحفيين الفلسطينيين. فهم يعتبرون عمليات جيش الاسرائيلي في المناطق والحرب الوشيكة على العراق جزءاً من المعركة المخططة جيدا من امريكا وحلفائها لتركيع الأمة العربية من اجل السيطرة على مصادر النفط. في أحد النقاشات التلفزيونية اللبنانية تحدث المشاركون حول سبب تصميم ادارة بوش على ضرب العراق الذي يشك بوجود أسلحة ابادة جماعية لديه. هذا على الرغم من تعاملها بتسامح مع سلاح كوريا الشمالية الذري، خاصة ان بوش وضع الدولتين في محور الشر. وخلاصة النقاش كانت ان امريكا قد عزمت على مهاجمة العراق مهما حصل من امور. المتحدثون اتفقوا على ان الحرب هي مصلحة اسرائيلية صارخة، فأنهى موجه الجلسة بالقول «اننا اذا لم نقف الى جانب العراق فسينتظرنا المصير نفسه، حيث ستحاول اميركا الهيمنة علينا». عن «هآرتس»