الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 من المؤكد ان الحادي عشر من سبتمبر سيدخل حوليات الارهاب كلحظة حاسمة، لا رجعة فيها. ولقد ادينت تلك الاعتداءآت في جميع انحاء العالم كجرائم خطيرة ضد الانسانية مع اجماع عالمي تقريبا على أنه يتوجب، على جميع الدول ان تتصرف من اجل «تخليص العالم من الاشرار» وان «آفة الارهاب» لا سيما العالمي منه والمدعوم من قبل بعض الدول ـ هي افة دعائية لـ «مناوئين فاسدين للحضارة نفسها» في «عودة الى بربرية» لا يمكن التسامح معها. لكن بعيداً عن الدعم النشيط بالكلمات لزعماء سياسيين اميركيين ـ جورج بوش الابن ورنالد ريغان وجورج شولتز، فلقد تنوعت التفسيرات سواء في المسألة الملموسة للرد الملائم على الجرائم الارهابية أم في المشكلة الاعم لتحديد طبيعة هذا الارهاب. حول النقطة الاخيرة، تعرف اميركا الارهاب بأنه الاستخدام المحسوب للعنف او التهديد بتوسيعه من اجل بلوغ اهداف ذات طبيعة سياسية او دينية او ايدلوجية بواسطة التهديد أو الاكراه او ترسيخ الخوف» تلك الصياغة تترك الكثير من الاسئلة معلقة من بينها ذلك السؤال حول احتمالية شرعية اعمال عنف تهدف الى بلوغ حق تقرير المصير او الحرية او الاستقلال، حسب ما هو ثابت في خطاب الامم المتحدة، لشعوب محرومة بالقوة من تلك الحقوق.. لاسيما الشعوب التي ترزح تحت نير انظمة استعمارية وعنصرية او احتلال اجنبي، مع العلم بان الجمعية العامة للامم المتحدة قد دعمت، في اشد بيان لها عن الجرائم الارهابية، تلك النوعية من الاعمال بـ 153 صوتاً مقابل صوتين فقط. وفي سياق توضيح صوتيهما السلبيين، اشارت كل من الولايات المتحدة واسرائيل الى العبارات التي انتهينا من الاستشهاد بها للتو حيث يفهم منها انها بررت المقاومة ضد نظام جنوب افريقيا، حليف الولايات المتحدة المسئول عن اكثر من مليون ونصف المليون من القتلى وعن 60 مليار دولار من الاضرار لبلاد مجاورة بين عامي 1980 ـ 1988 فقط، وذلك بغض النظر عن الاضرار التي تسبب بها داخل جنوب افريقيا نفسه. تلك المقاومة كانت بقيادة المؤتمر الوطني الافريقي، بزعامة نلسون مانديلا، والذي يعد اكثر الجماعات الارهابية، بروزا حسب تقرير للبنتاغون صدر عام 1988 بينما وصفت منظمة «آر إي إن ايه ام اوه» الممولة من قبل حكومة جنوب افريقيا، في التقرير نفسه بأنها «مجموعة سكان اصليين متمردة» لا أكثر ولا أقل على الرغم من الاشارة الى انها ربما قتلت 100 الف مدني في موزامبيق خلال السنتين السابقتين. يلاحظ ان الجمل والعبارات ذاتها قد استخدمت من اجل تبرير المقاومة للاحتلال الاسرائيلي في عامه العشرين حينها، الذي يسيطر على الاراضي المحتلة ويخضعها بواسطة العنف المنظم بمساعدة عسكرية ودبلوماسية حاسمة من جانب الولايات المتحدة، مع الاخذ بعين الاعتبار ان الجانب الدبلوماسي في المساعدة يهدف الى محاصرة وتقويض الموافقة الدولية القائمة منذ سنوات كثيرة فيما يتعلق بالحاجة الى اتفاق سلمي. على الرغم من وجود تلك الاختلافات الاساسية، يبدو لي التعريف الرسمي للولايات المتحدة ملائما كنقطة انطلاق لهذا النقاش، مع ان الاختلافات تلقي ضوءاً كبيراً حول طبيعة الارهاب تبعاً لوجهات النظر المختلفة. وبالعودة الى قضية الرد المناسب. نجد أن البعض يقيم حجته على اساس ان الارهاب هو شر «مطلق» ويستحق كرد، عقيدة مطلقة موازية، وهو ما يبدو انه يدفع باتجاه فهم ضرورة شن هجوم عسكري متصلب حسب مبدأ بوش، المستشهد به مع استحسان واضح في مجموعة ابحاث حول «عصر الارهاب»، اذا قدم احد ما مأوى للارهابيين فهو ارهابي، ومن يساعد ويحرض الارهابيين فهو ارهابي ويجب معاملته على ذلك الاساس» ويعكس هذا الجانب من القضية وجهة النظر المعبر عنها في الغرب التي تعتبر رد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مناسبا وصحيحا، لكن مدى ذلك القبول يبدو مقتصراً على محاكمة الاشياء من خلال براهين متاحة، سنعود اليها فيما بعد. وبشكل أعم، لا تزخر مجموعة انصار هذا المبدأ باولئك الذين يؤمنون بان القصف الجماعي هو الرد الملائم على الجرائم الارهابية، سواء كانت تتعلق باحداث الحادي عشر من سبتمبر ام باحداث اخرى اسوأ ليس من الصعب رصدها لسوء الحظ. ونحن نتبنى مبدأ الشمول هذا فاذا كان عمل ما صحيحاً (أو خاطئا) عندما يمارسه الآخرون، فهو كذلك عندما نمارسه نحن ان الذين لا يبلغون الحد الادنى الاخلاقي في ان يطبقوا على انفسهم ما يطبقونه على الآخرين لا يمكن ان يؤخذوا على محمل الجد عندما يتحدثون عما هو ملائم في الرد او عما هو صحيح او ما هو غير صحيح عن الخير والشر. من اجل القاء الضوء على ما يدور في اللعبة لنتأمل حالة ليست الاكثر تطرفا لكنها غير قابلة للجدل على الاقل بين اولئك الذين يحسون باحترام جدي حيال القانون العالمي والالتزامات المثبتة في المواثيق ما من احد كان سيدعم عمليات قصف نيكاراغواية على واشنطن، عندما رفضت واشنطن امر المحكمة الدولية بوضع حد لاستخدامها غير القانوني للقوة ودفع تعويضات شاملة لنيكاراغوا، مقررة على العكس من ذلك تصعيدا لجرائمها الارهابية العالمية وموسعة رسميا الهجمات على اهداف مدنية لا حول لها ولا قوة، معارضة قرارا لمجلس الامن طالب جميع الدول باحترام القانون الدولي ومصوته في الجمعية العمومية وحدها فقط (الى جانب دولة او اثنتين من المتعاونين معها ضد قرارات مشابهة وازدرت الولايات المتحدة المحكمة الجنائية الدولية متذرعة بأنه اذا كانت هناك امم اخرى لا تتفق معنا فيتوجب علينا المحافظة على امكانية تحديد ما اذا ما كانت تلك المحكمة تتمتع بسلطة قضائية علينا في كل حالة على حدة وهذه هي حالة الهجمات الارهابية ضد نيكاراغوا التي استجابت اساسا للسلطة القضائية الداخلية في الولايات المتحدة. وفي الوقت عينه استمرت واشنطن بابتزاز القوى الاقليمية في سبيل التوصل الى اتفاق سياسي متبعة العقيدة المصاغة من قبل جورج شولتز احد «المعتدلين» في الادارة الاميركية والتي تفيد بان على الولايات المتحدة استئصال السرطان النيكاراغوي» بالقوة اذ رفض شولتز باحتقار اولئك الذين يدافعون عن «وسائل طوباوية وشرعية مثل الوساطة الخارجية والامم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بدون الاخذ بعين الاعتبار عنصر القوة في المعادلة ذلك ان المفاوضات كانت لتعادل استسلاما في حال لم يسلط ظل القوة على طاولة المفاوضات»، وواصلت واشنطن المحافظة على مبدأ بوش رغم سلسلة الاعتراضات الاميركية، بينما اتفق رؤساء اميركا الوسطى عام 1987 على خطة سلام اطلق عليها «اتفاق اسكيبولاس» الذي طالب جميع دول المنطقة بان تحرز خطوات باتجاه الديمقراطية واحترام حقوق الانسان تحت اشراف دولي مشددا على «عنصر لا غنى عنه» تمثل في انهاء هجوم الولايات المتحدة ضد نيكاراغوا وردت واشنطن بتوسيع عدوانها من جديد مضاعفة ثلاث مرات تحليقات الطيران التموينية للمخابرات المركزية الاميركية لدعم القوى الارهابية وبعد ان ابقت نفسها على هامش الاتفاق مدمرة اياه بذلك بشكل فعال قامت واشنطن باستثناء انظمتها العميلة ايضا مسلطة كنه ـ ليس ظل ـ القوة من اجل تفكيك لجنة التحقق العالمية (سي اي في)على اعتبار ان استنتاجاتها غير مناسبة ومطالبة بنجاح اعادة النظر بالاتفاق بهدف السماح لحكوماتها العميلة بمواصلة فظاعاتها الارهابية. وهذه تجاوزت من بعيد حرب الولايات المتحدة الكاسحة نفسها ضد نيكاراغوا التي خلفت عشرات آلاف القتلى وبلدا مدمرا ربما بدون امكانية ان يستعيد عافيته ومحافظة على عقيدة شولتز اجبرت الولايات المتحدة بتهديدات صارمة حكومة نيكاراغوا على سحب المطالبة بالتعويضات امام محكمة العدل الدولية. اما على الصعيد الرسمي فان من الممكن العثور على مثال اوضح على الارهاب العالمي، وفقا لما هو معروف بشكل رسمي فهذه عمليات مكرسة لاظهار بعلانية عنيفة وغير تمييزية، ان النظام الموجود لا يستطيع حماية ابناء شعبه الذين يعيشون في ظل سلطته الامر الذي لا تقتصر نتائجه على انتشار القلق والضيق فحسب وانما تمتد لتطال العلاقات التي تشكل النظام الاجتماعي القائم وتدمره.كذلك يمكن فهم ارهاب الدولة في بلدان اخرى من اميركا الوسطى في تلك السنوات على انه ارهاب عالمي وذلك على ضوء دور الولايات المتحدة الحاسم فيه واهدافه المعلنة على المكشوف احيانا مثل «المدرسة العسكرية للدول الاميركية» التي تقوم بتدريب ضباط لاتينيين اميركيين وتفتخر بأن هزيمة الكنيسة الليبرالية تمت بمساعدة الجيش الاميركي. يظهر بما يكفي من الوضوح ذلك الاستنتاج بان اولئك الذين سيدعمون قصف واشنطن كرد على تلك الجرائم الارهابية العالمية ـ بمعنى لا احد ـ هم الوحيدون القادرون على قبول «العقيدة المتساوية المطلقة» كرد على اعتداءات ارهابية او اعتبار القصف الجماعي على انه رد ملائم وصحيح بشكل قياسي. على ضوء قرار محكمة العدل الدولية في الحالة النيكاراغوية لنأخذ بعين الاعتبار بعض البراهين القانونية التي قدمت لتبرير القصف البريطاني ـ الاميركي لافغانستان وانا لا اقصد هنا فعاليته وانما مستلزماته في حال تم الابقاء على مبدأ المعايير العالمية حيث يبرهن كريستوفر جرينوود على ان للولايات المتحدة الحق في «الدفاع عن النفس» ضد «من تسببوا او هددوا بالموت والدمار» لكن استشهاده هذا يمكن تطبيقه على حرب الولايات المتحدة ضد نيكاراغوا بشكل اوضح بكثير من تطبيقه على حركة طالبان او منظمة القاعدة بحيث اذا كان صحيحا لتبرير القصف وهجوم الولايات المتحدة البري في افغانستان فسيكون لنيكاراغوا الحق بالقيام بهجمات اكثر واشد صرامة ضد الولايات المتحدة وهناك استاذ مرموق آخر في القانون الدولي هو توماس فرانك يساند حرب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضد افغانستان بحجة «ان اي دولة هي مسئولة عن العواقب التي يمكن ان تنجم عن السماح بان تكون اراضيها مستخدمة للاضرار بدولة اخرى»، هذا يمكن ان يطبق بكل ثقة على الولايات المتحدة في حالات نيكاراغوا وكوبا ودول اخرى كثيرة كون الكثير من تلك الحالات خطيرة الى الحد الاقصى.ليس ثمة حاجة للقول بانه في اي تلك الحالات يمكن اعتبار العنف محتملا ولا بشكل قصي ذلك العنف المستخدم في «الدفاع الخاص» ضد اعمال قتل وتدمير متواصلة.. اعمال وليس مجرد تهديدات. الشيء ذاته يمكن ان يقال عن طيف أوسع من المقترحات حول الرد الملائم على الاعتداءات الارهابية حيث يقترح مايكل هوارد، المؤرخ العسكري، عملية بوليسية برعاية الامم المتحدة ضد مؤامرة اجرامية بأعضائها الذين يجب ملاحقتهم وجلبهم امام محكمة دولية حيث يخضعون لمحاكمة عادلة وفي حال وجدوا مذنبين، يحكم عليهم بالعقوبة المناسبة، يبدو ذلك عقلانيا زيادة عن اللازم على الرغم من ان فكرة تطبيق ذلك الاقتراح عالميا لا تصدق، ويبرهن مدير مركز سياسة حقوق الانسان في هارفارد على ان الرد الوحيد المسئول عن الاعمال الارهابية هو عمل بوليسي مشرف وعملية قضائية امام محكمة، مرتبطة بالاستخدام الحاسم، والذي لا يرحم للقوة العسكرية ضد اولئك الذين لا يمكن اخضاعهم للعدالة، هذا الاقتراح يبدو منطقيا كذلك اذا اضفنا طيف هوارد حول الاشراف الدولي، على ان ألا يتم اللجوء للقوة حتى تستنفد الوسائل القانونية، بالطبع، ان وجهة نظرة لا تطبق على الحادي عشر من سبتمبر «الولايات المتحدة رفضت تقديم ادلة ورفضت عروضا مشروطة بتسليم المشتبه بهم» لكنها تطبق بشكل واضح جدا على الحالة النيكاراغوية. وعلى حالات اخرى ايضا، ولنأخذ بعين الاعتبار حالة هاييتي التي قدمت ادلة وفيرة لدعم مطالباتها المتكررة بتسليم ايمانويل كونستانت الذي قاد القوات المسئولة عن الاف القتلى في ظل حكومة الانقلاب العسكري الذي ساندته الولايات المتحدة تقنيا «حتى لا نتحدث عن تاريخ سابق» والولايات المتحدة ترفض تلك المطالبات، ربما لانها تخشى من ان يتمكن كونستانت من الادلاء باعترافات مثيرة ومربكة في حال اخضع للمحاكمة، ولقد تم التقدم بأحدث مطالبة تسليم في الثلاثين من شهر سبتمبر عام 2001، وذلك في الوقت نفسه الذي طالبت الولايات المتحدة حركة طالبان بتسليم ابن لادن، ولقد تم تجاهل تلك المصادقة ايضا انسجاما مع المبدأ القائل بأنه يجب رفض اقل المعايير الاخلاقية بحزم. بالعودة الى «الرد المسئول» نجد ان المناداة بتطبيقه في حالات يمكن تطبيقه فيها بشكل واضح، لا تسبب ولا تثير سوى الهياج والاحتقار فلقد صاغ البعض مباديء اكثر عمومية من اجل تبرير حرب الولايات المتحدة ضد افغانستان. هناك باحثان من اكسفورد يقترحان مبدأ «النسبية» الذي يفيد بأنه سيتم تحديد نطاق الرد من خلال قوة تأثير العدوان على القيم المسيطرة في المجتمع المهاجم حيث تتجسد هذه القيم في حالة الولايات المتحدة في «الحرية» التي تهدف الى تحسين الوضع الشخصي في مجتمع متعدد يعتمد على اقتصاد السوق هوجم غيلة في الحادي عشر من سبتمبر من قبل بعض «المعتدين الذين تتباين استقامتهم الاخلاقية مع الغرب»، وبما ان افغانستان هي دولة تتحالف مع المعتدين وبما انها رفضت تسليم المشتبه بهم فإن «الولايات المتحدة وحلفاءها حسب مبدأ النسبية، كان بوسعها اللجوء الى استخدام مبرر اخلاقي للقوة ضد حركة طالبان. لكن وفقا لمبدأ الشمولية، فلقد كان بوسع هاييتي ونيكاراغوا «اللجوء الى استخدام مبرر اخلاقي للقوة» ضد حكومة الولايات المتحدة اذ ان ذلك الاستنتاج يمتد الى ماهو ابعد بكثير من حالتي ارهاب الدولة، واحدة اكثر جدية والاخرى اقل اهمية من قصف كلينتون لمنشأة «الشفاء» الخاصة بصناعة الادوية في السودان عام 1998، هذا القصف الذي تسبب بعشرات الاف القتلى حسب السفير الالماني ومصادر موثوقة اخرى تتطابق استنتاجاتها مع تقويمات فورية لمراقبين عارفين وعلى اطلاع جيد، اذن منح مبدأ النسبية للسودان الحق بالقيام بأعمال انتقامية ذات رعب جماعي، وهذا الاستنتاج يتعزز اذا اعتبرنا ان ذلك العمل الامبريالي كانت له «عواقب اجتماعية واقتصادية مرعبة بالنسبة للسودان، بطريقة كانت تلك الفظاعة اسوأ بكثير نسبيا من جرائم الحادي عشر من سبتمبر، فعلى الرغم من هول ما حدث في هذا اليوم، الا ان درجة خطورة العواقب لم تكن بذاك القدر. ويشير غالبية المعلقين حول قصف السودان الى قضية مصداقية الاعتقاد بأن ذلك المصنع كان ينتج اسلحة كيماوية، لكن لم يطرح في اي من الاحوال موضوع «شدة تأثير الاعتداء على قيم اساسية في المجتمع المهاجم» كالبقاء على قيد الحياة على سبيل المثال، وثمة اخرون يركزون على ان القتلى لم يكونوا مقصودين، مثلما هي حال الكثير من الفظاعات التي ندينها عن حق، لكن في هذه الحالة بالكاد يمكن الشك بأن استراتيجيي الولايات المتحدة كانوا يعرفون جيدا العواقب الحتمية المحتملة للقصف، الامر الذي لا يمكن التسامح معه سوى على قاعدة الافتراض الهيجلي بأن الافريقيين هم «اشياء صرفة» وبأن حياتهم «لا قيمة لها» موقف يتطابق مع الممارسة الى درجة ان الضحايا تفهم هذا الوضع جيدا وتستخرج استنتاجاتها الخاصة حول «استقامة الغرب الاخلاقية». اعترف احد المشاركين في مجلد جامعة «يال» ( شارلز هيل) بأن الحادي عشر من سبتمبر كان قد استهل «الحرب الثانية ضد الارهاب» اذ ان الاولى اعلنت قبل عشرين عاما خلت عندما بدأت ادارة ريغان اعمالها بمعية عالم البلاغة المذكور، وانتصرنا في تلك الحرب مثلما اعلن هيل منتصرا، رغم ان مسخ الارهاب بقي جريحا فقط وليس ميتا. الحرب الاولى «كانت مرعبة» واصبحت تشكل عنصرا مهما في الشئون الدولية خلال كل العقد الزمني، لاسيما في اميركا الوسطى، لكن في الشرق الاوسط ايضا حيث وقع الاختيار على الارهاب، من قبل وسائل الاعلام كمسألة رئيسية في عام 1985 بلغت مواقع رفيعة جدا في سنوات اخرى. بوسعنا تعلم الكثير من الحرب الراهنة ضد الارهاب، باحثين المرحلة الاولى منها وكيف تقدم اليوم حيث يقوم احد المتخصصين الاكاديميين المهمين عقد الثمانينيات بأنه «ارهاب دولة» او «التوسع الدائم للدولة كراعية للارهاب، وتوقفت الولايات المتحدة عند حدود الرد، متبنية «موقفا وقائيا ضد الارهاب» وهناك اخرون ينصحون الان بالاساليب التي «كسبنا» بها، وليس المقصود سوى تلك العمليات التي ادينت بها الولايات المتحدة من قبل محكمة العدل الدولية ومجلس الامن «اذا لم نأخذ بعين الاعتبار الفيتو الاميركي» والتي تشكل النموذج من اجل دعم من النوع النيكاراغوي لخصوم حركة طالبان لاسيما تحالف الشمال، ويجد مؤرخ بارز بالموضوع جذور عميقة لارهاب اسامة بن لادن في فيتنام الجنوبية حيث ايقظت فاعلية ارهاب الفايكنج ضد جالوت الاميركي المسلح بتقنية حديثة الطموح باظهار ان نواة الغير لم تكن محصنة ومنيعة ايضا. وبمراعاة ماهو متعارف عليه، نجد ان تلك التحليلات تقدم الولايات المتحدة كضحية طيبة القلب تدافع عن نفسها من ارهاب الاخرين: الفيتناميين في فيتنام الجنوبية ومن النيكاراغويين في نيكارغوا ومن الليبيين والايرانيين «على الرغم انهم عانوا قليلا على يد الاميركيين، لكن هذا لم يسترعي اهتمام وسائل الاعلام» وقوى اخرى مناهضة للولايات المتحدة في جميع ارجاء العالم. لكن لايرى الجميع العالم بتلك الصورة، والمكان الاكثر وضوحا هو اميركا اللاتينية التي تعتمد على تجربة بارزة بالنسبة للارهاب العالمي، ومع ذلك ادينت جرائم الـ 11 سبتمبر بشكل قاس هناك، لكن بدون نسيان تجاربهم الخاصة في الوقت نفسه وكما لاحظت المجلة البحثية للجامعة اليسوعية في «ماناغوا» يمكن وصف اعتداءات الـ 11 سبتمبر كمعركة فاصلة بين الخير والشر لكن نيكارغوا عاشت معركتها الخاصة بين الخير والشر بالتسجيل البطييء في ظل الهجوم الاميركي و«هاهي الان غارقة في عواقبه المحزنة» وثمة بلدان اخرى عانت اكثر من ذلك حتى في ظل آفة ارهاب الدولة الذي تتطاول عبر القارة بأكملها منذ بداية سنوات الستينيات، والذي ينسب في جزء كبير منه الى واشنطن. ولقد انضم صحفي بنمي الى حالة الشجب العامة لجرائم الـ 11 سبتمبر، لكنه تذكر موت ربما الاف الاشخاص «جرائم غربية، ليست خاضعة للمعاينة طبعا» عندما قصف والد الرئيس الحالي حي «باريو شوريلو» في شهر ديسمبر عام 1989 في عملية سميت بالـ «قضية العادلة» التي شنت من اجل خطف شرطي عاق حكم عليه بالاشغال الشاقة المؤبدة في فلوريدا بسبب جرائم مرتكبة في جزئها الاعظم عندما استهلك كعميل للمخابرات المركزية الاميركية ولاحظ ادواردو جاليانو الكاتب الاوراجواني ان الولايات المتحدة تعلن معارضتها للارهاب داعمة اياه، مع ذلك في جميع انحاء العالم فعليا، بما في ذلك اندونيسيا وكمبوديا وقبرص وايران وجنوب افريقيا وبنغلاديش حيث تقع المسئولية دائما على عاتق ديكتاتوريات عسكرية اقامت مملكة للارهاب بمساندة الولايات المتحدة. عن «ربيليون» اسبانيا