الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 لا تمثل العاصمة الاميركية واشنطن شيئا اذا لم تكن ساحة للطموحات لقد كان الامر دوما هكذا، ولكنه لم يكن اكثر وضوحا من الان، لدينا ادلة وفيرة، فيما يتعلق بسبب موجة الغضب الشديد الموجهة ضد ترينت لوت، هذا الغضب الذي بدا وانه يرجع الى اسباب عرقية، غير انه يرجع ايضا بالقدر نفسه في الاهمية الى الطموح، فالطموح هو السياق الذي يحدث في ثناياه كل شيء تقريبا. منذ سنوات قليلة، ألف ألن ايرنهولت رئيس التحرير التنفيذي لمجلة «جوفرنينغ» كتابا كان مليئا بشكل مذهل بقدر كبير من نفاذ البصيرة، حمل عنوانا مناسبا الى حد بعيد وهو «الولايات المتحدة للطموح» وفي هذا الكتاب قام ايرنهولت بوصف ما اطلق عليه اسم «السياسي رجل الاعمال» بأنه صاحب مهنة ذات دوام كامل يكون افضل مساعد ومؤيد وداعم لنفسه. وكما اوضح ايرنهولت، لم يكن الامر كذلك على الدوام فنحن قبل 50 عاما مضت كان الشاب « لم يكن هناك تقريبا عنصر نسائي في هذا المجال» الذي يريد ان يدخل مجال السياسة يعتمد بشكل كبير، وعادة بشكل حاسم، على دعم وتأييد حزب سياسي منظم يقوم باختيار مرشحيه، ويقرر من سيتم ترقيته من مجال المدينة الى المجالس التشريعية في الولايات المتحدة ثم الى الكونغرس ثم الى ما هو اعلى من ذلك. وكان على كل السياسيين الشبان المتلهفين ان يكونوا مختلفين عمن سبقوهم من الكبار، وعادة ما كان السياسيون الاقوى فنفوذهم من بين رؤساء الاحزاب غير المنتخبين الذين كانوا يديرون المنظمات التي قامت بالاختيارات وقامت بتعبئة العناصر المخلصة والموالية للحزب لينتخبوا العناصر المختارة. وفي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، تفكك هذا النظام بشكل سريع امام ضغوط سلسلة من القوى: قوة توسع الضواحي، وهي القوة التي دمرت آليات الاحزاب المدنية وتخلصت من وجود رؤساء الاحزاب، وقوة تقنية التلفزيون التي منحت المرشحين «والمسئولين المنتخبين» طريقا جديدا للوصول الى الناخبين، ورفعت من اهمية المهارات الكلامية والمظهر الشخصي، والقوة المتمثلة من كل شيء وتآكل قيمة الاقدمية البرلمانية التي تم التنديد بها بوصفها شيء غير ديمقراطي، واخيرا والقوة المتمثلة في توسع الحكومة نفسها التي جعلت من المنصب الانتخابي مهنة ذات دوام كامل. ويقول ايرنهولت ان نتاج ذلك هو نظام يتطلب ويكافيء طموحا شخصيا استحواذيا تقريبا يميل الى التعصب، فإذا لم أكن انا لنفسي، فلمن اكون؟ فالشخص النكرة من الناحية السياسية يمكن ان يصبح شخصا ذا قيمة بين عشية وضحاها لان السلطة كانت اقل من مركزيتها وقوتها التحكمية، فقد انفق جون كورزين، الرئيس السابق لجولدمان ساكس، 60 مليون دولارمن امواله الخاصة، واصبح السيناتور كورزين. انفق مايكل بلومبرغ، وهو رجل اعمال ناجح بشكل مذهل، نحو 70 مليون دولار من امواله الخاصة واصبح العمدة بلومبرغ. ولكن في مثل ذلك النظام، يجب ان تغتنم فرصة التقدم والترقية فور ظهورها، فالاشخاص الذين يتمتعون بقيمة ما من الناحية السياسية يمكن ان يصبحوا ايضا نكرات من المنظور السياسي تقريبا بين عشية وضحاها. وبالتحديد لأن الولاءات الشخصية بين السياسة قد وهنت كما وهنت وضعفت الحمايات الهيكلية لمبدأ الاقدمية والتنظيم الحزبي. ولقد كان الخطأ الفادح الذي ارتكبه لوت هو تلك الفرصة بعينها. فمنذ البداية كان امر استقالته حتمياً من جميع الاحتمالات فقد كانت هذه الاستقالة امراً مرغوباً فيه بكل تأكيد. فما فعله لم يكن منفراً من الناحية الاخلاقية فحسب، ولكنه أيضاً كشف عن سوء فهم للوظيفة التي يشغلها. وفي السابق، كان قادة الكونغرس يمكنهم النجاح بشكل رئيسي عن طريق اتقان التكتيكات والاجراءات التشريعية. اما الآن فلم يعد الأمر كذلك. فعن عصرنا الاليكتروني، فإن قادة الكونغرس يصبحون بشكل تلقائي متحدثين وطنيين باسم احزابهم. فبجانب اماكن الحمامات وغرف النوم، ليس لهؤلاء سوى أماكن اخرى قليلة للغاية يمكنهم فيها ان يتمتعوا بلحظات من الحرية. فهم عليهم ان يعلموا جيداً ما الذي يقولونه وكيف يقولونه. غير ان لوت لم يفعل ذلك. فاعتذاراته المتوالية لم تكن مقنعة لانه يتكلم مثل المنشور الصحافي. وهذه الحقيقة هي التي لم تدفع ابناء الشعب لأن يعطوه فرصة أخرى. ترجمة: حاتم حسين خدمة «واشنطن بوست» خاص لـ «البيان»