الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 صدر منذ أسابيع وما زال يحدث ضجة في أوساط السياسة ودوائر الاعلام في أميركا، وقد راجع بوب وودوارد محاضر ومذكرات أكثر من 50 اجتماعا لمجلس الأمن القومي ، واجتمع أيضا الى أكثر من 100 من الشخصيات المشاركة في صنع القرارات . أما الرئيس بوش فقد أحال المؤلف الى مقابلات شخصية انفرد بها، ودامت فترات يبلغ مجموعها 3 ساعات و55 دقيقة بالضبط. ويعد مؤلف الكتاب بوب وودوارد في طليعة الكتاب، المحققين ، الباحثين في الصحافة الأميركية، يرتبط اسمه بعدد من أهم الكتب السياسية التي قام بتأليفها أو شارك في اعدادها ابتداء من كتاب «كل رجال الرئيس» حول فضيحة ووترجيت (1974) الى كتاب «الحجاب» حول نشاط المخابرات المركزية الأميركية (1987) الى كتاب «القادة» (1991) حول ملابسات حرب الخليج الثانية. ظل الهوائي التلفزيوني العملاق منصوبا فوق احدى روابي «كابول». كان رمزا لصمود العاصمة الافغانية بعد ان فشل السوفييت خلال غزوهم للبلاد في تحطيمه وازالته، وكم حاولت قوات التحالف الشمالي المعارضة لنظام طالبان ان تتحدى الهوائي العملاق ولكنها فشلت بدورها على الرغم من تكرار المحاولة. ثم جاءت نفاثة أميركية، لتحلق فوق المكان وتطلق قذيفة واحدة فتدمر الهوائي، وبعدها انتشرت الاخبار عبر العاصمة الافغانية: الأميركيون سوف يكسبون الحرب ضد طالبان. ولم تكن عمليات القصف الجوي أو المواجهة العسكرية من البر او البحر هي الأسلوب الوحيد لفوز الأميركيين، كان للفلوس دورها المحوري أيضا. وربما كان الأسلوب الأمثل الذي اديرت به حرب الأميركيين الافغانية هو الجمع بين العنصرين أو المزج بين اللونين، العين الحمراء، والبنكنوت الأخضر. كانت العين الحمراء من نصيب البنتاغون بطبيعة الحال. وكانت الدولارات الخضراء هي لعبة المخابرات المركزية وكان الهدف الأساسي للدولارات هو بغير مواربة شراء المنشقين على طالبان، أو هو بصراحة أكثر تقديم مقابل «دولاري لقاء خيانة صفوف الطالبان». وكان لعملية البيع والشراء أصولها وقواعدها الخاصة. يقول المؤلف (ص 298): كانت المفاوضات تتم بواسطة عناصر التحالف الشمالي وعادة كان عنصر المخابرات المركزية الأميركي موجوداً، ولكن يختفي خلف الكواليس حين تبدأ عملية التفاوض (يقصد طبعا المساومة): عشرة آلاف دولار لمساعد القائد وأركان حربه المقاتلين، أما القادة الاعلى مرتبة فكان سعر الواحد منهم ومعه مئات من الجنود هو 50 ألف دولار. ومن الطريف ـ يحكي مؤلف الكتاب ـ كيف ان قائدا صنديدا قدموا له مبلغ الخمسين ألف دولار (لشراء ذمته وتحويل ولائه) فما كان من الافغاني الشاطر الا ان رد قائلا: «سيبوني أفكر في المسألة»، ساعتها لم تتورع القوات الخاصة المعاونة لفلول المخابرات المركزية عن تسديد قنبلة قصفت بها مدخل المقر الذي يتحصن فيه القائد، المفكر اياه، وفي اليوم التالي اتصلوا بصاحبنا سائلين: هيه، ماذا عن الخمسين ألف دولار، وفي لحظة كان الايجاب أو القبول. عن الملابسات نحكي بوب وودوارد، مؤلف هذا الكتاب، اختار ان يحكي ملابسات ما بعد 11 سبتمبر 2001 وقصة الحرب الافغانية عبر الفصول الاثنين والعشرين التي تألف منها كتابه. لكنه حرص على ان يذيل الكتاب بفصل أكثر اسهابا وربما اكثر اهمية من سائر الفصول، اختار له عنوان، الخاتمة (40 صفحة). وترجع أهمية فصل الختام الى اهتمامه بالطرح السياسي من جهة، والى تركيزه على شخصية محورية لا تزال (حتى الآن على الأقل) في ادارة الرئيس جورج دبليو بوش هي وزير الخارجية الجنرال السابق كولن باول، من جهة اخرى. لقد شعر الأميركيون بالارتياح (أو خيل اليهم ذلك) بعد ان تعاونوا مع الأمم المتحدة في تنصيب حامد قرضاي، السياسي البشتوني المعتدل والأنيق رئيسا لوزراء كابول، وكان رأس الحربة في هذا الترتيب هو السياسي الجزائري المحنك الاخضر الابراهيمي ممثلا شخصيا للأمين العام للأمم المتحدة. ربما بلع الأميركيون ريقهم بعد ان انجزوا هدف الاطاحة بنظام طالبان واظهروا امام جماهير الشعب الاميركي جانبا ضخمته الميديا من قوة أميركا وجبروتها، لعل في ذلك عزاء ولو مرحليا لتلك الجماهير التي اصابتها طعنة 11 سبتمبر في الصميم. بعدها وجد اركان ادارة بوش وقتا لكي يتجه تفكيرهم الى منحى جديد يلخصه السؤال المطروح: من هم رعاة الارهاب وسدنته وممولوه؟ كانت تتردد في اذهانهم ولا شك العبارة الخطيرة التي سبق وتفوه بها ديك تشيني نائب الرئيس حين قال: ان ملاحقة الدول ايسر كثيرا من ملاحقة الأفراد. والمعنى انك تستطيع ان تضرب دولة وان تتحدى نظاما سياسيا قائما على مؤسسات ومنشآت وقلما تستطيع دولة ان تتحدى فردا، بوسعه ان يهرب أو يختفي أو يتنكر أو يذوب وسط حشود من البشر. كانت تلك مأساة أميركا ـ الدولة والقدرة والجبروت ـ ازاء أسامة بن لادن، الفرد المتهم الشخص والانسان. ليس صدفة اذن ان اتجه تفكير جورج تينيت رئيس السي. آي. ايه الى ما كانوا يصفونه بأنها الدول راعية الارهاب، وبدأ التفكير في ايران. يقول مؤلف الكتاب (ص 317): كان مدير المخابرات المركزية يعتقد انهم في نهاية المطاف سوف يعثرون على دلائل تشير الى دور لايران في أحداث 11 سبتمبر. كان ذلك لان الحرس الثوري (الايراني) يسيطر على شبكة معقدة ومتقدمة وكان لدى الايرانيين الحافز والامكانات. من ناحية أخرى ـ يضيف المؤلف ـ كان تنظيم «القاعدة» لا يتورع عن شراء الخدمات التي يحتاجها كلما وجدها، هكذا (تصور) جورج تينيت ان لديه كل شئ باستثناء القرينة أو البينة التي تدل على ان الأمر كان ينطوي على رعاية دولة من الدول لعمليات الارهاب (بالمناسبة، لن نقف هنا لكي نناقش المؤلف في حكاية ان مدير أكبر مخابرات في العالم كان لديه كل شئ اللهم الا، الدليل الذي يثبت الاتهام). الى جانب ايران اتجهت شكوك واشنطن ايضا الى سوريا. واتسعت الشكوك (ص318) لكي تلتمس دورا اخر للعراق في تبني الارهاب، تمويلا ورعاية. ومع اتساع الشكوك، بدأت خطوط السياسات تتشابك وربما تتعقد، خاصة والدول المعنية تقع في منطقة الشرق الأوسط المصابة اصلا بمشكلتها المزمنة الشديدة الالتهاب، الناجمة عن الصراع بين فلسطين ـ العرب واسرائيل. تزداد المشكلات تعقيدا بسبب نوع مستجد تماما من الصراعات، هو ذلك الذي اندلع لهيبه حثيثا، تحت السطح، داخل أجنحة الادارة الاميركية الحاكمة ذاتها. هي «حرب اهلية» كما قد نسميها، اشتعلت حول المواقف والآراء والاتجاهات بين جناح الصقور المتطرف الذي كان يمثله تشيني نائب الرئيس ورامسفيلد وزير الحربية ونائبه الاسرائيلي الهوى ولفويتز، فيما كان يمثل الطرف الآخر وزير الخارجية الجنرال (السابق) كولن باول الذي كانوا يصفونه في البيت الابيض بأنه الدبلوماسي ذو التاريخ العسكري. في هذا الفصل ـ الأهم ـ من الكتاب، يتحرك شبح الجنرال باول على مسرح الأحداث، شخصية تراجيدية، وحيدة، تحاول، في اتزان احيانا وفي عصبية احيانا، ان تعيد الى جادة الاعتدال والتعقل مسير الأمور. مشكلة الوزير باول انه يقود مؤسسة الدبلوماسية التي تدير دفة العلاقات الدولية للقطب الأوحد في العالم، ومن ثم يتعين عليه ان يطرح آراء يكبح بها جماح الداعين الى القوة العسكرية، الى القصف والقتل والتدمير لاظهار جبروت اميركا. مشكلة الجنرال باول انه جندي في المحل الأول، يعرف كيف يطيع الأمر ويدرك اهمية التسلسل القيادي الذي يبدأ بداهة من مكتب الرئاسة البيضاوي في البيت الأبيض حيث رئيس الجمهورية، الذي هو في وقت واحد رأس الدولة وهو أيضا القائد الأعلى لقواتها المسلحة التي ارتقى في سلكها ابن المهاجر الكاريبي الداكن السحنة الى ان اصبح «جنرال أربع نجوم» ـ أعلى رتبة في صفوف جيش الولايات المتحدة. في يوم 27 مارس 2002 جاءت اخبار الهجمة الفدائية الفلسطينية التي أودت بحياة 29 اسرائيليا وأصابت بجروح 140، وفي أعقابها قرر رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون اجتياح مناطق السلطة الفلسطينية تحت اسم العملية «درع الدفاع». في هذه المستجدات ـ يقول المؤلف ـ ارتفع كورس الاصوات في الخارج يطالب أميركا بالتدخل في هذا الصراع. أراد الرئيس بوش ان يوفد باول الى المنطقة ولكن الوزير لم يكن متحمسا على أساس ان ليس لديه شيء ذو بال يقدمه، وان نفوذه لدى أي من الجانبين أقل من محدود. لكن الرئيس بوش أعلن في اجتماع مجلس الوزراء: نحن نواجه مشكلة. ثم اتجه صوب الوزير باول قائلا: عليك ان تذهب وتنفق جانبا من رصيدك السياسي، وأنا أعلم ان لديك رصيدا وفيرا. ربما اراد باول ان يتكلم فاذا بالرئيس يبادره: ـ أنا بحاجة اليك. ـ حاضر، ياأفندم. جنرال بالجبنة استعد كولن باول للذهاب الى الشرق الأوسط، الى بؤرة الصراع الدموي في فلسطين المحتلة، كان مزودا برصيد من التأييد السياسي من جانب الرئيس بوش شخصيا، كان الرئيس يعد لالقاء بيان سياسي حول القضية، بموجبه يتعين على ياسر عرفات ان يصدر ادانة قاطعة للارهاب، فيما يتعين على ارييل شارون ان يشرع في الانسحاب من اراضي السلطة الفلسطينية. كولن باول ـ ربما من باب الاحتياط ـ وجه الى الرئيس بوش السؤال المباشر: هل تدرك (دلالة) ما تقوله للاسرائيليين. معناه انك تنظر في حزم ناحية شارون وتقول له: أمش من هنا! قال الرئيس الأميركي انه يفهم ذلك. وترجم الرئيس هذا الفهم الى اجراءات. في 4 ابريل ألقى خطابه في «حديقة الورود» بالبيت الأبيض ودعا فيه الفلسطينيين الى انهاء الارهاب، ثم اضاف يقول: انني أطلب الى اسرائيل وقف الاجتياحات داخل المناطق التي يسيطر عليها الفلسطينيون وان تبدأ انسحابها من المدن التي احتلتها في الآونة الاخيرة. بعد يومين جاء رئيس وزراء بريطانيا توني بلير، والتقيا في مزرعة الرئيس في كرافورد ويومها قال بوش: كلمتي اليوم الى اسرائيل هي كلمتي نفسها التي قلتها منذ يومين مضيا، الانسحاب دون تأخير وذهاب كولن باول الى الشرق الأوسط. لكن بوش ما لبث ان تراجع عن موقفه، كان قلبه فيما يبدو مع الاسرائيليين على نحو ما يقول مؤلف الكتاب (ص224). واحتار دليل باول وهو في بؤرة الصراع: كانت الاوامر والتوجيهات تأتيه متضاربة من البيت الابيض، وكانت الأوامر تعكس مدى الخلط وتشوش الرؤى في واشنطن، تشيني ارسل اليه الا يجتمع الى عرفات، رامسفيلد كان من رأيه ايضا ان عرفات اصبح كمية مهملة أو ينبغي اهمالها كل هذا في حين كان باول يرى ان من السخف والحماقة ان يحاول التفاوض من دون ان يجتمع الى كلا الطرفين، لكن الكل في واشنطن كان ـ كما يؤكد مؤلفنا ـ قلقا (على صحة وسلامة) اسرائيل، وكان ثمة ضغوط متصاعدة لمؤازرة شارون من جانب الجمهوريين والديمقراطيين على السواء. كانوا اذن في واد ملهوف القلب على اسرائيل وكان وزير الخارجية باول في واد اخر. يعلق المؤلف في هذا السياق قائلا: كان على باول ان يشعر بقلق ازاء 300 مليون عربي غاضب، اندلعت مظاهرات في أماكن لم تشهد مظاهرات من قبل، منها مثلا البحرين، صحيح انه ليس اسوأ من عرفات سوى شارون، هكذا تصور باول، بيد ان ليس بوسعه ان يتجاهل واحدا منهما دون الآخر، وعليه ذهب ليقابل عرفات، مضى الاجتماع الأول على مايرام الى حد ما، لكن في الاجتماع الثاني زاد الأمر سوءا، كان باول عاكفا على اعداد بيان يدعو الى عقد مؤتمر دولي واجراء مفاوضات أمنية لكن ها هي كوندوليزا رايس تتصل لكي يختصر بيانه المرتقب ولا يتعهد بالتزامات اميركية بشأن أي مفاوضات مستقبلا، وكان الشعور السائد في واشنطن ان وزير خارجيتها قد تجاوز الحدود. وعندما بلغته التعليمات الجديدة، كاد يجن جنونه، الكل في واشنطن يريد تبييض صفحته ولا أحد يواجه الحقيقة، كلهم يريدون ان يثبتوا تأييدهم، موالاتهم لاسرائيل فيما يتركونه وحده ممسكا بالملف الفلسطيني ـ لقد أوفدوه في مهمة مستحيلة أو تكاد تكون (ص325). على الهاتف صارحه نائبه ارميتاج بما يقولونه عنه في مكتب نائب الرئيس وفي البنتاغون وهم يعدون حملة اعلامية تقول ان باول يميل أكثر وأكثر الى ناحية ياسر عرفات وهم يسربون معلومات الى الصحافة تفيد بأن البيت الأبيض ينوي «قصقصة» اجنحة كولن باول، اخيرا قال النائب: سيادة الوزير، بصراحة، لقد نصبوا مائدة ليأكلوا لحمك بالجبنة (مصطلح قديم يعرفه العسكريون الأميركيون يفيد مجالس النميمة والتقول والافتراء). اتصلت كوندوليزا من واشنطن: كولن، الكل هنا يتصور ان من الأفضل لك الا تزيد على ما قلته شيئا، تستطيع ان تقول انك عائد الى واشنطن كي تتشاور مع الرئيس. في تلك اللحظة انفجر باول على التليفون قائلا: ماذا يريدون ان أقول اذن، اشكرهم على كرم الضيافة ثم جود، باي!! ـ القلق هنا على اساس ان تلزم الرئيس والادارة بأكثر مما أرادوا جميعا في الاساس. ـ انهم بالفعل ملتزمون. وعاد كولن باول الى اميركا دون ان ينجز شيئا. في صفحة (328) وما بعدها من الكتاب يصل بنا المؤلف الى قضية العراق. يفتتح مرافعاته في القضية قائلا بالحرف: قضية العراق كانت هي المحك التالي، الحقيقي وربما أكبر المحكات لاختبار قدرات بوش القيادية بل واختبار دور الولايات المتحدة في العالم. قضية العراق كانت تتسم بأبعاد شتى، كانت كوندوليزا رايس قد سبقت الى اثارة مسألة العراق مع جورج بوش حين تولت موقع مستشار الشئون الخارجية لحملته الانتخابية، في عام 2000 كان من رأى بوش ان اباه الرئيس الاسبق لم يخطئ حين اقتصر على تحقيق هدف تحرير الكويت وقرر الا تمضي أميركا الى بغداد للاطاحة بالرئيس العراقي على اساس ان مطاردة الجيش العراقي، المتراجع، كان سينطوي على حدوث «مجزرة». (يومها) تنبأت وكالة المخابرات المركزية وتنبأ ايضا زعماء عرب مختلفون انه سوف يطاح به في القريب العاجل وان عقيدا أو جنرالا في الجيش العراقي لا يلبث ان يطلق رصاصة على رأس الرئيس العراقي أو يقود انقلابا ضده. الذي حدث ان الرئيس العراقي بقى في موقعه بينما لقى الرئيس بوش الأب هزيمته على يد بيل كلينتون عام 1992. وحين وقعت أحداث سبتمبر 2001 كان القرار المبدئي للرئيس بوش الابن يقضي بعدم مهاجمة العراق، ولكن مسألة العراق ظلت تطل برأسها بين حين وحين خلال اجتماعات مجلس وزراء الحرب، يثيرها بحماس كل من تشيني ورامسفيلد، ويصغي اليها في سلبية وزير الخارجية باول الذي لم يكن يحبذ اشعال نار حرب أخرى. لكن ها هو الرئيس بوش يلقى بيانه التقليدي عن «حالة الاتحاد» في 29 يناير الماضي، ويتحدث فيه عما اسماه «محور الشر» الذي يضم ـ كما قال بوش ـ كلا من كوريا الشمالية وايران والعراق. بعدها تسارعت، متلاحقة لاهثة الخطوات المتخذة ضد الرئيس العراقي: ـ وقع الرئيس بوش امرا رئاسيا بتوسيع عمليات المخابرات الموجهة ضد نظام بغداد. ـ اعتمد بوش مبلغا يصل الى 200 مليون دولار للعمليات السرية المنفذة في هذا الميدان. ـ زاد من الدعم المقدم لصالح قوى المعارضة العراقية في الخارج. ـ بحثت واشنطن الاستعدادات لامكانية نشر مجموعات شبه عسكرية تابعة للسي. آي. ايه مدعومة بقوات خاصة على نحو ما شهده مسرح العمليات في افغانستان. لكن، التحذير جاء من تينيت ـ مدير المخابرات شخصيا سيادة الرئيس، العراق ليس افغانستان المعارضة العراقية أضعف بكثير وصدام يدير دولة بوليسية، من الصعب تحديد موقع تواجده، وهو يستخدم أكثر من شبيه، ولو اقتصر الأمر على شغل المخابرات، بغير ان تواكبه عمليات عسكرية وتصاحبه ضغوط اخرى، لما تعدت نسبة النجاح بين 10 و 20 في المئة. هكذا تكلّم باول في ابريل 2002 أعلن بوش سياسة تقضي بتغيير النظام القائم في العراق. وفي يونيو أعلن انه سوف يشن هجمات استباقية أو اجهاضية ضد الدول التي يعتقد انها تشكل خطرا جسيما على الولايات المتحدة. بدأت تسري في الدوائر الحاكمة في واشنطن حمى مهاجمة العراق. في 4 أغسطس أعلن الاميرال سكوكرفت ـ مستشار الأمن القومي للرئيس بوش الأب ـ في حديث متلفز معارضته ضرب العراق وقال ان أي هجوم على العراق من شأنه ان يحول الشرق الأوسط الى «مرجل» يغلي ومن ثم يدمر جهود الحرب على الارهاب. كان رامسفيلد ومساعدوه في وزارة الدفاع وكان تشيني في مكتب نائب الرئيس ـ يزيدون نيران التهديد بالحرب اشتعالا. وكان زميلهم، وغريمهم ايضا كولن باول في جولة دبلوماسية في جنوبي اسيا، كان طريق عودته طويلا تقطع فيه طائرته نصف القطر من الكرة الارضية، ربما استعاد في تلك الاثناء دور ضابط الاركان القديم، جلس الى مقعده الوثير ليكتب تحليلا للموقف ازاء ضرب العراق. كتب كولن باول نقاطا ادرجها في مذكرة من 4 صفحات لاحظ أولا ان كل مادار في مجلس الأمن القومي بشأن العراق كان بشأن الخطط العسكرية، والمواقع العسكرية والاهداف العسكرية، معنى هذا ان السياق الاساسي للمسألة ضاع وتاه من أفكار المتحاورين. وحين عاد الى واشنطن طلب لقاء الرئيس واستغرق اللقاء عدة ساعات يوم 5 أغسطس الماضي جاء باول مسلحا بالمذكرة التي كان قد دونها في الطائرة وتدفقت مرافعته أمام بوش ـ وقد حضرت جوانب منها كوندوليزا رايس ـ حول نقاط محورية عرضها المؤلف (ص332 وبعدها) على الوجه التالي: ـ لدى التعرض لمسألة العراق، ولنوعية العملية العسكرية المطلوبة، ينبغي التعرض أيضا لردود الفعل المتوقعة في العالم العربي. ـ عبارة «المرجل الذي يغلي ويفور» هي المصطلح الصحيح، وبحكم تعامل باول مع قادة المنطقة ووزراء خارجيتهم، فان المنطقة بأسرها يمكن ان تتعرض لزعزعة الاستقرار، بل ان نظما صديقة ـ كما في السعودية ومصر والأردن ـ يمكن ان تتعرض لخطر جسيم بل ويطاح بها من الاساس وسط مشاعر الغضب والاحباط تجاه أميركا من كل حدب وصوب، وبهذا يمكن القول ان الحرب سوف تغير كل شئ في الشرق الأوسط، انها يمكن ان «تشفط» الأوكسجين من كل ما تفعله اميركا (لخدمة مصالحها) في المنطقة، لا من حيث محاربة الارهاب وحسب، ولكن ايضا من حيث العواقب الاقتصادية البالغة الخطورة، وسط ركود اقتصادي دولي. ـ هناك ايضا سؤال حول: تكاليف اليوم التالي بمعنى تكاليف احتلال العراق بعد تحقيق النصر، ولذلك فلا سبيل لا الى تنفيذ هذا الاحتلال ولا الى تحمل تلك التكاليف من خلال عمل منفرد، فنحن بحاجة الى حلفاء وشركاء. ـ ثم هناك أزمة الشرق الأوسط (اسرائيل وفلسطين) وتلك هي القضية التي يريد العالم العربي والعالم الاسلامي التوجه نحو حلها، وهناك كذلك مشكلة المعلومات والاستخبارات، نحن لم نستطع العثور على ابن لادن ولا الملا عمر، فما بالك بصدام حسين الذي يملك دولة بأكملها تحت تصرفه.. وهكذا تكلم كولن باول مع رئيس الولايات المتحدة. يعلق المؤلف على هذا اللقاء قائلا: جاء هذا العرض لأفكار باول متدفقا يجمع بين عمق التحليل ودفء العاطفة، مستندا الى مجمل تجربته التي دامت 35 سنة في السلك العسكري أو بوصفه مستشارا سابقا للأمن القومي (في عهد ريغان) أو باعتباره حاليا على رأس الدبلوماسية، بدا الرئيس بوش وقد تملكه الاعجاب، اصغى بكل ملكاته وكان يطرح الاسئلة بين حين وحين. وكان كولن باول مستعدا لاجابة أهم سؤال: ـ اذن ما العمل؟ ـ من خلال الأمم المتحدة. ولم يكن العمل من خلال المنظمة الدولية ليروق لدعاة مبدأ أضرب أولا ولا تبالي، واظهر جبروت اميركا العسكري ولا يهمك أحد، وكم شهدت اجتماعات مجلس الحرب الأميركي انفجارات في المناقشات بين باول ونهجه في العمل المتعدد الاطراف من خلال مجلس الامن الدولي وبين دعوات تشيني ورامسفيلد الى ضرب العراق من خلال تصرف منفرد تقوم به أميركا من جانب واحد، وحين توصلوا الى اتفاق بأن يخاطب الرئيس بوش الأمم المتحدة، أكد الصقور ان على الرئيس ان يبدأ بشتيمة المنظمة الدولية واتهامها بالتقصير والتهاون ازاء صدام حسين. بعدها شرعوا في اعداد خطاب الرئيس بوش امام الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث اصر باول على ان يطلب الرئيس قرارا يصدره مجلس الأمن بعودة المفتشين الدوليين الى العراق. أعدوا الخطاب الرئاسي من (21) مسودة ارسلوها الى الوزير باول لابداء رأيه ممهورة بخاتم «عاجل» وأيضا خاتم «لاطلاع سيادته فقط» على صفحة من الخطاب اقتصر الرئيس على دعوة الأمم المتحدة الى مواجهة التحدي المشترك بيننا. وكم ناضل باول حتى قبل المعارضون تضمين عبارات ادرجوها في اخر لحظة عند أعلى صفحة 8 وتقول: و«لسوف نعمل مع مجلس الأمن حتى تصدر القرارات اللازمة» في قاعة الجمعية العامة جلس وزير الخارجية الاميركي يصغي الى رئيسه وهو يلقي بيانه، كان باول ممسكا بقلم رصاص يتابع به سطور البيان كلمة بكلمة. كأي بيروقراطية في العالم كان موظفو البيت الأبيض قد اضافوا التعديل الجديد الى آخر مسودات البيان وكانت المسودة رقم 24، لكنهم اخطأوا فوضعوا في جهاز التلقين امام الرئيس بوش النسخة القديمة رقم 23 وكانت خالية من الاضافة التي ارادها باول. ويتكلم الرئيس فقط عن التحدي المشترك، اين اذن الحديث عن ان أميركا تطلب قرارا من مجلس الأمن في مسألة العراق؟ كاد قلب وزير الخارجية يتوقف ولم ينقذه سوى ان بوش انتبه الى الفقرة المحذوفة فكان ان ارتجلها بصعوبة قائلا: ولسوف نعمل مع مجلس الأمن بالأمم المتحدة حتى تصدر القرارات اللازمة. وتنفس كولن باول الصعداء، لقد حقق فوزا لدعوة التحالف، التشارك والتشاور مع اطراف أخرى بعيدا عن نزعة الانفرادية المدمرة التي يدعو اليها تشيني ورامسفيلد. لكنه كان فوزا مؤقتا، الى حين هكذا يقول المؤلف: لقد فتحت قضية العراق نفقا حالك الظلام يحفه ألف احتمال واحتمال. لهذا يختم المؤلف سطور كتابه بعبارات يقول فيها: ليس من الواضح ما قد يحدث مع العراق في نهاية المطاف، هل يتجه جورج دبليو بوش نحو تحقيق النصر أو صوب الكارثة، أو الى وضع متوسط بينهما؟