الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 تعد الاطاحة بالرئيس العراقي بعيداً عن سدة السلطة في بلاده من الاهداف البارزة للحكومة الاميركية في منطقة الخليج. فمنذ غزو الكويت في اغسطس من عام 1990 اعتبرته الولايات المتحدة هتلر آخر، عدوانياً ومغامراً ومصاباً بجنون العظمة، ولا يمكن ضمان الاستقرار والسلام في المنطقة إلا بعد ان يختفي من الساحة. وقد دعا الرئيس جورج دبليو بوش والرئيس السابق بيل كلينتون وكبار المسئولين في الحكومة الاميركية من الحزبين الكبيرين كليهما واصوات بارزة في الكونغرس ووسائل الاعلام، دعوا جميعهم الى الاطاحة بالرئيس العراقي. ويشاطر خبراء من خارج هذه الدوائر المعارضة العامة للرئيس العراقي. فريند رحيم فرانكي، على سبيل المثال، يذهب الى القول ان «المشكلات القائمة في العراق كامنة في صميم نظام الرئيس العراقي، ولن تزول طالما هو موجود في السلطة. وعلاوة على ذلك، فإنه كلما طال وجوده هناك، تفاقمت المشكلات واصبح من الصعب ايجاد حل لها. ان هذا التركيز على الرئيس العراقي يحرك العديد من جوانب السياسة الاميركية تجاه العراق، بما في ذلك العقوبات وعمليات التفتيش عن الاسلحة ودعم المعارضة العراقية. وقد ربطت واشنطن دعمها لرفع العقوبات عن العراق باخراج الرئيس العراقي من السلطة، وفي مايو من عام 1991، اي بعد وقت قصير من انتهاء حرب الخليج، اعلن روبرت جيتس مساعد مستشار الامن القومي ان «اي تخفيف للعقوبات سيتم التفكير فيه فقط عندما تكون هناك حكومة جديدة». وبعد تسعة أعوام تقريباً، وبالتحديد في مارس من عام 2000 قدم مساعد وزير الخارجية ديفيد ويلش شهادة قال فيها «اننا نشك بأن يقوم العراق باتخاذ الخطوات المعقولة الضرورية لرفع العقوبات او تعليقها طالما بقي الرئيس العراقي في السلطة». وعلى الرغم من ان ادارة بوش اعلنت تكراراً انها تسعى الى تعديل العقوبات، إلا انها تظل ملتزمة بتشديد القيود على ما يمكن للعراق شراءه وبالرقابة الدولية على الانفاق العراقي بصورة عامة. ويشعر خبراء الحد من التسلح بقلق خاص حيال استخدام النظام العراقي للاسلحة الكيماوية ضد شعبه وضد ايران، مما يوحي باستخدام مستقبلي محتمل لاسلحة اخرى من اسلحة التدمير الشامل. وبسبب هذه المخاوف من ان يظل العراق تحت قيادة الرئيس العراقي عدوانياً وخطراً على الدوام قامت واشنطن بزيادة دعمها للمعارضة العراقية في اطار تحرك متصاعد ضد بغداد. ان الولايات المتحدة ليست وحيدة في تركيزها على الرئيس العراقي بشخصه.. فعلى الرغم من وجود اصوات عديدة في العالمين العربي والاسلامي تنتقد السياسة الاميركية ازاء العراق، إلا ان الرئيس العراقي نفسه ليس لديه من مؤيدين كثر، فالاسلاميون لا يثقون بمجاهرته الاخيرة بالتدين، مستذكرين اضطهاده الوحشي لقضيتهم في العراق، اما القوميون العرب في افضل حالات تسامحهم فينظرون اليه باعتباره خصماً عنيداً للولايات المتحدة وايران قوى اخرى معادية، ولكنهم لا يعتبرونه خلفاً للزعيم العربي الراحل، جمال عبدالناصر، وايران، التي نادراً ما تتفق في الرأي مع واشنطن في منطقة الخليج، تشارك الولايات المتحدة رأيها بأن الرئيس العراقي زعيم خطير. يبدي الرئيس العراقي استعداده للمجازفة وهو مرشح اكثر من أي قادة محتملين للعراق لغزو جيرانه واستخدام اسلحة التدمير الشامل وقمع الجماعات المعارضة في الداخل وزعزعة استقرار المنطقة. وبالاضافة الى ذلك اذا ما تمت ازالته، فإن فرص المصالحة داخل المنطقة ومع الولايات المتحدة ستتحسن. غير ان الاطاحة بالرئيس العراقي ليست بالدواء الشافي لمحن العراق كلها فهذا التركيز عليه يغفل المخاطر المحتملة التي سيشكلها خلفه، ويقلل من اهمية بعض المشكلات الجوهرية المتأصلة في الوضع الاستراتيجي للعراق، والتي ستجعل العلاقة بين العراق وجيرانه متوترة لسنوات مقبلة بغض النظر عن رئيسه. ان استمرار الرئيس العراقي في السلطة له بعض الفوائد المفاجئة أيضا. أولا، لقد أوجدت عدائيته اجماعا واسعا وقويا حول وجوب احتواء العراق الى درجة معينة. وأي خلف له، حتى وان كان من الطينة نفسها، سيلقى على الارجح رقابة على الانفاق العراقي من جانب الامم المتحدة، وترحيبا حارا في معظم العواصم الاقليمية والبراءة لفقدان الأدلة الكافية لادانته على وجه العموم. ثانيا، ان عدم كفاءة الرئيس العراقي كرجل عسكري لا يضاهيها سوى قصوره كرجل دبلوماسي. وأي خلف محتمل له، حتى بمن في ذلك من يشاركونه الاطماع العدوانية، سيكون على الأرجح أكثر مهارة منه. ويتعين على الولايات المتحدة وحلفائها ان تواصل سعيها للاطاحة به ولكن عليها ان تعد العدة لمواجهة المشكلات التي قد تنشأ عن ذلك، خاصة في حال كان نجاحهم غير مكتمل، وظهر زعيم من قاعدة السلطة نفسها. لا يمكن للعراق ان يهرب من محيطه. فالجغرافيا السياسية تصيغ السياسة الخارجية للعراق بقدر لا يقل عن ما يقوم به النظام الذي يحكم بغداد، مما يحد من الخيارات المتاحة امام اكثر الحكام اعتدالا وهناك عداء بين العراق وايران يعود تاريخه الى ما قبل الثورة العراقية في عام 1958، وبسبب الحرب العراقية ـ الايرانية، فانه متأصل بشكل قاس في نفوس الطرفين كليهما على المستوى الشعبي، وتركيا سبق لها ان قامت بعمليات توغل متكررة في العراق لسحق حركة أكراد تركيا، أي حزب العمال الكردي، وستواصل القيام بذلك، طالما تقوم عناصر تلك الحركة باستخدام الاراضي العراقية لشن هجمات على تركيا. وأما مرارة موقف سوريا من العراق، فتعود في جانب منها الى سعي كل من دمشق وبغداد لزعامة قضية البعث، وبالتالي قيادة معسكر القوميين العرب. ولقد تحسنت العلاقات بين البلدين في ظل القيادة الجديدة لسوريا، الممثلة ببشار الأسد، ولكن الشك يبقى قائما بينهما. وسيتعين على أي نظام جديد في بغداد ان يتعامل مع هذه التحديات الصعبة، اذا قدرت له النجاة من العاصفة الراهنة التي توشك ان تهب عليه. قد تكون أسلحة التدمير الشامل أكثر المسائل المتعلقة بالعراق تعقيدا، فايران وباكستان وسوريا وتركيا واسرائيل، جميعها تمتلك اشكالا متعددة من اسلحة التدمير الشامل والصواريخ وبالتالي، فان سعي نظام عراقي مستقبلي لامتلاك اسلحة للتدمير الشامل كأداة ردع هو أمر مفهوم، ان لم يكن مرغوبا بالضرورة. وأي نظام تقريبا سيسعى الى امتلاك مجموعة واسعة من الاسلحة الكيماوية بشكل خاص. وبالنسبة للعراق، وعلى النقيض من معظم الحائزين على اسلحة كيماوية، فان لهذه الاسلحة منفعة مؤكدة في القمع في الداخل والترهيب في الخارج. فالاستخدام المتكرر للاسلحة الكيماوية خلال الحرب العراقية ـ الايرانية، والاعتقاد بأنها لعبت دورا أساسيا في الانتصار على ايران، افضى الى دعم واسع النطاق لحيازتها في اوساط الجيش العراقي والجزء الأكبر من المجتمع العراقي. وأي نظام يخلف الرئيس العراقي ويكون اقل استعدادا لخوض المغامرات وأقل عدوانية في نواياه سيكون على الأرجح أقل سعيا للحصول على اسلحة بيولوجية ونووية. وسيدرك معظم القادة على الارجح الثمن السياسي والاقتصادي الهائل الذي قد يدفعه العراق ـ وقد دفعه بالفعل ـ مقابل سعيه للحصول على اسلحة بيولوجية ونووية وبالتالي، فان نظاما جديدا في العراق قد يكون مستعدا للتخلي عن السعي لامتلاك هذه الاسلحة، اذا كان الضغط الدولي كبيرا عليه. وان لم يحدث ذلك، فان الفارق الاساسي هو في امتلاك اسلحة التدمير الشامل ـ وبخاصة الاسلحة البيولوجية والنووية ـ وليس استخدامها. ومن شأن نظام يخلف الرئيس العراقي ويقوده شخص اكثر ضررا من سلفه ان يكون على الارجح قانعا بالحيازة الدفاعية لأسلحة التدمير الشامل. غير انه حتى الحيازة ستؤدي الى انتشارها في المنطقة وزيادة فرص استخدامها بصورة عرضية. ويتوقع ايضا ان يظل العداء لاسرائيل شديدا. فقد اكتسب الرئيس العراقي مكانة رفيعة بفعل تهديداته المتكررة لاسرائيل. وأي خلف له قد يسعى للحصول على دعم مماثل من خلال الابقاء على سياسة معادية، او على الاقل معادية خطابيا، ازاء اسرائيل. فهذا العداء يبدو انه يحظى بدعم واسع في اوساط المجتمع العراقي، وبخاصة في الجيش، ويشير سجل العراق الى ان العداء لاسرائيل مستقل عن النظام، فقد ارسل العراق اكثر من 10 آلاف رجل للقتال في حرب عام 1948 بين العرب واسرائيل، ولعب دورا محدودا في حرب عام 1967 ونشر حوالي 60 الف رجل للمشاركة في حرب عام 1973. غير انه، كما هي الحال مع اسلحة التدمير الشامل، فان المسألة الحقيقية هي مسألة تتعلق بالدرجة. فنظام عراقي جديد يكون اقل خضوعا لقاعدة الرئيس العراقي السلطوية سيكون على الارجح اقل عداء لاسرائيل ومن غير المتوقع ان يكون النظام المقبل في بغداد اكثر حماسا ازاء اسرائيل، ولكنه قد يتبنى سياسة ازاء اسرائيل أقرب الى السياسة التي تتبناها معظم الدول العربية المعتدلة. وسيواجه اي نظام عراقي مستقبلي خيارات صعبة في سعيه لتحقيق التوازن بين الوحدة العراقية والسلام الداخلي وحقوق الانسان. ان الشعور بالوحدة الوطنية في العراق لم يكن قويا على الدوام. فقد كتب الملك فيصل الأول، اول حاكم ملكي للعراق، في عام 1933 يقول: «ليس هناك حتى الآن شعب عراقي، وانما جماهير بشرية لا يمكن تصورها، مجردة من أي مثل وطني اعلى.. ولا يربطها أي رابط مشترك، وتلقي أذناً للشر ومعرّضة للفوضى ومستعدة بشكل دائم للانتفاض ضد أي حكومة مهما كانت». وزادت سنوات الحكم السيئ وبخاصة الوحشية التي استخدمها الرئيس العراقي، العلاقات المجتمعية سوءاً، فبالاضافة إلى ذبح الاكراد وأبناء الجنوب، قام الرئيس العراقي بتأليب قبيلة على الأخرى، ودمر المجتمع المدني في العراق. وحتى لو تم الاطاحة بالرئيس العراقي وتابعيه من سدة السلطة، فإن تركتهم ستبقى قوية. وسيكون الاكراد، على وجه الخصوص، متشككين بدرجة عالية في أي نظام في بغداد يسعى إلى ما هو أكثر من سيطرة اسمية على نشاطاتهم. وإذا تنامت التوترات القبلية والعرقية أو الطائفية عند سقوط الرئيس العراقي فإن النظام الذي سيخلفه سيكون تحت ضغط كبير لانهاء العنف بدون اللجوء إلى القمع. ولن يكون النظام الذي يخلف نظام الرئيس العراقي بلا أطماع اقليمية، فالنزعة التحررية الوحدوية لها تاريخ طويل في العراق. وكانت القيادة العراقية قبل ثورة عام 1958 قد سعت إلى اقناع البريطانيين بضم الكويت إلى دولة كونفدرالية مع الأردن والعراق، وبعد استقلال الكويت في عام 1961، أعلن الرئيس العراقي وقتها عبدالكريم قاسم ان الكويت جزء من العراق، مع ان هذا الاعلان عزل العراق عن العالم العربي منذراً بالمزاعم التي سيعلنها الرئيس العراقي الحالي بعد 30 عاما تقريباً. وعلى الرغم من ان النظام الجديد لن يكون لديه ذلك الفخر الشخصي للرئيس العراقي بتورطه في المزاعم العراقية بخصوص الكويت، إلا انه قد يستخدم هذا الادعاء لكي يرفع من شعبيته المتدهورة أو لكي يصرف انتباه العراقيين عن المشكلات الداخلية. وأخيراً فإن النزاع حول شط العرب هو نزاع مزعج بشكل خاص، ومن الممكن ان يثور من جديد، فاتفاقية عام 1937 حول شط العرب على الحدود الايرانية لا تحظى بدعم كبير في العراق، وكان حكام عراقيون قبل الرئيس العراقي الحالي قد أكدوا سيادتهم على اجزاء من شط العرب تعد محل نزاع، وبلغ بهم الأمر حد المطالبة بالسيادة على اقليم خوزستان الايراني. وعلاوة على ذلك، فإن الحرب الطويلة والقاسية مع ايران قد حفرت نفسها عميقاً في وعي العراقيين. وقد تحاول الانظمة اللاحقة علاوة على المزاعم بخصوص الكويت، ان تستغل الخصومة مع ايران لكي تنعش شعبيتها في حال ظهور صعوبات اقتصادية أو اضطراب داخلي. ان الانتقال من نظام الرئيس العراقي الحالي إلى من يخلفه سيكون فوضوياً على نحو شبه مؤكد، ولا يزال من غير الواضح كيف سيفقد زمام السلطة ـ بفعل انقلاب عسكري أو اغتيال أو عصيان أو قنبلة يواكبها الحظ في غمار غزو أجنبي أو لأسباب طبيعية، فليس هناك في العراق تقليد متعلق بتغيير سلمي في النظام كما ان المجتمع المدني قد جرى تمزيقه. والتنبؤ بسبب وكيفية وموعد الاطاحة بالرئيس العراقي يعد أمراً مستحيلاً حتى في ظل الملابسات الراهنة، فعلى الرغم من افتقاده للعديد من المهارات الأساسية، إلا ان الرئيس العراقي أظهر عبقرية في البقاء على قيد الحياة. فقد استطاع ان ينجو من قتلة داخل عائلته ومن انقلابات عسكرية مزمعة ومنافسين داخل حزب البعث وثوريين من أبناء الجنوب وقتلة مأجورين والحماسة التي أبدتها دول معادية، بل ومن الضربات الجوية الأميركية، ولقد نجا من هذه التحديات بتوليفة من القساوة التي لا ترحم والحظ مركزاً السلطة بأيدي قلة مؤتمنة، بينما يبقى المتنافسون المحتملون مشغولين ببعضهم البعض أو يقصيهم عن السلطة. وبأوضح العبارات فإن الاحلال قد يأتي إما من داخل قاعدة السلطة الحالية للرئيس العراقي أو من خارجها، وتتألف قاعدة السلطة الحالية من مؤسسات عسكرية وشبه عسكرية مثل الحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص، والجيش الشعبي وأجهزة الاستخبارات وعدد من القبائل الرئيسية وعناصر غير قبلية من محافظة تكريت، مسقط رأس الرئيس العراقي أو بالقرب منها وأعضاء حزب البعث، وهذه المجموعات موحدة بإيمانها بأن بقاءها ورخاءها مرتبطان باستمرار ببقاء الرئيس العراقي في السلطة. وإذا ما تلقى الرئيس العراقي رصاصة ـ وإذا لم يكن لدى القاتل القدرة على الاستحواذ على السلطة بنفسه ـ فإن فرداً من هذه الصفوف يمكنه بسهولة ان يتولى السلطة وقد يكون هذا الشخص هو أحد أبناء الرئيس العراقي أو شخص مقرب من عائلته أو عصبة مستاءة كانت تمثل عناصر أساسية عديدة في النظام، وفي كل الاحوال فإن قوات الأمن والنخبة العسكرية في العراق ستكون لاعباً رئيسياً. إن مثل هذا الشخص سيكون لديه الشبكة والجهاز اللازمان لتولي السلطة ويمكن ان يروق لرفاقه على خلفية ارادة البقاء، فلو استولى شخص غريب على السلطة فإنهم سيسقطون معاً، وأي خلف محتمل يفتقد إلى الدعم من قوات الأمن والجيش سيواجه مشكلة في الاحتفاظ بسلطته وتعزيزها. وخلصت دراسة للسي اي ايه في عام 1995 إلى ان أي خلف للرئيس العراقي سيأتي من «الوسط السياسي» نفسه الذي جاء منه شاغل سدة الرئاسة الحالي، بحيث يشتركان في الالتزام بسيطرة العراق وعدائيته للغرب. وإذا ما سقط الرئيس العراقي، فإن المسألة المتعلقة بما إذا كان احد رفاقه سيتولى السلطة لا تزال غير مؤكدة، فقد احتفظ الرئيس العراقي بسلطته من خلال الابقاء على خصومه ضعفاء وغير متزنين، ومنشغلين بعضهم بالبعض الآخر، وقد يؤدي سقوطه إلى سفك الدماء بين صفوف النخبة مع قيام الجماعات المتنافسة بالسعي إلى السلطة، ولكنها جميعاً ضعيفة بالنسبة لامكانية الاحتفاظ بها، وهكذا فإن الرئيس قد يظهر على الساحة من خارج قاعدة السلطة الخاصة بالرئيس الحالي. ان نطاق المنافسين المحتملين من خارج قاعدة السلطة الخاصة بالرئيس الحالي هو نطاق أوسع، وقد تشمل البدائل عضواً في جماعة شيعية مسلحة أو ضابطاً من الجيش النظامي أو منفياً عراقياً بميول ديمقراطية أو ـ كما هو مرجح ـ شخصاً لا يتوقعه من هم خارج العراق ولا يعرفونه اطلاقاً، وهذا سيتصرف وفقاً لمعتقداته وشخصيته وقاعدة سلطته وهي عوامل من المستحيل تقويمها في ظل عدم معرفتنا له. إن الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة أو قوى خارجية أخرى في الاطاحة بالرئيس العراقي هو عامل مهم آخر. فلا توجد دولة تحب أن يفرض الغرباء حكومة عليها: فالوطنيون الإيرانيون، على سبيل المثال، لم يسامحوا الشاه أبداً على عودته إلى السلطة في إنقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة في عام 1953. وهناك قطاعات معينة من المجتمع العراقي لديها مشاعر قومية عالية. وقد وقع إنقلاب عام 1958 الذي أطاح بالملكية في جانب منه لأن الضباط القوميين العرب اعتبروا النظام قريباً أكثر مما ينبغي من الغرب. ومن خلال الدعم الصريح لأحد المرشحين للسلطة والمساعدة في وضعه على العرش، فان الولايات المتحدة وحلفاءها قد يدمرون أوراق اعتماده القومية مما يؤدي إلى اضعاف نظامه على المدى البعيد. والأمر المحتم هو أن القوميين سيصفونه بأنه دمية أميركية رافضين أي تقارب يصنعه مع الولايات المتحدة أو حلفائها الاقليميين باعتباره التعويض المطلوب. ولكن هذه الميزة السيئة ليست بالضرورة قاتلة. فجميع العراقيين تقريباً سيرحبون بالزعيم الجديد كبديل للرئيس الحالي طال انتظاره. ومع ذلك، سيواجه ضربة واحدة ضده في صراعه لتعزيز سلطته. غير أنه إذا سقط الرئيس العراقي من تلقاء نفسه، فإن أوراق الاعتماد القومية للزعيم الجديد ستكون أقوى. وحتى لو قامت الولايات المتحدة بإزالة الرئيس العراقي ولم تقم بتنصيب نظام بديل، فان الزعيم الجديد لن ينظر إليه باعتباره عميلاً أميركياً. إن أي خلف للرئيس العراقي سيحظى على الأرجح بشهر عسل قصير في الخارج. فإذا سقط الرئيس العراقي، فان المجتمع الدولي والعالم العربي سيرحبان على الأرجح بعودة العراق إليهما ـ حتى وإن قدم الزعيم الجديد من داخل قاعدة السلطة الخاصة بالرئيس الحالي واستثناء من ذلك يحدث إذا تولى السلطة خلفاً لصدام أحد أبنائه أو أحد مساعديه المقربين منه وسيكون شهر العسل أكثر احتمالا إذا ساعدت الولايات المتحدة في إحداث التغيير في الحكومة. فستشعر واشنطن بأنها مجبرة على العمل مع الزعيم الجديد، بعد أن عملت جاهدة لاحداث التغيير في النظام. ومع أن الولايات المتحدة حاولت في بياناتها الرسمية التركيز على سلوك النظام العراقي، إلا أنها غالباً ما كانت تعود لتؤكد على المخاطر التي يشكلها الرئيس العراقي بصفته الفردية. وهذا التصور أكثر انتشاراً خارج الولايات المتحدة. ففرنسا وروسيا اللتان تتحمسان لاعادة تأهيل العراق الحالي ستستخدمان الاطاحة به على الأرجح كذريعة لتطبيع العلاقات مستشهدة بالحاجة إلى العمل مع أي نظام يخلف الرئيس الحالي من أجل ضمان عدم سيره على خطاه. وفي العالم العربي، هناك تعاطف واسع النطاق مع معاناة الشعب العراقي. وإذا ما سقط الرئيس العراقي فان الدعوة للمساعدة في احياء العراق وإعادة بناء المجتمع ستحظى بقبول واسع النطاق. بقلم: دانييل بايمان _ ترجمة: ضرار عمير عن «واشنطن كوارترلي»