الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 كل شيء منوط بزاوية النظر: يمكن القول انه انطلاقا من «المسئولية الوطنية» قرر حزب العمل الانضمام الى الليكود في اقرار الميزانية، والسماح له بان يتخذ صورة حزب السلطة الطبيعي مرة اخرى، ذاك الذي يقرر أسس السياسة القومية. كما يمكن التوصل من التصويت في الكنيست الى استنتاج آخر: عندما يقفون أمام حسم حقيقي ويتوجب عليهم التصويت يحتاج المرء الى وسائل مخبرية كي يميز الفرق الحقيقي بين الحزبين. يخيل اليوم ان انتخاب عمرام متسناع لم يكن انقلابا او توبة توقعها الكثيرون، بل مجرد رد على اسلوب بنيامين بن اليعازر وشخصيته. فبالاجمال، كان لبن اليعازر ايضا نوعا من الخطة السياسية المعتدلة. استبدل الرجل على رأس السلم، السياسي المهني الذي يحب القوة، ولكن السلوك السياسي العملي حتى الان بقي على ما هو. في كل دولة سليمة يكون الامتناع عن التصويت على الميزانية هو تعبير عن التأييد الاجمالي لها، وان كان متحفظا على سياسة الحكومة. فالميزانية تعكس جدول الاولويات الوطنية في كل مجالات الحياة. والحزب الذي لم يصوت ضدها يكون صوت معها. ولكن السير على خط الحكومة ضد رأي كل المنظمات الاجتماعية لكل من ذهل من الفقر المستشري، ومن المعاناة والمهانة التي يسببها التعلق بالصدقات، ليس سوى وجه واحد من العملة. الوجه الاخر هو حقيقة أن ممثلي معسكر السلام، يوسي بيلين وياعيل ديان قد ركلا الى الخارج وسقطا في عربة ميرتس. وفي الموقف ذاته سجل فشل تسالي ريشف، الذي قرر مرة اخرى ان يواصل انتظار جودو اما عن الحمائل الاخرى فلم يعد يجري الحديث: قوتها الكبرى في المؤتمرات العاصفة في الخارج، في الجامعات وامام المنظمات اليسارية اليهودية، وكفاءتها تبرز بقدر اكبر في توزيع التلميحات عن الامور الهائلة التي من شأنهم ان يحققوها في المستقبل. ولكن عندما ينبغي القتال في سبيل المباديء في ميدان السوق الاسرائيلي يتبين ان الاوراق مخلوطة بعضها بالبعض الآخر. عليه فيجدر اليوم اكثر من اي وقت مضى التساؤل في طبيعة المسئولية الوطنية الحقيقية. بالفعل المسئولية الوطنية تفترض قبل كل شيء القول ان السياسة الاجتماعية المتفق عليها بين الحزبين الكبيرين تمزق المجتمع الاسرائيلي اربا، فيما الحرب الشاملة التي اعلنها ارييل شارون وشائول موفاز على الشعب الفلسطيني، بالموافقة الصامتة لحزب العمل، تضعضع الاسس التي تقف عليها دولة اليهود. فالمجتمع الاسرائيلي لم يكن أبدا مجتمع صديقين طاهرين، والجيش الاسرائيلي لم يكن ابدا يتشكل فقط من الملائكة . ولكن هذا الانغلاق الحسي الذي يظهر الان لم يكن من قبل. ذات مرة كنا نخجل من الفقر الذي بدأ ينتشر في اوساطنا وتعذبنا لمرآى الاطفال الذين يعيشون تحت خط العيش الشريف. اما اليوم فاننا ننظر بعدم اكتراث الى الازمة المتعمقة لدى تلك الاقسام في المجتمع الذين يعتبرون غير منتجين. ومن جهة اخرى، فان فلسطينيي 1948 والمسلمين بشكل عام باغلبيتهم الساحقة لا يريدون ان يصعدوا الى السماء بطريق مباشر الى الجنة. واغلب الظن أنهم ايضا يفضلون البقاء على الارض لأطول فترة ممكنة، شريطة الا تصبح هذه الارض مقبرة لهم. كما أن من المشكوك فيه جدا ان تكون القيادة الفلسطينية تعتقد بان بوسعها ان تعرض للخطر الحقيقي الوجود القومي الاسرائيلي. ولكن منطق الحرب الجارية يؤدي الى ان الجيش الاسرائيلي يكرر كل الاخطاء المعروفة منذ مائتي سنة وهو يقع في الشرك ذاته المعروف منذ غزو نابليون اسبانيا. واسوأها هو فقدان الاحساس بالتوازن والاستخفاف بحياة البشر. وعليه فان المسئولية الوطنية تفترض القول بان قتل المدنيين الفلسطينيين من نساء واطفال والذي غدا موضوعا يوميا يجري دون وازع من ضمير، يمس بنا بقدر لا يقل عما يمس بهم. بقلم: زئيف شتيرنهل _ عن «هآرتس»