السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 صدر منذ أسابيع وما زال يحدث ضجة في أوساط السياسة ودوائر الاعلام في أميركا، وقد راجع بوب وودوارد محاضر ومذكرات أكثر من 50 اجتماعا لمجلس الأمن القومي ، واجتمع أيضا الى أكثر من 100 من الشخصيات المشاركة في صنع القرارات . أما الرئيس بوش فقد أحال المؤلف الى مقابلات شخصية انفرد بها، ودامت فترات يبلغ مجموعها 3 ساعات و55 دقيقة بالضبط. ويعد مؤلف الكتاب بوب وودوارد في طليعة الكتاب، المحققين ، الباحثين في الصحافة الأميركية، يرتبط اسمه بعدد من أهم الكتب السياسية التي قام بتأليفها أو شارك في اعدادها ابتداء من كتاب «كل رجال الرئيس» حول فضيحة ووترجيت (1974) الى كتاب «الحجاب» حول نشاط المخابرات المركزية الأميركية (1987) الى كتاب «القادة» (1991) حول ملابسات حرب الخليج الثانية. «سوف اعقد الليلة مؤتمرا صحافيا»، هكذا بدأ الرئيس بوش اجتماع الثلاثاء 11 أكتوبر 2001 لمجلس الأمن القومي وأضاف يقول: سوف أعيد تحديد اطار الصراع الذي نخوضه، وأحدد التوقعات في حجمها الصحيح، سيكون صراعا طويل الأجل وعلينا أن نتبع استراتيجية وثيقة حازمة، ولذلك سأطلب من الشعب الأميركي مزيدا من الصبر. ثم تطرق الرئيس الأميركي الى ما يمكن وصفه بأنه الجرح الذي يؤرقه، «ينقح» عليه كلما يقولون، انها حرب أوسع نطاقا (مما نتصور) نطارد فيها من يستضيفون الارهاب ومن يلوذون بهم ـ وإذا لم نتمكن من القبض على «ألف سين باء» فهذا لا يعني الفشل. ألف سين باء، أركان البيت الأبيض وأعضاء مجلس الامن القومي ومساعد الرئيس بوش كانوا ينطقونها في اختصارها الانجليزي «يو.بي.ال»، وكانت بداهة هي أسامة بن لادن وكانوا يتبادلون اسمه بهذا الاختصار، وقد أورده المؤلف على هذا النحو ـ وكأنه تعويذة أو بالأدق كناية سحرية مقيتة عن رمز للشر والخطر والظلام. وبما كان الرئيس الأميركي مشحونا بالتوتر، ولم يكن مصادفة ان يهتم وزير الخارجية باول ـ وهو من واقع سلوكياته وطروحاته بين سطور كتابنا من أشد اعضاء الدائرة المحيطة بالرئيس هدوءا وأكثرهم رشدا واتزانا ـ بالتخفيف عن رئيس الدولة، ها هو يسر اليه بمعلومة يراها مهمة وايجابية، يقول باول: منظمة المؤتمر الاسلامي عادت الى اصدار بيان جديد بشأن الموقف الراهن، والبيان قوي في ادانته الارهاب الذي تعرضت له الولايات المتحدة، وأكدت ان هذه الاعمال التي ارتكبت تتنافى تماماً وبصورة مباشرة مع تعليم الأديان السماوية ومع جميع القيم والاخلاقيات الانسانية. نزل ما قاله باول بردا وسلاما على وجدان الرئيس بوش الذي قال على الفور: اذن سوف استخدم في حديثي مساء اليوم عبارات من تلك التي وردت في بيان منظمة المؤتمر الاسلامي. هاملت الأميركي عند مناقشة ما يحدث على الأرض، كان الموقف مختلفا، جلس كبار معاوني الرئيس يتدارسون ما وصلت اليه تطورات الميدان في افغانستان وكانوا يدورون من حول سؤال يبدو فلسفيا فيما يبدو دراميا يعيد الى الاذهان حيرة هاملت بطل شكسبير. كان السؤال هو: نستولى على «كابول» أو لا نستولى عليها؟ تلك هي المسألة. في رأى «تينيت» رئيس المخابرات كانت كابول موقعا مهما لأنه الموقع ـ الرمز بالنسبة للانتصار على طالبان. وكان لباول وزير الخارجية رأي آخر حين قال: لا نريد الاستيلاء على «كابول»، ينبغي أن تكون أولويتنا هى «مزار شريف» ولو أخذناها لأصبحنا على مسافة 40 ميلا من أوزبكستان، واستطعنا إنشاء جسر واصل بين البلدين تتدفق من فوقه الامدادات العسكرية، والمؤن الانسانية. ولا تنسوا ان اسقاط المعونة الانسانية من الجو امر باهظ الكلفة وقاصر الاداء. في مثل هذه العواقب نشعر ان الذي يتكلم بلسان باول ليس وزير الدبلوماسية ومسئول الشئون الخارجية، بل «الجنرال» باول، رئيس الاركان السابق هو الذي يتكلم. تساءل نائب الرئيس تشيني: هل تسلم كابول إذن الى قبائل البشتون (المعادية للطالبان)؟ اجاب الوزير باول: بل نسلمها الى الاخضر الابراهيمي (مسئول الامم المتحدة) وإلى الامم المتحدة كي تتولى أمورها، وبهذا تصبح كابول. مدينة دولية ورمزا لافغانستان الموحدة. ثم تتطور الأحداث وتتعقد الظروف وتتشابك الملابسات على مستوى ميداني اخر، على صعيد أميركا ـ الداخل حيث تزداد حمى التوتر ويشارك مكتب المباحث الفيدرالي في شحن النفوس بأسوأ التوقعات. والحق ان مويللر رئيس مكتب المباحث وهو المسئول الأول عن الأمن الداخلي في أميركا كان واقعا تحت وطأة ضغوط شديدة في تلك الأيام. كانت المخابرات المركزية توافيه بمعلومات بالغة الخطورة حول تهديدات محدقة بالأمن القومي وحول توقعات بمزيد من الهجمات المريعة على غرار ما حدث للمركز التجاري ومباني البنتاغون وكان مويللر حائرا بين أن يتريث ويتحقق حتى لا يرعب الناس، وبين أن يبادر الى اطلاق صفارات انذار تحذر من وقوع الشر قبل أن يأتي النذير بعد فوات الأوان. ولم يعد امام الرجل خيار سوى ان يصدر بيانا كالنذير يقول فيه: نمت الينا معلومات، وان كانت غير محددة من حيث الاهداف المتوقعة ـ تحمل الحكومة على الاعتقاد بأن الأمر قد ينطوي على المزيد من الهجمات التي تقع داخل حدود الولايات المتحدة أو تتعرض لها مصالحها فيما وراء البحار وذلك في غضون الايام القليلة المقبلة. مثل هذه البيانات تصدر عن أكبر مؤسسة مسئولة عن الامن القومي، كان لها وقع الذعر في نفوس الناس، بعضهم كاد يصل الى حافة الانهيار العصبي. يعلق المؤلف على هذا الموقف قائلا: لو لم يصدر مويللر مثل هذه البيانات، ثم وقعت الهجمات، لما اغتفرها له أحد. لكن المعلومات كانت تفتقر (كما نرى) الى أي تفاصيل محددة، لا من حيث الزمان أو المكان أو أسلوب الهجمات المتوقع التعرض لها. كانت حصيلة اخبار أو بيانات حصلت عليها المخابرات المركزية من أجهزة التنصت ومراقبة الاتصالات في هذا الموقع وذاك، لكن في ضوء ما حدث في 11 سبتمبر كانت المبالغة في التحوط افضل في كل حال من التهاون في اتخاذ اسباب الحذر والاحتياط. المشكلة، بل المصيبة ان مثل هذه التحذيرات حول خطر داخلي محدق أو جاثم أو متربص كادت تحول أفراد الشعب الاميركي الى مخبرين، مرشدين متطوعين في خدمة أجهزة الامن والمخابرات والمباحث، قالوا ان الارهابيين قد يستخدمون لضرباتهم طائرات المبيدات وهي الطائرات الصغيرة التي تستخدم في رش المحاصيل بمبيدات الآفات، فكان ان ركز الناس شكوكهم في أرياف أميركا على كل عمليات رش المبيدات وعلى الطائرات البسيطة التي تستخدم فيها. هنالك لم يسع المذيعة، آن كوبتون، من محطة «ايه. بي. سي» التلفزيونية ان تطرح سؤالا على الرئيس خلال مؤتمر صحافي قالت فيه: ما هو المطلوب من الأميركيين ان يراقبوه وان يبلغوا عنه الشرطة أو مكتب المباحث؟ ربما كان السؤال مفاجئا وصعبا على الرئيس الذي لم يسعه سوى ان يقول: حسنا يا آن، اذا رأيت شخصا لم تريه من قبل يهم بركوب طائرة رش لا تملكينها فأبلغي عنه فورا. وضجت قاعة المؤتمر بالضحك. الأفغان يتنفسون النار كان الافغان يتنفسون النار من جراء غارات الطائرات التي بعث بها السيد رامسفيلد وعساكره الى افغانستان. ولم تكن أنفاس اللهيب مجرد استعارة بلاغية بل كانت حقيقة واقعة يسجلها مؤلف الكتاب (ص 241)وهو يسجل حوارا موثقا دار بين وزير الدفاع رامسفيلد وجنراله فرانكس المسئول عن العمليات. بدأ الحديث عن معنويات الأفغان التي لا شك «تأثرت من جراء الغارات الجوية التي تعرضوا لها خلال العمليات» قال الجنرال ان عدد الطلعات الجوية بلغ 120 فوق سهول «الشمالي» وكان المهم هو ظهور طائرات «اي.سي 130» لأول مرة في سماوات افغانستان فأما الجنرال فرانكس فكان يشكو من قلة الأهداف الصالحة للقصف أو التدمير، وأما الطائرات المذكورة فكانت من جيل قديم ومتين من أيام حرب فيتنام، لكنها كانت الاكفأ من حيث دفعات النيران التي تطلقها ومن حيث قدرتها على ان تنشر ـ بالأدق ترش 1800 دفعة نيران في الدقيقة الواحدة بما يتيح لها ـ كما يوضح المؤلف ـ ان تفرش سجادة كثيفة من جحيم فوق الأرض لكن هذا كله لم يكن ليبعث على الارتياح في واشنطن، ثمة صراعات كانت تدور من وراء الكواليس بين المخابرات المركزية والبنتاغون. كلا الطرفين كان له دوره على مسرح العمليات وكم كانت الأدوار تتشابك في بلد شديد التنوع بالغ التعقيد مثل افغانستان. وحين تتشابك الأدوار، تصبح المسئولية مهددة بالضياع، ويكاد المسئولون يصلون الى حائط مسدود له اسم يخشاه الجميع هو: «فوبار»، وهو مصطلح يعرفه العسكريون وكان الرئيس بوش يعرفه بدوره، من ايام فيتنام وهو اختصار بعبارة ترجمتها كما يلي: فشل يفوق كل تصور. والمشكلة ان عملية افغانستان كانت تسند ادوارا بارزة الى المخابرات المركزية من حيث تجنيد العملاء وشراء ذمم امراء الحرب وابتياع الولاءات في هذا الاقليم الافغاني أو ذاك وهذه الولاءات كانت تزود بالمعلومات وبيانات الاستطلاع واسرار التحالفات. في الوقت نفسه كان للعملية جانبها العسكري وهو الجانب الذي أسند فيه الدور المحوري طبعا الى البنتاغون وكان التداخل بين المخابرات والبنتاغون أمرا حتميا لدرجة كان يطرح معها السؤال وبالحاح: - من المسئول ـ تحديدا ـ عما يجري في افغانستان؟ الوزير باول سعى الى ان يحل هذه المعضلة ويفك هذا الاشتباك، ربما كان باول هو اكثر المؤهلين لهذه المهمة، لأنه كان رجلا عسكريا ينتمي منذ سنوات غير بعيدة الى البنتاغون، ولكنه تحول الى حيث أصبح رأس الدبلوماسية الاميركية بمعنى انه بات اقرب وربما أكثر فهما لعمليات المخابرات. كان باول يرى ان المسألة قد تبدأ بالمخابرات المركزية ولكنها لا تلبث ان تنتهي ـ بالضرورة ـ الى أيدي زميله «اللدود» رامسفيلد في أروقة البنتاغون. في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب (ص246): كان بوسع وزير الخارجية ان يرى كيف كانت المخابرات المركزية تشق طريقها بالفلوس ـ بالأدق تشتري نفاذها عبر افغانستان لقاء ما تبذله من كميات الأرز وأكداس الأسلحة ومن رزم الدولارات لكن هذا كله كان بمثابة تمهيد المسرح لكي يؤدي عليه العسكر أدوارهم، ومن ثم فالمسئولية تقع في نهاية المطاف على عاتق وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. المشكلة ان شمال افغانستان كان ايسر عسكريا من جنوبها، لماذا؟، في الشمال كان هناك التحالف الشمالي المعادي لطالبان وقد أمكن التعاون بحكم المصلحة المشتركة ـ لأميركا أما الجنوب فكان أصعب مراسا، أولا بحكم تمركز مؤيدي طالبان وثانيا بحكم توزع الولاءات بين امراء الحرب وزعماء المقاطعات وتشتت القبائل والاعراق. لهذا كان طبيعيا ان يطرح رامسفيلد السؤال: كيف ندخل الى الجنوب؟ في اجتماع مجلس الأمن القومي اجاب تينيت مدير المخابرات المركزية: نحن حاولنا مع قبائل البشتون في الجنوب واستطعنا انشاء صلة مع زعيم قبيلة بشتونية صغيرة في الرابعة والاربعين من العمر يجيد الحديث بالانجليزية وله لحية انيقة يختلط فيها سواد الشباب مع بياض المشيب. ـ ما أسمه؟ ـ حامد قرضاي مع ذلك، لم يكن التحالف الشمالي مضمونا مئة بالمئة، فقد كان لقادته أطماعهم وخلافاتهم ومشكلاتهم ولذلك كان دور المخابرات المركزية اساسيا ومتواصلا ومطلوبا باستمرار، وكان محور هذا الدور هو فتح الحقائب المحشوة بألوف، بل ملايين الدولارات نقدا وعدا. هكذا أكد ممثل المركزية على مسمع من الرئيس بوش في أحد اجتماعات مجلس الحرب في البيت الأبيض الذي يحيل إليه مؤلف الكتاب. تطرق الحديث ساعاتها الى الجنرال عبدالرشيد دوستم وهو من أركان تحالف الشمال والى المبالغ التي تقاضاها من حقائب المخابرات، وحين سأل الرئيس عن سبب الاموال قيل له: لان الجنرال دوستم يقود فرقة خياله فوق ظهور الجياد عند مزار شريف لم يسع الرئيس بوش ان تمتم قائلا: جياد وبغال في القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من ان الحاضرين اصيبوا بنوع من الصدمة ازاء حكاية الخيل والبغال، فقد كانوا يفهمون انهم بإزاء بلد مثل افغانستان له اعرافه وأوضاعه وثقافته التي لابد من الاعتراف بها. في هذا السياق تطرقت مناقشتهم الى تناول ثقافة الشعب الافغاني ـ ويقول المؤلف: خلال المناقشات ترددت النكتة المهلكة التي تقول: انك لا تستطيع شراء أي افغاني ولكنك تستطيع استئجاره(!) بمعنى انك في افغانستان تكون بازاء عالم لا يعرف ولاءات دائمة ولا شبه دائمة، امراء الحرب يمشون باستمرار وراء المال والنصر، يجذبهم دائما الطرف الرابح ومن ثم يحولون ولاءهم في غمضة عين، ومشكلة الاميركيين في تلك المرحلة انه كان لديهم مال كثير يبذلونه لكن لم يكن لديهم نصر كبير استطاعوا ان يحققوه وكان الأمر في عين الافغان بحاجة الى شعور بنصر مؤزر محتوم بدعم خزائن الاموال التي كان يتم اغداقها بحساب احيانا وبغير حساب في بعض الاحيان. حكاية المصطلح «ميم» لم يكن الافغان وحدهم هم الذين شعروا بأن الاميركيين لم يحققوا نصراً يعتد به في حربهم في افغانستان شعورهم بإلاخفاق كان يسود دوائر اميركية حتى كان اخطرها دوائر الاعلام الأميركي ذات النفوذ كان الموقف في افغانستان يسوده الجمود والركود وهو ما أثار تساؤلات في واشنطن وغيرها حول فعالية الاستراتيجيات ومدى التقدم الذي احرز وصدق الجداول الزمنية المعلنة وسط هذا الجو تلقى الرأي العام الاميركي اكثر من رسالة غاية في السلبية: روبرت بيب خبير الطيران في جامعة شيكاغو أكد ان استراتيجية الولايات المتحدة الاساسية في مجال الطيران ضد افغانستان لم تحقق نجاحا، وكانت هذه السطور هي الاستهلال الذي بدأت به جريدة واشنطن بوست افتتاحية بقلم الخبير الاميركي وجاءت تحت عنوان: «خطة المعركة الخطأ». مجلة «نيوزويك» نشرت تحقيقا مطولا عن مسير الحرب في افغانستان وتطورها وعن مشكلاتها وسلبياتها لكن الأدهى ان انها استخدمت كلمة معينة ما كان يجرؤ أحد على استخدامها، بل انهم يرمزون اليها في ادبيات السياسة الاميركية بعبارة «الكلمة ميم» وهي كلمة «مستنقع» واصل الحكاية ان الكلمة تشير الى معارك فيتنام التي تورطت فيها القوات الاميركية الى حيث بؤس الهزيمة والانكسار في أوحال الادغال في جنوب شرقي اسيا فلا كانت قادرة على التقدم ولا كان بوسعها التعجيل بالانسحاب، ومن ثم اصطنعوا مصطلح «المستنقع» الفيتنامي الذي أصاب الوجدان القومي الاميركي بعقدة مازالت مستعصية وما برحت كلمة مستنقع تدل عليها وتعيد ذكرياتها المفعمة بالمرارة وتنكأ الجروح القديمة التي لما تلتئم بعد كل هذا العدد من السنين. ها هي «نيوزويك» تعود لتضع الملح من جديد على جرح فيتنام القديم حين تتحدث عن المستنقع «كواجماير» مما قد يهدد، وربما يزلزل الروح المعنوية، لقوات أميركا في افغانستان. لهذا كان السؤال الأول الذي طرحه جورج بوش على مستشارته كوندوليزا: ما الأخبار؟ كان الرئيس قد وصل الى قاعة المعاهدات التي يجتمعون فيها، القاعة كانت خالية في ذلك الصباح الملبد بغيوم الاحتمالات، مازال الرئيس يرتدي سترته الرياضية، بعد ان انجز تمارين الرياضة واللياقة الصباحية. اجابت كوندوليزا في اقتضاب: الجنوب جاف والشمال لا يشهد تقدما. ـ ونحن؟ ـ قصفنا كل شيء أي شيء تصورناه يستحق الضرب أو القصف، ومع ذلك فلم نكد نحقق شيئا. جلس الرئيس الأميركي على أقرب مقعد ربما تلفت من حوله يجيل ناظريه في ارجاء المكان ربما استدعى ذكريات الاحداث التي شهدتها قائمة المعاهدات منذ عقود خلت من الزمن ولم يكن جورج بوش سعيدا بهذا كله، انه يدري كيف شهدت قاعة المعاهدات في البيت الأبيض، ومنذ 35 إلى اربعين عاما، الرئيسين كيندي وجونسون وقد تعين عليهما مواجهة النوعية نفسها من النتائج والمعلومات: كانت فيتنام هي المثل أو الامثولة، كانت السابقة في سجل الورطات العسكرية التي صادفتها وكابدتها أكبر قوة عسكرية في هذا العصر. ربما لهذا السبب تعمد الرئيس ان يعقد اجتماعه التالي بعيدا عن قاعة المعاهدات التأم الاجتماع في قاعة «تقدير الموقف» رغم قلة خبرته ومحدودية ثقافته، فقد كان يدري ولا شك انه المسئول رقم واحد عن الهزيمة أو الانتصار وقد عبر عن هذا الموقف في حواره مع مؤلف الكتاب قائلا: شوف، أولا وقبل كل شيء، ينبغي للرئيس ان يكون بمثابة الكالسيوم بالنسبة للعظم، اذا ما ضعف الرئيس يسري الضعف في مجموعة العمل بأكملها. لهذا دخل الرئيس قاعة تقدير الموقف مصمما على ان يحارب في فريق المعاونين أي اصابة بهشاشة العظام، بادر بابلاغهم تفاصيل مكالمة هاتفية كان قد فرغ منها لتوه مع الامير عبدالله ولي عهد السعودية، قال بوش: ذكر ولي عهد السعودية انه لا ينبغي لنا ان نواصل الضرب خلال شهر رمضان (وكان سيبدأ بعد أسابيع قليلة) ولسوف أكتب له رسالة تقول اننا سنواصل مانحن فيه لأن القاعدة ما برحت تهدد الولايات المتحدة ولسوف يواصلون القتال سواء ضربنا أم توقفنا هذا هو قرارنا في نهاية المطاف. في الاجتماع نفسه أثارت كوندوليزا رايس قضايا الدعاية وخاصة بالنسبة للمعونات التي تقدمها واشنطن الى افغانستان، قالت: نحن بحاجة الى عقد اجتماع شامل يهدف الى اضفاء طابع الدراما على المساعدات الإنسانية. كانت تشير بالطبع الى دور الصحافة والميديا وربما كانت تعمد الى تذكير الرئيس بانتقادات «واشنطن بوست» ناهيك عن حكاية المصطلح «ميم» الذي استخدمته «نيوزويك» بجلالة قدرها كي تنكأ من خلاله ـ وكأنه سيخ من حديد التاريخ ـ جراحات فيتنام وربما أراد الرئيس ان يؤكد لمعاونيه انه مازال صامدا ـ أراد ان يؤكد نظرية الكلسيوم الرئاسي التي يؤمن بها توقيا لاصابة الفريق ـ الرئاسي ايضا ـ بمرض لين العظام. و، هكذا تكلم جورج دبليو بوش قال في الاجتماع: - شوفوا، نحن ندخل الآن مرحلة صعبة، وعلينا ان نتذرع بالصبر، لم يمض على العمليات سوى 19 يوما فاثبتوا واصمدوا ولا تسمحوا للصحافة ان تفرق صفوفنا، سوف نواصل الضرب في رمضان وسوف نحقق نتائج. يوضح المؤلف كيف كان لهذه العبارات وقعها القوي في دعم ثقة المعاونين المجتمعين، عاد كل منهم الى دائرة اختصاصه بشحنة من الثقة والعزيمة. تينيت مدير المخابرات عاد الى لانجلي ليقول لمعاونيه: كدت أقف لاهتف بحياة الرئيس في ذلك الاجتماع. كوندوليزا رايس عادت الى مكتبها بالبيت الأبيض لتقول: كان تلك واحدة من أقوى اللحظات في اجتماعات الرئيس. عاد رامسفيلد الى البنتاغون ليقول للمساعدين: كانت عزيمة الرئيس قوية. في هذا اليوم بالذات كان كولن باول هو الذي عاد وقد استبد به القلق لا يزال حول مسير الامور في افغانستان، وكان يردد لنفسه ربما من باب التسرية أو التمني: لم ندخل في أوحال «الميم»، المستنقع بعد. في ذات المساء، اذاعت شبكة «سي. بي. اس» مقابلة مع الجنرال برويز مشرف رئيس باكستان صديقهم كما يصفه مؤلف الكتاب في سياق الحديث بادره المذيع بيتر جننجتز بسؤال مباغت عما اذا كانت الولايات المتحدة تواجه مستنقعا (في افغانستان)؟ رد الرئيس مشرف في تحديد وايجاز: نعم قد يكون مستنقعا.