الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 في الثالث والعشرين من فبراير عام 1999، اندمج انهياران ثلجيان فوق بلدة غالتور النمساوية. وتدفق ما يقارب 350 ألف طن من الثلج باتجاه اسفل الجبل فوق القرية بسرعة 300 كيلومتر في الساعة واقتحم مركز القرية، حيث كان الاطفال يلعبون في الشارع، وتوقف على بعد مسافة قصيرة من احد معالمها البارزة وكانت حصيلة ذلك الحادث وفاة واحد وثلاثين شخصا ووقوع اضرار قدرت بألوف الجنيهات الاسترلينية. ويتذكر احد الناجين الرعب الذي اصابه عندما اندفع الثلج نحوه وتوقف على بعد مسافة قصيرة من فندقه، حيث يقول: «اندفعت هذه السحابة الهائلة من الثلج نحونا مثل محدلة بخارية. ولقد رأيتها ترتفع 50 مترا في الهواء. الناس يعتقدون ان بامكانهم ان يسبقوا الانهيار الثلجي، ولكنهم لا يستطيعون ذلك، فالامر اشبه ما يكون بمحاولة تجاوز سرعة سيارة متحركة. وشعرت انني انظر الى غسالة دائرة، ولكن حالما توقف الثلج عن الحركة، استقر مثل الاسمنت وكان من الصعب المساعدة في اخراج الناجين». وبعد حادثة غالتور، قام خبراء الانهيارات الثلجية بتأمل النماذج والحسابات لمعرفة ما اذا كان بمقدورهم تجنب المأساة بصورة او بأخرى، ولكن الانهيارات الثلجية من المشهور عنها انها من الامور التي يصعب التنبؤ بها. وحتى في العام الذي يشهد معدلات طبيعية في تساقط الثلوج، فان اكثر من مليون حادثة انهيار ثلجي تحدث على مستوى العالم، وتكون نسبة الوفيات لدى الأشخاص الذين يعلقون في هذه الانهيارات والذين يقارب عددهم المئتين عشرة في المئة تقريبا. وكان شتاء عام 1988/1999 أقسى شتاء يمر على أوروبا من حيث غزارة الثلوج منذ 50 عاما. ولكن هذا النوع من العواصف الثلجية الاستثنائية لا يتسبب في حدوث غالبية حالات الوفاة في حوادث الانهيارات الثلجية. فالمتزلجون المهرة والذين يقودون عربات الثلج والمتسلقون للجبال هم اكثر المتسببين بحدوث انهيارات ثلجية نظرا لأنهم يقومون باستكشاف منحدرات بكر. ولا تحدث الانهيارات الثلجية كثيرا في منتجعات التزلج القائمة لأن الفرق تذهب مبكرا لفحص منحدرات التزلج وتزرع متفجرات لاحداث الانهيارات المحتملة قبل وصول الزبائن. ولاتزال هناك حاجة لا جراء المزيد من الدراسات لا من اجل التنبؤ بالانهيارات الثلجية التي تهدد قرى مثل غالتور فحسب وإنما ايضا من اجل التنبؤ بانهيارات تقع في اماكن نائية تفضلها مجموعات من المتزلجين. يعتبر الثلج معقدا. فمن لحظة مغادرته للسماء، يتغير شكله بصورة مستمرة. وتعتبر العوامل التي تحدد الصورة التي سينزل عليها او ما اذا كان سيسبب ظروفا خطرة، محيرة ودقيقة. و قد اثار موضوع التنبؤ بالانهيارات الثلجية اهتمام الفيزيائي دكتور فرانسوا لوشيه لأول مرة قبل ثلاث سنوات. ويقول بهذا الخصوص: «كنت في رحلة لجبال الألب ورأيت انهيارا ثلجيا ضخما تسبب فيه اثنان من المتزلجين على منحدر مقابل. بدأ الانهيار من على ارتفاع 200 متر فوق المتزلجين، واندفع الى الاسفل، فاجتاج المتزلجين وعبر القناة وتسلق الجانب الاخر وتوقف على بعد 100 متر من مكان وقوفي. وقد جر الانهيار الشابين الى اسفل المنحدر ثم الى اعلاه مجددا، ولكنهما نجيا من الموت باعجوبة. وزعما أنهما غير مسئولين عن الانهيار لأنه بدأ من فوقهم. وفي ذلك الوقت، لم اكن اعرف الكثير عن الانهيارات الثلجية، ولكنني شعرت ومنذ البداية بأنهم مخطئون. ولهذا قررت ان احاول فهم ما جرى». بدأ لوشيه العمل على فهم الافكار التي تفسر طريقة وقوع الانهيارات.. وخرج بنموذج بسيط قائم على ميكانيكيات التمزق. ويشرح الامر بقوله ان «النموذج يعتمد على حقيقة ان قطعة الورق التي تحتوي على شق يكون تمزيقها اسهل من الورقة الخالية من العيوب. والشق في الورقة مثل الشق في الثلج. وعندما فهم حقيقة ما جرى، بدأ لوشيه يحاول التنبؤ بالانهياراتا الثلجية. وبمساعدة اصدقاء له من منابت علمية مختلفة، قرر ان الخصائص الميكانيكية للثلج ينبغي قياسها قبل ان يتم استخدام نموذجه في التنبؤ، وتبين ان النهج الاحصائي هو نهج واعد اكثر من غيره. ويقول لوشيه: «كنا أول جماعة تثبت ان احجام الانهيارات الثلجية ليست موزعة بصورة عشوائية وانما منظمة فيما يسمى بتوزيع «ثابت الحجم». يتم تنفيذ بعض من احدث البحوث المتعلقة بالانهيارات الثلجية في أوروبا من قبل فرق في جرينوبل، التي توصف بأنها عاصمة الالب. وهناك حوالي 140 مركز مراقبة على الجبال المحيطة بجرينوبل، وتقع على ارتفاعات تتراوح بين 1500 متر و2000 متر فوق سطح البحر. وتؤخذ القراءات مرتين كل يوم من قبل فرق من خبراء الثلوج. ويقوم هؤلاء الخبراء بتسجيل حالة الغيوم والرياح ودرجة الحرارة وتساقط الثلوج وكثافة نوعية الثلوج الجديدة وكذلك الارتفاع الكلي للثلج عن الارض. وما اذا كان قد لوحظ اي انهيار منذ القراءة الاخيرة، ويتم اجراء مسوحات مرة واحدة في الاسبوع على الاقل لتقييم استقرار الغطاء الثلجي على الارض. وتؤخذ العينات باستخدام اداة اسطوانية، حيث يتم دراسة طبقات الثلج المتعددة بدقة من خلال فحص طريقة تماسكها وشكل بلوراتها. ومن المواقع الرئيسية في جبال الالب مختبر كول دي بورت في جبال تشارتروز التي ترتفع 1340 مترا عن سطح البحر. وفي مواقع اخرى مثل كول دي لاك بلانك التي ترتفع 2700 متر عن سطح البحر، يتم استخدام مجسات رصدية لدراسة الطريقة التي تنقل بها الرياح الثلوج. وهناك ايضا شبكة تتألف من 20 محطة اوتوماتيكية تقع على ارتفاع ما بين 1600 و3100 متر، تعطي رسوما بيانية للمعلومات حول الرياح ودرجة الحرارة وارتفاع الثلج في مواقع تكون المراقبة البشرية المعتادة أمرا صعبا. وتندمج المعلومات التي تجمع من المحطات المختلفة ومراكز الرصد لتشكل اساسا لنشرة يومية عند مخاطر حدوث انهيارات ثلجية توزع على جميع منتجعات التزلج في فرنسا. وهناك نشرات مثيلة لها في دول أوروبية اخرى واجزاء من أميركا وكندا.