الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 يندفع نهر سوانسون بمسار متعرج بين اشجار الراتينغ الكثيفة ويمر امام مجمعات التخييم ودروب التنزه في ألاسكا. الدببة البنية تجوس عبر الادغال، في حين يخوض السياح على متن الزوارق الصغيرة في النهر كل صيف لرؤية الحياة البرية المحببة الى قلوبهم. لكن وسط تلك المناظر الخلابة الهادئة في محمية كيناي الطبيعية، تبزغ من بين الاشجار آليات تسحب النفط الخام والغاز الطبيعي من باطن الارض. اثارت خطة ادارة بوش للتنقيب عن النفط في ملاذ طبيعي آخر في ولاية الاسكا ـ المحمية القطبية الوطنية للحياة البرية ـ جدلاً واسعاً ومحتدماً حتى انها اوقفت العمل بقوانين الطاقة الوطنية. لكن هنا في الاراضي الخفيضة التي تتناثر فيها البحيرات في شبه جزيرة كيناي، خارج بقعة الضوء السياسية، فإن ابار النفط تواصل عملها منذ الخمسينيات. ويرى انصار خطة استثمار النفط في المحمية القطبية الوطنية «انور» ان تجربة كيناي في تنمية صناعة النفط يمكن ان تتعايش مع الطبيعة. ويقول مشرف العمال دوك هلتون الذي يعمل في حقل نفط نهر سوانسون ويعيش مع زوجته في المحمية مع مختلف انواع المخلوقات البرية: انا مغرم بالعمل والمياه هنا «تزورنا الذئاب والسنانير الجميلة في حديقة المنزل، ونحن نستمتع بمنظر الشفق القطبي الخلاب في الشتاء». لكن خبراء البيئة يقولون ان تجربة كيناي تقدم دليلاً على انه لا مكان لصناعة النفط في المحمية القطبية وهي تذكرنا بتاريخ رهيب في التسربات ومتاهة من الانابيب المتصدعة ودراسات اخطار التلوث. ويقول بوب شافلسون المدير التنفيذي لمنظمة «كوك انليت كيبر» البيئية: «لمعرفة حقيقة الامر لا يحتاج المرء لاكثر من النظر في تقييم اخطار الملوثات الذي اجراه علماء احياء، من الادارة الفدرالية للاسماك والحياة البرية. ويتضمن التقرير الذي يقع في 123 صفحة ونشر العام الماضي بياناً مفصلاً مصدراً لحوادث التلوث التي وقعت على مدار السنين في المنطقة، ويقول شافلسون ان مضمون الوثيقة يوجه اتهاماً شديداً لنشاطات صناعة النفط في المحمية. ان كميات النفط في محمية كيناي تعتبر ضئيلة للغاية بالمقارنة مع مليارات البراميل الموجودة في احتياطيات النفط في السفح الشمالي والثروات الكامنة المحتملة في المحمية القطبية. ويقدر الخبراء حجم احتياطي النفط الموجود في المحمية القطبية الواقعة في شمال غربي الاسكا بـ 16 مليار برميل، وهو ما يعادل ما تستورده الولايات المتحدة من النفط الخام في الدول الاجنبية في خمس سنوات ولكن المحمية في الوقت ذاته تأوي الدب القطبي والرنّة واشكالاً من الحياة البرية، وهو ما جعلها نقطة جوهرية لجمع المعارضة البيئية. وهذا ايضاً موضع قواسم مشتركة مع المحمية القطبية. ويقول جيم هول، نائب مدير محمية كيناي: «المعركة الدائرة الآن حول المحمية القطبية دارت هنا في الخمسينيات وكان النصر فيها لصناعة النفط على المحمية الطبيعية التي عانت الكثير جراء تلك الهزيمة. لكن في المقابل فإن النشاط النفطي ساهم في تعزيز السياحة والاستجمام في بعض النواحي. فالطرق التي شقتها صناعة النفط تستخدم الآن للوصول إلى مجمعات التخييم ودروب التنزه ومركز ابحاث الظباء ومركز تعليمي في الهواء الطلق. ويقول هول: «ما كان لتلك التسهيلات والمنشآت ان توجد لولا صناعة النفط». تغطي صناعة النفط حيزاً صغيراً فقط من محمية كيناي، وهذا ما سيكون عليه الوضع في المحمية القطبية في حال ثم تنفيذ خطة ادارة بوش. تمتد محمية كيناي على مساحة 19 مليون فدان من حقول الجليد الشاهقة الى شواطيء الماء المالح وتضم جبالاً وعرة وغابات كثيفة وبحيرات غنية بالاسماك. وتغطي حقول النفط والغاز نسبة 1 بالمئة فقط من تلك المساحة. وكذلك ففي المحمية القطبية التي تبلغ مساحتها 19 مليون فدان، يجري الحديث عن الحفر في سهل ساحلي بمساحة 15 مليون فدان فقط. لكن الغابة الشمالية في محمية كيناي اكثر مرونة وتحملاً بكثير من السهول الجرداء في المحمية القطبية، حيث يقول هول: «ان الشفاء الايكولوجي الذي يستغرق 10 اعوام هنا ربما يستغرق مئات، إذ لم نقل آلاف السنين هناك. ولاتزال آثار حوادث التسربات النفطية واضحة على الحياة البرية في محمية كيناي الى الآن. وتظهر دراسات ادارة الاسماك والحياة البرية ارتفاع معدلات التشوهات الخلقية في الضفادع التي تعيش في برك الماء في منطقة حقول النفط. كما اظهرت دراسة على اسماك السلمون الوردي التي لاتزال تعاني من آثار تسرب «إكسون فالديز» في عام 1989 ان النفط اكثر سمية على الاسماك اليافعة بمئة مرة مما كان يعتقد في السابق وأن الملوثات النفطية الخطرة تبقى مؤثرة لسنوات أطول بكثير مما كان يعتقد. ومع اقتراب نضوب مخزون النفط في حقول كيناي تقترب صناعة النفط في المحمية من نهايتها. ويقدر البعض ان حقل نهر سوانسون سيجف في غضون خمس الى ست سنوات. لكن مستقبل انتاج الغاز في المنطقة يبدو مضموناً خصوصاً بعد اكتشاف حقول جديدة واعدة في كيناي. ويقول نوي ماتسون، الناطق باسم منظمة «الدفاع عن الحياة البرية» ان ادارة بوش التي لم تستطع حتى الآن الاستيلاء على المحمية القطبية بدأت تحاول الانسلال الى مناطق برية اخرى تستحق الحماية هي الاخرى. علي محمد