الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 قبل ملايين عديدة من السنين، تجمع قطيع من الحيوانات الثديية العملاقة في مساء أحد الايام على ضفة احد الانهار العريضة في واد يمر عبر ما يعرف الآن بباكستان. كانت الديناصورات قد انقرضت منذ فترة طويلة، والحيوانات الثديية الضخمة هائمة ترعى أوراق الشجر في الغابة المطرية الخضراء، وتبقي على تجمعها من اجل سلامتها ولكنها كانت محمية من الحيوانات المفترسة بحجمها الضخم. وفوق قمم الاشجار، كانت قرود الليمور والسناجب الطيارة تنتقل من مكان لآخر في الجو الحار والرطب، بينما كانت سلاحف عملاقة تبحر في النهر. وفجأة، انقضت تماسيح كل منها بطول 10 امتار كانت تختبيء تحت سطح الماء على القطيع، جارة الحيوانات العاشبة العملاقة تحت الماء. كان الصراع قصيراً، وانتهى باستسلام الثدييات العملاقة للتماسيح. ومع مرور السنين، تغطت عظامها المرمية بالطمي الذي ترسب بفعل النهر. وقد حماها الطمي من الهواء والضوء والحيوانات المفترسة والقمامة. مما ادى الى تحجرها في النهاية. وهناك ظلت مدفونة تحت الترسبات الطينية مع الاستبدال التدريجي للغابات بصحراء جافة حارقة وجفاف مياه النهر. والآن، بعد انقضاء 28 مليون سنة، ينحني فريق من علماء المستحاثات الفرنسيين من متحف التاريخ الطبيعي في باريس وكلية العلوم في جامعة مونتبليير ـ ينحنون في الوادي نفسه، الذي اصبح مقفرا واجرد، ليضعوا اللمسات الأخير على الهيكل العظمى بالحجم الطبيعي الذي شكلوه من العظام المتحجرة لذلك القطيع. ورسم الفريق خطاً من الجص الابيض حول العظام لابراز شكلها وهناك شيء طفولي بشأن الصورة المكتملة للحيوان الثديي، الذي يشبه وحيد قرن ولكن ارفع وبلا قرن. ولابد وان ذلك المخلوق الذي يعلو إلى ارتفاع خمسة امتار كان يصل طوله من الانف حتى الذنب تسعة امتار ويزن حوالي20 الف كيلو غرام، أي اربعة اضعاف وزن الفيل. وفي مكان قريب، كان زعماء قبيلة بوغتي، الذين يقطنون هذه المنطقة من باكستان، والذين اقسموا على حماية علماء المستحاثات، يرقبون ما يجري بفضول كبير. كانت المستحاثات الخاصة بهذه الثدييات البرية العملاقة المعروفة باسم بالوشذيريوم قد اكتشفت لأول مرة هنا في عام 1908 عندما قاد دكتور كلايف فورستر كوبر، وهو عالم مستحاثات بريطاني، حملة استكشاف الى سفوح التلال في بوغتي. وقد تم ايضا العثور على مستحاثات قليلة في منغوليا وشمالي الصين. وتمتد منطقة بوغتي على طول صدع شامان الذي يفصل الحصيفتين القاريتين ا لآسيوية والهندية. ويسود الاعتقاد بأن الثدييات، قبل 35 مليون سنة، ربما انتشرت في باكستان باستخدام جسور برية كانت تربط بين شبه القارة الهندية وباقي قارة آسيا عندما بدأت جبال الهيمالايا بالبروز لأول مرة. والمنطقة برمتها غنية جداً بالأحافير (المستحاثات) حيث ان المناخ الاستوائي الحار الذي ساد في حينه جعل الطبقة الترسبية ملائمة للتحجر. أثارت المستحاثات المكتشفة من حملة عام 1912 اهتمام جان لوب ولكوم، وهو باحث في علم المستحاثات بجامعة مونتبليير ورئيس الفريق ويقول بهذا الخصوص: «بدت العظام وكأنها تخص فترات زمنية ومناطق جيولوجية متباينة تماما، ومع ذلك لم يكن أحد قادرا على اثبات هذا الأمر. والطريقة الوحيدة لفهمها كانت تقضي بالذهاب الى الموقع والقيام بالحفر هناك باستخدام القياسات العلمية الدقيقة، ولكن عدم الاستقرار السياسي في المنطقة منذ عام 1914 جعل من الصعب جداً على علماء المستحاثات ان يعملوا هناك. وفي عام 1994، حصل ولكوم على الفرصة التي كان ينتظرها. فبفضل الصلات الدبلوماسية لصديق باكستاني، استطاع ان يلتقي برئيس السلطات المحلية في بوغتي. وطلب ترخيصاً بجمع المستحاثات واستكشاف الطبقات الجيولوجية في منطقة بوغتي الواقعة في اقليم بلوشستان في باكستان، وهذه المنطقة لا تخضع للسيطرة الحكومية الباكستانية وهي مكان خطير لا حكم للقانون فيه. ولكن حاكم بوغتي نواب محمد اكبر خان بوغتي وهو مفاوض سياسي متعلم في اكسفورد، كان مهتماً بشكل كبير بالبحث الذي اقترحه ولكوم عليه. فاجتمع بزعماء قبيلة بوغتي وبعد نقاش مستفيض، وافقوا على مد يد الصداقة والحماية لعلماء المستحاثات. وكانت تلك هي المرة الاولى التي يقدم فيها مثل هذا الشيء لفريق اوروبي، ولم يكن ذلك بالقرار السهل وذلك لان افراد قبيلة بوغتي يتولون المسئولية كاملة عن ضيوفهم فاذا ما تعرض احد منهم للاذى وهو في حمايتهم فإنهم يسعون الى الانتقام له وكأنه واحد منهم. ولهذا، فقد كان هناك حراس مسلحون يقومون على حراسة العلماء طوال الوقت ويقول ولكوم ان منطقة بوغتي معروفة باعتبارها موطنا لاقدم المستحاثات الشبيهة بالمستودون «حيوان بائد شبيه بالفيل» واطلع افراد قبيلة بوغتي الفريق على أكثر المناطق الواعدة بالنسبة لاكتشاف المستحاثات وخلال الاعوام الستة التالية، بدأوا تدريجيا بالتنقيب في مناطق مختلفة وبالاجمال عملوا الآن في 40 موقعاً مختلفا للمستحاثات المنتشرة على مسافة 40 كيلومترا من اراضي بوغتي، واكثر هذه المواقع غنى هو موقع «لوندو تشور» في الجنوب وكان يصعب الوصول الى هذا الموقع، ويقول ولكوم بهذا الخصوص بعد الكثير من البحث وبمساعدة من السكان المحليين، وصلنا الى الثقب المائي في لوندو، وهي خطوة مهمة جداً لدى القيام بالبحث في الصحراء، ولم يمض على تنقيبنا سوى بضعة ايام حتى اكتشفنا عظمة رسغ كاملة لحيوان بالوشذيريوم بالقرب من مخيمنا الاساسي. كانت ظروف الطقس جافة، فدرجة الحرارة في النهار كانت تصل الى 52 درجة مئوية في الظل، ولهذا فإنه ما كان بوسع علماء المستحاثات ان يعملوا سوى في ساعات الصباح الباكر او آخر العصر. وبينما كان العلماء يعملون، كان حراسهم من البوغتي ينتظرون بصبر تحت اشعة الشمس الحارقة وبنادقهم بأيديهم من اجل حراستهم وسرعان ما عثر فريق العلماء على شظايا عظام من قطيع مؤلف من حوالي 10 رؤوس يافعة. ويقول ولكوم: اعتمادا على دراساتنا للبقايا ولحيوانات المنطقة المحيطة، يمكننا القول ان الثدييات اليافعة ربما تم افتراسها من قبل تماسيح يصل طولها الى عشرة امتار قبل 28 مليون سنة، فنحن لم نجد اية احافير لاي حيوان مفترس قوي بما فيه الكفاية لكي يبطش بدواب ضخمة كهذه غير التماسيح في النهر. ضرار عمير