الاربعاء 21 شوال 1423 هـ الموافق 25 ديسمبر 2002 كما كان متوقعا وكما كتبت قبل اسبوعين. ما ان وصل الادارة الامريكية تقرير مراقبي الامم المتحدة وجرد السلاح الذاتي الذي رفعه العراقيون للامم المتحدة، حتى زحف الاصبع العجول نحو مفتاح الاشعال الاحمر. وبينما لا نزال منشغلين بمفاسد الليكود وبتحطيمات متسناع، في محاولة لتجنيد بعض الحماسة قبل الانتخابات، حثت امريكا استيطانها في منطقتنا، ووثقت الرقابة على خيار الدفاع الذاتي عندنا، وكأننا دولة مرعية من العالم الثالث، بدأت بارسال جنودها كي يشغلوا ويشرفوا على بطاريات الباتريوت. أما المواطن الاسرائيلي، الذي ينبغي له ان يكون قلقا من الخطوات الثقيلة للغوريلا العالمية، فلم يتبق له غير التعلل بالأمل في ألا تكون شعبة الاستخبارات والموساد الاسرائيليين قد غفتا في الحراسة وانهم عندنا لم يتراخوا في اتباع سياسة مستقلة تبغي مصلحة اسرائيل بدل السير الأعمى خلف الوعود العاتية الامريكية. بقدر كبير، وعلى الرغم من الرائحة الاستعمارية القوية التي تنم عن المعادلة، فان الحفاظ على بقائنا في منطقة معادية وكثيرة الأعداء، لا يختلف عن السيادة الامبريالية وعن احساس التعالي الذي جلب الولايات المتحدة الى جنوب فيتنام بذات العمل الفاشل والقاتل (58 ألف قتيل امريكي)، حيث هزمها وطردها الشيوعيون. بعد ثلاثين عاما من ذلك، وتحت قيادة رئيس هو الآخر، مثل لندون جونسون المسكين الذي فرضت عليه مهمة الزام بلاده في نزاع دموي لا أمل فيه، يمتشق مكسكاني مسدسه الذي يعتقد انه الأكثر اقناعا، وتدخلنا امريكا في تجربة لم يسبق لنا ان خضناها، عناق دب ممن يعرف أكثر منا ما الذي نحتاجه. والنتائج المباشرة لذلك هي الوجود الهائل للجنود الامريكيين في مدننا. فمن كان يصدق ان ارييل شارون بالذات هو الذي سيكون الزعيم الذي تحصل امريكا في عهده على موطيء قدم في اسرائيل. على الرغم من احساس الاحتلال المتنور ظاهرا، واخضاع المصالح الاسرائيلية الصرفة الى المصالح الامريكية، فان المطلب الامريكي، كما اصطدم به وزير الدفاع لدى زيارته الاخيرة الى واشنطن، هو ان تجلس اسرائيل مرة اخرى مكتوفة اليدين على الدبابيس المغروسة في مؤخرتها وتجعل مواطنيها ينفخون في كمامات الغاز على وجوههم، وتنتظر تطهير المنطقة الايرانية من وسائل اطلاق الصواريخ فيما هي تطفيء النيران في جبهتها الداخلية المدنية. وباستثناء حقيقة انه في وقت ما في المستقبل من شأن العراق ان يشكل تهديدا استراتيجيا لاسرائيل، فانه لا يوجد بين رغبة الثأر والاحتلال الامريكية وبين ما هو في مصلحتنا أي شيء يذكر. وكما عرفنا كيف نتصرف بدون مساعدة وضد موقف العالم في العام 1981 عندما قصفنا المفاعل العراقي، فانه يفترض بنا ان نحرص على أنفسنا مع قدوم الوقت. الشكل الفظ الذي تزيح فيه امريكا كل عقبة معارضة لحملتها الصليبية، التي تتضمن مؤشرات قوية لكراهية الآخر، المخيف، هو كل ما كانت تحتاج اسرائيل السيادية ان ترفض التماثل معه. فمن العجب ان تكون حكومة يمينية عزيزة وعدت بالسلام والأمن الشخصي، تدع صديقتها الكبرى تدفع المنطقة للتدهور نحو النقيض التام: حرب جوج وماجوج التي مع نتائجها المحملة بالكارثة ـ هكذا تترك امريكا حليفاتها في كل العالم ـ فاننا سنضطر الى العيش لسنوات طويلة بعد ان يعود جورج بوش الى مزرعته كي يهتز في الأرجوحة على الشرفة وسيجار بين شفتيه.ان الموافقة الغريبة من اسرائيل لمرابطة الجنود الامريكيين بين ظهرانينا، واستعداد الحكومة للسير على وتيرة طبول الحرب الامريكية تشير الى الظاهرة المهددة الأكثر خطرا التي تسجل في منطقتنا منذ عشرات السنين. الجنود ذاتهم الذين يفترض بهم ان يحموا سماءنا، هم الذين في المستقبل غير البعيد سيقررون عنا صيغة ونتائج المفاوضات مع الفلسطينيين. ليس هذا ما قصده بن غوريون عندما أعلن عن اقامة وطن للشعب اليهودي في شرق المتوسط. بقلم: رون مفراج _ عن «معاريف»