الاربعاء 21 شوال 1423 هـ الموافق 25 ديسمبر 2002 رحل آرثر سالزبرجر الابن «51 عاما» ناشر صحيفة «نيويورك تايمز» عن مدينة برشلونة الاسبانية، مؤخرا، حاملا معه جائزة «كونت برشلونة» العالمية التي تقدمها «مجموعة غودو» وقبل مغادرته دخل ناشر الصحيفة الأميركية ذائعة الانتشار مع صحيفة «لافانجوديا» الاسبانية في حوار مطول، قبل بضع ساعات من استلامه الجائزة التي تسلمها من العاهل الاسباني الملك خوان كارلوس. وفيما يلي نص الحوار: ـ ما هو الدور الذي يتعين على وسائل الاعلام ان تضطلع به في أوقات الازمة والحرب هذه؟ ـ دور وسائل الاعلام لا يتبدل، لأنه مهما كبرت او صغرت القضية، او علت او قلت اهميتها، تواصل وسائل الاعلام هذه لعب الدور نفسه. اذ من الممكن ان يتعلق الامر بقصة بيل كلينتون وفضائحه الجنسية في البيت الابيض، مع انها كانت قضية قليلة الدسم ولم تكن مهمة الى هذا الحد الذي ظهرت به ومع ذلك انتهت بدخول الرئيس الأميركي وقتها الى قفص المساءلة القانونية، حيث لم يجده مجلس الشيوخ مذنبا، لكنه واجه مساءلة قانونية شاقة، هكذا يأتي السؤال حول دور وسائل الاعلام الذي يكمن في نشر المعلومة التي تسمح للديمقراطية بالبقاء على قيد الحياة، التي تسمح للمواطنين باتخاذ القرارات التي يجب ان تتخذ في صناديق الاقتراع. وهذا يصبح اصعب بكثير في اوقات الحرب وفي اوقات الازمات القومية التي تمثل بعضها صعوبات تشريعية. اذ يقال في بلادنا، وافترض في اسبانيا ايضا، ان الصحف اليومية لا تنشر تحركات القوات، او اننا لن ننشر خبر سفينة مليئة بالجنود على وشك مغادرة ميناء نيويورك يوم الثلاثاء عند الساعة العاشرة صباحا، فنحن نبذل كل ما في وسعنا كي نكون متأكدين تماما من ان معلوماتنا متوازنة ومضبوطة وكاملة بقدر ما هي ممكنة. لكننا نكبح انفسنا امام كشف النقاب عن مسائل تتعلق بالأمن القومي. ـ كان سلاح الامن القومي مشهرا قبل اكثر من ثلاثين عاما بقليل، عندما قرر والدك، بنش سالزبرجر، ان ينشر بعض وثائق البنتاغون السرية حول الحرب الفيتنامية؟ ـ لقد ضربت مثالا جيدا. فوالدي اتخذ قرارا نقديا حينها، لأن ادارة نكسون قالت بشكل واضح انها تضر بالامن القومي. وقررنا المضي قدما ووجدنا انفسنا امام المحكمة العليا في الولايات المتحدة.. وانتصرنا. الآن يعرف العالم كله انه لم يكن للأمن القومي أي علاقة بذلك. وثمة مثال آخر يتعلق بصحيفة «شيكاغو تريبون» التي نشرت عام 1942 اننا كنا نفك الرموز السرية للاساطيل البحرية اليابانية، وهذا انتهاك واضح لضوابط الأمن القومي. واوشك روزفلت، الرئيس الاميركي حينها، على سجن من كان يتصدر فريق «التريبون»، لكنه كان متأكدا انه بقيامه بذلك، ستقتصر الفائدة الوحيدة على زيادة لفت الانتباه للقضية. ومن محاسن الصدف ان اليابانيين لم يقرأوا «التريبون» وبالتالي تمكنا من قراءة رموزهم التشفيرية طوال ما تبقى من الحرب، مما قدم للحلفاء ميزة عظيمة. وهذا يعني ان اي صحيفة بوسعها ارتكاب اخطاء، لكن على كل صحيفة ان تفكر جيدا في أوقات الأمن القومي. ـ لدى الحكومات دائما نية لتحويل وسائل الاعلام الى ادوات دعائية لا سيما في اوضاع الصراع حيث تقع بعض وسائل الاعلام هذه في تجربة اعادة انتاج ما هو اعلانات اتهامية صرفة لا أكثر ولا أقل. ـ تقوم الحكومات بالدور الذي يخصصه لها القانون عندما تقول: «هكذا نرى العالم». لذلك وجدت وسائل الاعلام نفسها في ضائقة في سنوات الخمسينيات مع مكارثي، عضو مجلس الشيوخ المجنون ذاك الذي نصب نفسه ليبلغنا عن عدد الشيوعيين الذين كانوا في وزارة الخارجية، والذي سافر عبر جميع ارجاء الولايات المتحدة قائلا: «انظروا، لدي قائمة مؤلفة من 56 شيوعيا في وزارة الخارجية». وقاد حركة مناهضة للشيوعية، كانت رهيبة بقدر ما كانت تخريبية. المشكلة هي اننا كنا نعطيه حيزا على صفحاتنا.. الم يكن عضو مجلس شيوخ ظهر في «وست فرجينيا» مطلقا اتهامات بلا أساس ووسائل الاعلام وجدت نفسها مغلولة اليدين لانها لم تكن مستعدة للذهاب الى ما هو ابعد مما قالته الحكومة. لقد كلفنا كثيرا، لكننا جميعا تعلمنا من تلك العبرة. ومع انه لابد من نشر ذلك، لأنه يشكل جزءا من العمل، لكن يتعين لاحقا الاستمرار والذهاب الى ما هو أبعد من الخبر لوضعه داخل سياق ما نعرفه بشكل حقيقي، داخل ما يعتقده الذين لا يتفقون مع عضو مجلس الشيوخ. وبالضبط بعد تلك الفترة، حدث تغيير هائل في وسائل الاعلام في الولايات المتحدة حيث بدأنا بالتأمل مع الكيفية التي كنا قد تصرفنا على أساسها. وبدا واضحا للعيان ان تلك الكيفية كانت سيئة زيادة عن اللازم. واعتبارا من ذلك الحين، اصبح لدينا تحليلات اكثر وما نسميه في «نيويورك تايمز» ما يقوله هو، لكن هنا ما نعرفه نحن ايضا. ـ ان تعرف في أوقات الحرب اصعب بكثير؟ ـ الحرب تعقد تلك الوظيفة. ذلك ان من واجب العسكريين حفظ الاسرار والتكتم عليها انه عملهم، وهو عمل جيد، وهذا ما يتعين عليهم ان يفعلوه، كما انهم يلتزمون، بذلك، بحقهم ومسئوليتهم. لكن عملنا يكمن في كشف الاسرار، وانه لعمل عظيم بلا شك. مع ذلك، يجب الا ننشر كل شيء، وهناك الكثير من الامور التي نعرفها ولم ننشرها في «النيويورك تايمز» وفي صحف اخرى، لكنها تتعلق بقرار بين ايدي الناشرين. وهكذا ينشأ الصراع، وهو صراع طبيعي وصحي بين الصحافيين، الذين يحاولون التحقق من اكبر كم، من المعلومات المتوفرة، والعسكريين الذين يحاولون الحيلولة دون ذلك. ومن الواضح ان هذا معقد اكثر بكثير في حرب من هذا النوع. فالحرب الفيتنامية هي الحرب التي حظيت بأكبر تغطية في تاريخ بلادنا. وحرب الخليج لم تكن كذلك وانما على العكس تماماً حيث كان من المستحيل تقريباً الحصول على المعلومة. وفي أفغانستان كان الأمر سهلاً. إذ أن مراسلينا إقتربوا من خطوط النار الأولى أكثر من العسكريين انفسهم. فثمة حالة توجه عسكري فيها الى احد مراسلينا ليعرب له عن تمنياته بأن يتمكن من الإقتراب بقدر اقتراب هذا المراسل، لكن كانت لديه أوامر بألا يفعل ذلك، بحيث أشك، في حال عدنا الى حرب الخليج ضد العراق، أن الحصول على المعلومة سيكون صعباً.. وهكذا سنضع مراسلينا في محيط الدائرة، ليكونوا مستعدين للحظة نشوء الأحداث.. إنه تحد نعم، لكن هذه هي حال مهنتنا. ـ بالنسبة للصحافيين هل ثمة فرق إذا كان في البيت الأبيض رئيس جمهوري أو ديمقراطي. ـ لا، في واقع الأمر لا يوجد فرق كبير. أعتقد أن ذلك يعتمد على ما إذا ما كان ديمقراطياً أم جمهورياً بدرجة أقل من طبيعة الرئيس نفسه، على سبيل المثال، عزل الرئيس بوش وادارته انفسهم في مستوى عال من السرية والكتمان وحفظ الأسرار منذ ما قبل الحادي عشر من سبتمبر. وجاء ذلك نتيجة قرار لنائب الرئيس بعدم إفشاء هوية من كان على اتصال بهم عندما وضع سياسة الطاقة. إنني لا أعتقد أن المسألة مرتبطة بأن يكون جمهورياً أو ديمقراطياً، وإنما بأن هذه الإدارة تؤثر الغرف المغلقة والتكتم على الأسرار.. وهي الأكبر على هذا الصعيد التي شاهدتها حتى الآن. وعلى عكس ذلك، كان كل شيء معروفا خلال إدارة كلينتون. لكني أجهل إذا ما أراد هو ذلك أم أن لأمر قد حدث على هذا النحو ببساطة. فالمسألة تعتمد على الشخص وليس على الحزب. إذا أن جمهورياً منفتحاً لديه إمكانيات متعددة للوجود بقدر ديمقراطي مغلق. لكل الإدارة الحالية تميل لاتخاذ القرارات بطريقة، لنقل أنها معزولة. ـ ثمة من يخشى من تصدع المعلومة الجيدة أمام كتل الوسطاء العملاقة أو من تقديم هذه المعلومة بطريقة مشوهة في المحصلة النهائية. ـ الناس قادرون على تصديق أي شيء، فمنهم من يعتقد بأن الشمس على وشك الإنفجار. وهناك مجموعات جيدة من الصحافيين وأخرى سيئة أيضا، ويوجد صحافيون مستغلون جيدون وآخرون سيئون وهذا لا يعتمد على عدد الصحف التي تنتمي إلى مجموعتك، بل على نوعية الصحافة، أو ليس الكبير منها شيئاً؟ أو ليس أية مؤسسة كبيرة سيئة؟ أوليس الحكومة الكبيرة سيئة بالضرورة؟ بعض الأشخاص يعتقدون بصحة ذلك، لكنهم لا يحللونه، بل يقفون عند حدود الإعتقاد بأنه كذلك.. بيد أنهم يطبقون القصة ذاتها على الصحافة. لذلك تعتبر هذه المسألة مزورة حيث لابد من تفحص الحالة تلو الأخرى ومن ثم التساؤل إذا كانت النتيجة أسوأ أم أفضل حسب بنيتها. ـ الأعمال الكبرى للصحف أو مجموعات الإتصالات لا تكمن حصرياً في المبيعات وعليها المراهنة على النوعية والمصداقية ايضاً، فهذه إحدى قواعد سلوكها الأساسية. ـ حسناً، حسناً.. أنا أؤمن أيضا بأنه لابد من بيع الكثير من النسخ والاعلانات. وهذه ليست فكرتي ولا فكرة أبي أو جدي. فلقد كان أدولف أوشس هو من إقتنى الـ «ذي نيويورك تايمز» عام 1896. وربما كان الأضعف من بين 12 أو 13 صحيفة ناطقة باللغة الانجليزية كانت موجودة في نيويورك حينها. وأول ما فعله بهذه الصحيفة ـ مع القرض ـ كان اضافة مجلة وقسم حول الكتب وقسم حول التجارة والأعمال. وهكذا بدأ ببناء صحيفة كبيرة، والباقي اصبح ينتمي للتاريخ. وأنا اسير على نهج اسلافي فقط، بزيادة النوعية لاسيما عندما تبتعد صحف كثيرة عن الصحافة الجيدة لأنهم يقدرون أن التكاليف باهظة زيادة عن اللازم، وخصوصاً ساعة إرسال مراسلين إلى الخارج الذي يزيد التداول. بهذا الشكل، نحن الصحيفة الأكثر تداولاً في الولايات المتحدة. ولقد نمى هذا التداول خلال الخمس سنوات الأخيرة في لحظة خبرت فيها معظم الصحف الإنحطاط. نعم، ان النوعية تسحق العناء. ـ بأي ترتيب: النوعية والمصداقية وفي الآخر التداول؟ ـ نعم، من نافل القول. لأنه إذا لم تمتلك شيئاً يمكنك بيعه، من سيشتريه منك؟ فالناس ماضون على عجلة من أمرهم ويتساءلون إذا كانوا يحتاجون هذه الصحيفة حقاً. لذلك من الأفضل بمكان تدليل النوعية والبحث عن الطريقة الملائمة لوصولها إلى الناس. ـ إحدى التحديات بالنسبة لوسائل الاعلام هو استمالة الشباب. ـ نعم، إنه موضوع ذو أهمية خاصة. وبوسعي أن اوضح لك حالتنا حيث نتصرف على أساس ثلاثة أشياء. الشيء الأول والأهم هو الصحافة بدون شك، فكل شيء يبدأ بالصحافة دائماً حيث يتعين عليك التأكد من كون المديرين هم أنسب الأشخاص ومن أن يكونوا واعين بالتغيرات عموماً وبالتغيرات المرتبطة بالأخبار وبالقراء على وجه الخصوص. الشيء الثاني يتمثل في أننا ذاهبون بإتجاه وسائل إتصال جديدة. وأنا لا أشير إلى الانترنت فقط، بل إلى التلفزيون والراديو أيضا. بهذا الشكل بوسعنا نقل الصحافة المطبوعة لـ «نيويورك تايمز» إلى وسائل أخرى. الشيء الثالث يكمن في أننا لم نعد نستطيع ان نقلق بسبب كيفية اقتراب الناس منا. فإذا رغبوا بصحافة لـ «نيويورك تايمز» في الانترنت أو في التلفزيون بعيداً عن النسخة المطبوعة فنحن نقبل بذلك. هذا يعني تغييرا عظيماً في اسلوبنا بالتفكير، حيث انتقلنا من الاستراتيجية التي كانت تقوم على نمو الصحيفة الى استراتيجية اخرى تقوم على نمو الجمهور.. والجمهور لن يرغب دائما بالاقتراب من صحيفتك. ولقد كلفنا الوصول الى هذه النقطة الكثير لكننا مستعدون الآن. الـ «نيويورك تايمز» موجودة في سلسلة على الـ «كيبل» ولديها طبعة رقمية هي الأكبر في العالم، وانتهت للتو من اقتناء «انترناشونال هيرالد تربيون» وربما تفعل شيئاً اضافيا في عالم الراديو خلال الاسابيع المقبلة، ونحن نبحث بشكل ثابت، عن الوسائل المتاحة التي تمكن الناس من الإقتراب منا. ـ لقد راهنت الـ «نيويورك تايمز» على توسيع نطاق تأثيرها ليس عبر جميع انحاء الولايات المتحدة فقط، وإنما عبر جميع أنحاء العالم كذلك. لماذا يقال إنها لن تكون سوى صحيفة الـ «نيويوركيين»؟ ـ إن المسألة معقدة أكثر من ذلك بقليل في الواقع. في الستينيات وأوائل السبعينيات، تحققنا من ان الكثير من قرائنا قد تركوا المدينة، وانتقلوا إلى أحياء بعيدة عن وسطها مثل نيوجرسي، وكان والدي هو من اتخذ القرار بإعادة هيكلة الصحيفة بحيث تحولت من قسمين إلى أربعة اقسام.. وتمددت الى الضواحي. كان قراراً حاسماً عمل بسبب الحظ. وفي مرحلة متقدمة أكثر، في سنوات الثمانينيات، بدأنا نطبع بعيداً عن نيويورك، وبدأنا من شيكاغو، لكننا لم نتبين استراتيجية وطنية حتى قبل ثمانية اعوام فقط. أعدنا بناء الصحيفة واضفنا اللون وانشأنا سبعة أقسام يومية وبدأنا بالانطلاق إلى النسخة الوطنية، لكن ليس بالنسبة للطباعة فقط، وإنما بالنسبة للنشر والدعم المالي ايضا. والآن 50 بالمئة من صحفنا بعيدة عن منطقة «نيويورك» وهكذا اصبحنا اليوم صحيفة وطنية بشكل حقيقي. وفي متناول يدنا الدعم المالي اللازم، وهو شيء اساسي لأن أي صحيفة كبيرة لاتستطيع الوجود بدون توليد فوائد. ـ ماذا عن توسعكم العالمي؟ ـ لازلنا لا نعرف ما نريد فعله. ومن الواضح أن الـ «نيويورك تايمز» اصبحت متوفرة في جميع أرجاء المعمورة عن طريق الانترنت. وعشرون بالمئة ممن راجعوا طبعتنا الرقمية حول الحادي عشر من سبتمبر، فعلوا ذلك من خارج الولايات المتحدة. انها كمية هائلة، ملايين الاشخاص. ونحن نفكر بالتقدم بحذر وهناك عمل كثير يتطلب الإنجاز والكثير للبحث والكثير من الفهم قبل تبني سياسة هجومية في الخارج. ـ لقد ارتبط الاعلام المستقل عموما بعائلات كبيرة في عالم الاتصال، كانت قادرة حتى على التخلي عن الفوائد كي تزدهر المعلومة. هذه هي حالة آل أوشس سالزبرج في الـ «نيويورك تايمز» أو آل جراهام في «واشنطن بوست» أو آل بريكروفت في «وول ستريت جورنال» أو عائلة غودو في «لافانجوارديا» ما هي المخاطر التي تعتقد أنها تحقق بهذا النموذج الصحافي والاستثماري؟ ـ أي اخطار؟ إنني لا أرى اكثر من فرص، فرص رائعة، وما من نموذج استثماري تام. لكن هذا النموذج سوف يتواصل نجاحه طالما تظل العائلة موحدة وتؤمن برسالتها. اما عندما يفشل هذا، فيجب تغيير النموذج وذلك ما حدث في حالات عديدة. يخطر ببالي حالة عائلة شاندلر في «لوس انغلوس» التي باعت «لوس انغلوس تايمز» وصحف اخرى مثل «نيوزدي» أو «تريبيان» اللتان لا تتولاهما عائلة. «وول ستريت جورنال» شركة تنتمي لعائلة، لكن أي من أفرادها لا يعمل فيها ثمة نماذج مختلفة. ـ لقد كنت مراسلاً في لندن وفي واشنطن وعملت في جميع ميادين الـ «نيويورك تايمز» تقريباً، بدءاً بقسمها المحلي حتى قسم النشر. والان تتولى رئاسة الشركة وأنت ناشر الصحيفة. ماهي الدروس التي تعلمتها أو تستطيع تقديمها؟ ـ انني اكثر شبابا من ان اعطى دروسا لاحد عن الحياة ذلك اني لم اتناول الامر بهذه الصورة ابدا لكن حسنا، اولا: احب ما تفعله واذا كان لا يعجبك فانك لن تقوم به بشكل جيد ابدا وانا كنت محظوظا لان الكتابة والصحافة اسعدتاني وعندما تحولت الى النشر اعتقدت انه ما كان ليروق لي، وقررت تجربته اما القول بانه لم يعجبني فلقد كان من اجل العودة الى التحرير ومتابعة مسيرتي الصحافية عوضا عن الاستمرار في الميدان التجاري، لكني انتهيت الى الاعجاب بالنشر وقدم لي دون جراهام، ناشر «الواشنطن بوست» هذه النصيحة عندما كنت مراسلا في واشنطن: «ابق في المواقع الاقل انخفاضا اطول وقت ممكن!» وقال انه يتعين فهم جميع الآليات بدءا من الاسفل: في التحرير وفي الانتاج والنشر واعتقد انها كانت نصيحة حسنة وارغب بالاعتقاد اني اخذت بها لان الصحافة لا تخشى توجيه الاسئلة. انها مذهلة اعداد الناس التي تخشى توجيه الاسئلة مع انك بهذه الصورة تقدم نفسك في عملية الانتاج وتدرك ما الذي تعرفه عن الدوائر الصحافية ذلك انك تنتهي الى صنع ملايين الاسئلة وتكتشف ان الناس يسعدون بشرح ما تقوم بفعله وهم فخورون بما يفعلون واذا اضيفت لهذا قدرتنا ساعة تنقية المعلومة فانها تزودك بكفاءة كبيرة تسمح لك بالتعلم. ـ ماذا عن المستقبل؟ ـ نحن نمتلك تحت تصرفنا اساليب اضافية لتوزيع المعلومة بشكل متزايد. اذا انحصر الهدف في حماية ما اصبحنا نمتلكه فاننا سوف نخسر لانك تخسر عندما تلعب بالدفاع فقط واذا ركزت على الصحيفة فقط فذلك يعني انك لا تركز على التلفزيون او الانترنت ونحن نقول لجميع صحفنا او محطاتنا الاذاعية او التلفزيونية ابحثوا عن شركاء على سبيل المثال، انتهينا في بوسطن من شراء حصة في «ريد سوكس» الذي هو فريق كرة سلة وجاءت مع هذه الحصة سلسلة عبر «الكيبل» وبوسع «البوسطن غلوب» التفكير الآن بنشر اخبار عبر «الكيبل» هذا هو المثال الذي يجب ان تحذو حذوه جميع شركاتنا حيث تصل بذلك الى النطاق العريض وهذا يعني انه يتعين معرفة كيفية الانتصار على الورق وعلى الانترنت وفي التلفزيون ايضا. لانه اذا لم تجمع الثلاثة معا سوف تفشل في المدى البعيد ومع ذلك فان قاعدة كل شيء هي الصحافة. ـ هل يمكن تعايش الطبعة الورقية مع الطبعة الرقمية؟ ـ لم يتبق لنا خيار آخر. عندما بدأنا بالطبعة الرقمية فعلنا ذلك لانه لم يكن امامنا من خيار كنا مكبلين وكان سيسرق منا قراء الدعامة الورقية لانها باهظة الثمن ولان ما هو رقمي مجاني، مجانا! ما الذي حدث حقا؟ الطبعة الرقمية ثاني اكبر مصدر (بعد المكالمات الهاتفية) للمشتركين الجدد انهم «يتذوقننا» على الشبكة ويعجبهم وينتهون الى الاشتراك بالدعامة الورقية ويعطوننا رقم بطاقة الائتمان، اي انهم يقفون الى جانبك ولا يتعين عليهم تجديد اشتراكهم كل ستة اشهر. ـ لكن كل ما هو مجاني ينتهي بأن يصبح مدفوعا؟ ـ يتبدل النموذج بشكل مستمر والنمو الاكبر الذي يسجل في الولايات المتحدة هو في السلسلات «الدفع لكل مشاهدة وثمة سلسلات تدمر في هذا المجال من جانب آخر لا يعمل هذا النظام في الانترنت واذا رغبت بمراجعة ارشيف «ذي وول ستريت جورنال» عليك ان تدفع فهناك القليل من كل شيء. ـ ماذا سيكون اتجاه القراء باعتقادك، الميل الى الطبعة الورقية ام الرقمية؟ ـ هذا لا يهمني على الاطلاق وليس في وسعي ان اسمح بذلك فليأت القراء من حيث يأتون فالشيء الوحيد الذي يخصنا هو ان تكون هناك وانا لم اعد اطرح هذه المسألة.. ولا احد في المؤسسة يفعل ذلك ففي نهاية المطاف كل شيء هو «النيويورك تايمز» وحين ينمو ذلك الاتجاه ينخفض الآخر ونحن ننشر المعلومة تبعا للاذواق او تفضيلات الزبون. ـ ماذا عن الاعلان؟ ألا تهم تفضيلاته كذلك؟ ـ الاعلان يلاحق ويقتفي اثر الزبون. ـ جرت العادة ان تشير الى ان التحليلات المقدمة من قبل افضل الصحف والمجلات ومواقع الانترنت ومحطات التلفزة او الاذاعة لاتزال تشكل افضل المساهمات للمجتمع الديمقراطي وتذكر ان مقارنة الافعال والاخبار من مصادر موثوقة لم يتجاوزها الدهر بعد، رغم العبور الكبير الى العصر الرقمي. ـ تقوم سمعتنا وسمعة جميع مجموعات الاتصال على الثقة وعندما لا يقدم الصحافيون صحافة عفيفة وحية، فانهم يضرون بنا جميعا وحتى بالذين لا يؤمنون بما يفعلونه وانا اغضب على سبيل المثال من صحافي سيئ اكثر من سياسي سيئ لان بلدا سيئا او حكومة سيئة لا تأثر بي بقدر ما يؤثر بي صحافي سيئ وهؤلاء يلحقون الضرر بك ايضا فالمسألة برمتها تتعلق بأفكار بسيطة للغاية حيث ان الصحافة الجيدة تكلف ثمنا باهظا وتطلب ووقتا واموالا واعدادا.. كم من صحافييكم يفهمون حقا عالم الاعمال؟ مع اننا لا نتوقف عن الكتابة حول هذه الاعمال، لكن هل من احد يعرف فك رموز موازنة ما؟ واذا كانوا لايعرفون ذلك، لماذا يكتبون حول الاعمال؟ لكن المسألة هي هكذا فنحن نكتب حول القوانين لكن هل نفهمها حقا؟ ان ذلك يتطلب وقتا والصحافة الجيدة باهظة الثمن دائما. ـ ما هي وجهة نظرك حول الدور الذي يتعين على الولايات المتحدة ان تضطلع به في اعقاب الحادي عشر من سبتمبر؟ ـ من اين نبدأ؟ لا نصائح على الاطلاق... لكن الولايات المتحدة تشعر نفسها في حالة حرب، سواء كانت على حق ام لا. فالامر يتعلق بأول هجوم على الارض الاميركية منذ عام 1840 منذ البريطانيين لقد كانت تجربة مروعة للغاية وجديدة بالكامل بالنسبة لنا. ولقد تعرضت بلدان اخرى مثل إسبانيا، لهكذا هجمات وفعلت ما سنفعله نحن، أي أنها تكيفت مع الوضع ومع نفسها. لكن إسبانيا، مثل إيرلندا والمملكة المتحدة وبلدان أخرى كثيرة، قد تعلمت أن تتكيف مع الأحداث. أما نحن فما زلنا في بداية الطريق. وأنا ألتمس الصبر من أصدقائنا في أوروبا وباقي العالم لأن هذا جديد بالنسبة لنا ويظل خارج تجربتنا حيث لدينا رئيس وبلد مقتنعين بأنه يتعين علينا رد الضربة والتصدي للإرهاب. وأنا لا أعرف ما الذي سيحدث في العراق. لقد شاهدنا كيف سلمت الحكومة العراقية الوثائق للمفتشين التابعين للأمم المتحدة، والآن سنرى ما الذي سوف يحدث. لكني آمل ألا يكون هناك حرب، ولقد عبرت إفتتاحيات ال«ذي نيويورك تايمز» عن رأيها المناهض للحرب. ـ تأخذ الولايات المتحدة على أوروبا أن لديها رؤية ساذجة وإلى حد ما ماكرة حول العلاقات الدولية والأعمال العسكرية التي تحث عليها واشنطن.. ـ صحيح إن أوروبا مكان ساحر، لكن سوف يأتي وقت يتفقون على ما هي عليه أوروبا. فلقد كان هناك ست دول في البداية، وأصبحت الآن خمس عشرة دولة وسوف تتوسع إلى 25. إن ذلك لهائل.. وأن تنظم أوروبا نفسها على أساس ست دول، فذلك لا يمت بأية صلة مع تنظيم نفسها على أسس 15 أو 25 بلداً. ومن هي هذه البلدان؟ أليست بلداناً فردية تكون نوعاً من الكونفيدرالية؟ هل هي أكثر من ذلك؟ وما الذي يهمها، ماذا يهم أوروبا؟ فالناس يناضلون في سبيل أشياء مهمة. قبل بضعة أيام، تناولت طعام الإفطار مع رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا أزنار، وقال لي ان على أوروبا أن تقرر لماذا هي مستعدة للنضال. إنها طريقة رائعة للتعبير عن الفكرة برمتها. وأنا لا أقصد أنه يتعين عليكم النضال في سبيل شي لا تؤمنون فيه. فهذا ما على أوروبا نفسها أن تقرره. لكن ألا توجد أشياء مستعد للنضال من أجلها؟ وكون الأمر كذلك، ما هي هذه الأشياء؟ في العمق، يتعلق الأمر بأن الولايات المتحدة كبيرة وقوية وما من إحتكار يمكن أن يكون جيداً. ومع أني لا أريد القول بهذا أنه كان يجب العودة إلى زمن الحرب الباردة، فأنا لا أرغب بأن أعود وأشاهد الاتحاد السوفييتي موجوداً مرة أخرى كقوة شيوعية، لكن بين أيدينا خيار يتمثل في أن الولايات المتحدة، رغم جميع العيوب، هي بلد حر ويؤمن بالديمقراطية والحرية، وهذه مثاليات نتقاسمها مع الأوروبيين. ولدينا هنا أوروبا، المؤسسة الديمقراطية التي تؤمن بالحرية والديمقراطية ايضاً.. ألا يساعد ذلك على خلق عالم صحي وآمن أكثر؟ ذلك أنهما عالمان متشابهان وينشآن من الميراث ذاته. صحيح أنه يجب توفر توازن أكبر، لكن هذا يعتمد على أوروبا. فمن السهل إتهام الآخرين. ـ لماذا تعتقد أن اوروبا لا تساعد الولايات المتحدة في الحرب ضد الارهاب بدون تصدعات؟ ـ إنه سؤال معقد للغاية.. ثمة خوف كبير حيال القوة الأميركية. ولأن الإدارة الأميركية لم تعرف كيف تسوق مشروعها أيضا حيث لم تفعل شيئاً جيداً في هذا السياق. فلقد فعلوا كل شيء بشكل أحادي في البداية، أو على طريقة «سوف نفعل هذا، فلتتنحوا جانباً». ومع أن هذا قد تغير الآن، لكنه أثار إنتقادات كثيرة. ذلك أنه رهيب ولا شيء فيه يبدو مضحكاً. ورغم ضرورة الحرب ضد الإرهاب، لكننا لا نزعم أنها ستكون سهلة أو مسلية، بل صعبة وبشعة. وكنا لنفضل ألا نضطر لشنها، لكن من الأفضل وضع حد لهذا الآن على أن تستمر في العيش مع الإرهاب طوال ستين أو سبعين عاماً. عن «لافانجوارديا» ـ إسبانيا