الاربعاء 21 شوال 1423 هـ الموافق 25 ديسمبر 2002 اختلفت آراء مسئولي المخابرات المركزية بين المقر في واشنطن وبين الميدان، في المقر كان التصور هو التزام الحذر في الضربة العسكرية، لا قصف أو تدمير الا بمقدار حتى لا يتعاطف الأفغان ويمضون في تأييدهم لنظام طالبان، في الميدان كان رجلهم «جاري» الذي رأيناه في حلقات سابقة وهو يوزع «النفحات» الدولارية بألوف أوراق البنكنوت السائل من فئة المئة دولار على مسئولي التحالف الشمالي وعلى عملاء الـ «سي. آي. ايه» في داخل أفغانستان، كان «جاري» يطالب بالقصف المكثف والضرب الشديد الموجع المتواصل، وكان يصف هذا النوع من التدمير بعبارة «المسائل الطيبة التمام» وقد بعث بآرائه هذه في برقية مشفرة الى المقر قال فيها: في هذه الحالة سوف تنهار طالبان بسرعة ويتحول العدو الى فلول تنكمش من مؤيدي الملا عمر. رؤساء المخابرات المركزية قرأوا البرقية بازدراء شديد. مدير المخابرات المركزية حملها ليعرضها على الرئيس بوش. الرئيس الأميركي قرأ البرقية وقال: هذا بالضبط ما أريده، وأريد المزيد. متابعة «المسائل الطيبة التمام» اذن فقد أصبحت الكرة مع أهل الميدان، هكذا جلسوا في احدى قاعات البنتاغون وطالبوا بتأمين اتصال سري عن طريق الفيديو مع محطة المخابرات الأميركية في اسلام أباد، عاصمة باكستان، جلس رامسفيلد وزير الحرب ومعه هانك المسئول عن مكافحة الارهاب، يستمعون الى رجل المخابرات المركزية في اسلام أباد، اسمه «بوب» (بغير ألقاب ولا تعريف على عادة مؤلف الكتاب مع ضباط المخابرات المركزية وجواسيسها العاملين في الميدان). وفي رأينا ان «بوب» المذكور أعلاه يتمتع بعقلية سياسية، وقد بدا في حديثه انسانا معقولا يحاول السيطرة على مقاليد الأمور، قال بوب في الاتصال السري ان صدمة القصف الأميركي كفيلة بأن تفتح الباب أمام مفاوضات يمكن ان تتم مع عناصر معتدلة بين صفوف طالبان. كان بوب مؤمنا بأهمية التفاوض والحوار كي يقطع ـ في رأيه ـ الطريق على احتمالات نشوب حرب أهلية بين الشمال والجنوب في أفغانستان، لذلك كان «بوب» يفضل ان تفصل بين جولات القصف الأميركي الكثيف فترات توقف تتاح فيها فرصة للتفاوض أو الاتصالات أو الحوار أو حتى لالتقاط الأنفاس. مثل هذا الأسلوب (المعقول نسبيا) لم يكن ليروق لرامسفيلد الذي ينقل عنه الكتاب قوله بشكل قاطع: بالنسبة لي شخصيا، ليس هناك شيء اسمه فترات توقف عن القصف، فما بالك اذا كان التوقف لصالح حكاية المفاوضات، القصف مستمر متواصل، انتهت المناقشة، هذا منطق يعيدنا الى أسلوب فيتنام، الموضوع محسوم. كان رامسفيلد يعيش أجواء المذكرة التي بعث بها في اليوم نفسه الى رؤساء الدوائر ووكلاء الوزارة وكبار معاونيه في وزارة الحربية. حملت خاتم «سري للغاية» وكانت من 15 صفحة وعنوانها كما يلي: الحملة ضد الارهاب: توجيه استراتيجي لوزارة الدفاع بالولايات المتحدة. صدرت المذكرة بمثابة أوامر للتنفيذ، وكانت تقصد أساسا الى بلورة آراء ومطالب الرئيس بوش (بالأدق عمد رامسفيلد الى تحويل تصورات رئيس الدولة من أفكار الى أوامر واستراتيجيات). وهنا يشعر المرء بأن رامسفيلد آثر ان يقطع الطريق بمذكرته على أي تراجعات أو مراجعات أو تصورات بديلة ولذلك قالت المذكرة: ان الحرب على الارهاب تشمل العالم ـ كوكب الأرض بأسره، ولا تقتصر بالتالي على أفغانستان أو تنظيم القاعدة. وفي باب «الوسائل التنفيذية» قال رامسفيلد انهم سوف يستخدمون كل الأدوات المتاحة لسلطة الدولة الأميركية وأن على وزارة الدفاع ان تتوقع عمليات عسكرية متعددة فوق مسارح حربية متعددة. في أبواب الأهداف والغايات ركزت المذكرة على المنظمات والدول (راعية الارهاب) وعلى رعاة الارهاب ومموليه بخلاف الدول، وانتقلت للحديث عن أسلحة الدمار الشامل (وتلك اشارة تنصرف باستمرار الى العراق). أثمرت جهود وأفكار رامسفيلد في قطع الطريق على حكاية التفاوض مع طالبان أو التماس معتدلين بين صفوفهم. وبصرف النظر عن حكاية التفاوض أو التفاهم ـ فقد أوضح «تشيني» نائب الرئيس ان الهدف الأساسي للأميركيين كان في الاطاحة تماما بنظام طالبان. كان السؤال التالي بداهة هو: وماذا بعد طالبان؟ وكانت الاجابة البديهية بدورها تتمثل في أعباء بل مسئوليات بناء الدولة ومؤسساتها وهياكلها بعد كل ما ألحقته العمليات العسكرية الأميركية من دمار داخل أفغانستان، لكن ها هو صوت أندرو كارد رئيس ديوان البيت الأبيض وكبير موظفيه يرتفع محذرا يقول للمجتمعين من أركان ادارة بوش: أيها السادة، الرئيس لا يريد أبدا استخدام قوات الولايات المتحدة من أجل اعادة بناء أفغانستان، ان القوات الأميركية لم تخلق لاداء مثل هذه المهمة في يوم من الأيام، صحيح أننا أحيانا قد نستخدم قواتنا في مهام لحفظ السلام، لكن هذا في القليل النادر. الفلوس تتكلم مع هذا كله فقد كان لدى الأميركيين مهام أخرى داخل أفغانستان، وتتمثل في تجنيد العملاء وشراء الذمم وحشد صفوف المؤيدين. «كانت الفلوس تتكلم» كما يقول مؤلف الكتاب بالحرف داخل أفغانستان (ص194). اجتمع في تامبا ـ فلوريدا كل من الجنرال فرانكس قائد المنطقة المركزية وهانك (الاسم الأول لمسئول مكافحة الارهاب في السي. آي. ايه)، أحيط الجنرال علما بنشاط عملاء المخابرات الأميركية في الجبال والوديان، قرب الكهوف والمغارات والمعسكرات في مدن وأرياف أفغانستان. كانت الفلوس تتكلم بصوت فصيح وبليغ. أكد «هانك» أن لديهم من الفلوس (الدولارات) الملايين الطائلة من أجل العمليات السرية. وكان المهم هو الشاطرة في استخدام هذه الملايين، ومن ذلك مثلا شراء بطاطين ومعدات للتدفئة وأدوية يمكن اسقاطها مع الدعاية اللازمة على شعب الأفغان، بما يحقق أهداف أميركا من وراء اعتمادات المعونة الانسانية. يختم المؤلف تحليله لهذا الاجتماع الثنائي بين رجل الحرب ورجل المخابرات قائلا: قال (المخابراتي) هانك: يمكننا شراء امراء الحرب والقادة المحليين ومعهم مئات من أفواج المحاربين التابعين لهم لقاء مبالغ لا تتجاوز 50 ألف دولار فقط لا غير، ولو فعلنا ذلك لاشترينا من صفوف طالبان بأكثر مما يتعين علينا اغتياله. قال الجنرال فرانكس: هذا أمر طيب فعلا. صباح 4 أكتوبر، دخل السكرتير الصحفي فلايشر المكتب البيضاوي وعلى وجهه امارات توتر، دار حوار موجز بينه وبين الرئيس: أخبارك؟ سيادة الرئيس: تلقينا خبرا هذا الصباح عن حالة اصابة بالانثراكس (الجمرة الخبيثة) في فلوريدا. والتفاصيل؟ لا نعرف حتى الآن مدى انتشار الاصابات، هل هي حالة واحدة؟ هل هناك المزيد، نحن بانتظار المعلومات. كانت تلك هي المرة الأولى التي يلمح فيها السكرتير الاعلامي فلايشر علامات قلق شديد الوضوح في عيون الرئيس جورج دبليو بوش. لكن يبدو ان الرئيس استطاع ان يتغلب على مشاعر القلق، أو يؤجلها ولو الى حين، كان في أجندته اجتماع الى زائر من العالم العربي هو أمير قطر وفي اجتماعهما حرص بوش ـ كما يوضح المؤلف ـ على ان يؤكد لزائره العربي كيف انه يتابع كل حركات وسكنات ابن لادن من خلال معلومات المخابرات ويبدو ان الحديث كان يدور حول مطاردة ابن لادن وسبل العثور والقبض عليه، وهنا أضاف الرئيس بوش مؤكدا: عرفنا ان «أسامة» اتصل بوالدته بالتليفون ونحن بانتظار اليوم الذي يرتكب فيه الغلطة المرتقبة (فتدل على مكان وجوده) وساعتها سوف نقفشه! كان العالم بانتظار مزيد من الايضاحات حول حقيقة ضلوع ابن لادن وتنظيم القاعدة في أحداث 11 سبتمبر وكان وزير الخارجية باول قد وعد بتقديم الأدلة والقرائن المطلوبة أو ما ظل يصفه باول في الاجتماعات الرئاسية بأنه الكتاب الأبيض. وكانت حكاية الكتاب الأبيض مثار شد وجذب وصل الى حال أقرب الى الخصام بين وزير الخارجية باول وزميله وزير الحرب رامسفيلد الذي لم يكن ليعنيه صدور كتاب بأي لون أو تحت أي مسمى. لكن حلفاء أميركا وأصدقاءها كانوا يطالبون بالقرائن والأدلة لتوضيح الأمور مما زاد من انشغال باول ومعاونيه في وزارة الخارجية. ثم جاءهم الفرج بعد صبر 12 يوما بالكامل وجاء من مصدرين خارج أميركا: من انجلترا أصدر مكتب رئيس الوزراء بلير وثيقة من 16 صفحة بثوها على شبكة الانترنت حول مسئولية القاعدة في الأحداث، لكنه كان انفراجا نسبيا فلم تكشف الوثيقة البريطانية عن معلومات دقيقة التحديد ولا طرحت أدلة دامغة يمكن التعويل عليها. ومن باكستان حيث أعلنت وزارة الخارجية في اسلام أباد ان أميركا زودتها ـ كتر الله خيرها ـ بقرائن كافية تؤكد ضلوع ابن لادن في الأحداث وبشكل يتيح تحريك الاتهام ضده في ساحات المحاكم. ومع ان هذا التصريح الباكستاني جاء على هذه الصورة غير المقنعة فقد هلل له المسئولون في واشنطن لأن أهميته ـ كما يضيف المؤلف ـ كانت تتمثل في صدوره عن طرف اسلامي. التنين ينفث اللهب وكأنما لم تكف حكاية الانثراكس الخبيث كمصدر للقلق والتوتر العصبي في أروقة البيت الأبيض ـ جاء يوم 5 أكتوبر لتوضع على مكتب الرئيس بوش مذكرة مخابرات فائقة السرية تحمل اسما رمزيا هو: ثرت ماتركس. بمعنى: مصفوفة أو منظومة خطر يهددنا. وكانت الوثيقة من 11 صفحة. وعلى الصفحة السابعة كانت مفاجأة مروعة تنتظر رئيس الولايات المتحدة، كانت الصفحة تحمل بدورها عنوانا كوديا هو: التنين ينفث اللهب. وتحت العنوان سطور من معلومات غاية في الخطورة كان مصدرها وكالة المخابرات الحربية وتفيد المعلومات بما يلي: لدينا ما يحمل على الاعتقاد بحصول الارهابيين على 10 كيلو طن من الأسلحة النووية من احدى ترسانات الأسلحة التابعة للاتحاد السوفييتي السابق. هذه الشحنة يمكن ان تكون في طريقها الآن الى نيويورك وتفجير مثل هذه الكمية (الهائلة ـ الكيلو طن يساوي ألف طن) داخل مدينة بحجم نيويورك يمكن ان يقتل عشرات الألوف ويوجد حالة من الذعر لا سبيل الى تخيلها، الخ. اذن فها هو السيناريو الرهيب الذي يخشى الكل وقوعه، ها هو الرئيس بوش يبلع ريقه وربما يجفف عرقا باردا من فرط الانفعال حين بلغ نهاية الوثيقة ليطالع تقدير الموقف النهائي الذي وصف حكاية التنين واللهب وسيناريو التفجير الارهابي النووي بأنها «بعيدة عن التصديق» لأنها تحوي أخطاء لا تخفى من حيث التفاصيل العلمية والفنية وكان طبيعيا ان تهرع الأجهزة الى تقصي وتدقيق مصدر مثل هذه المعلومات. وسرعان ما اتضح ان المصدر كان مواطنا أميركيا تطوع بالابلاغ عن محادثة استرق السمع اليها ودارت ـ كما قال ـ بين أفراد لم يستطع تحديد هوياتهم بشأن الامكانيات التي ينطوي عليها سلاح نووي، كان الأفراد المجهولون وكان المحروس صاحب البلاغ يقضون وقتا ـ سعيدا بالضرورة ـ في أحد كازينوهات القمار في لاس فيغاس. يعلق المؤلف على هذا فيقول: كان الأمر كله مجرد فقاعة هواء، لكن الجو كان مشحونا بألف ألف احتمال لدرجة ان مزاعم وادعاءات من طراز التنين وشركاه كانت تجد طريقها بانتظام الى سطور مذكرات منظومة الخطر التي توضع بانتظام أيضا على مكتب رئيس الولايات المتحدة، فلم يكن هناك من يريد ان يحذف شيئا أو يستبعد أمرا. وسط هذا الجو أيضا جاءت تصريحات أرييل شارون من اسرائيل التي خاطب فيها أميركا قائلا: لا تحاولوا تسكين خواطر العرب على حسابنا فاسرائيل لن تكون تشيكوسلوفاكيا. كانت التصريحات تشير ـ كما يعلم المتابعون لأحداث القرن الماضي ـ الى سياسة التهدئة أو تسكين الخواطر المنسوبة الى رئيس وزراء بريطانيا الأسبق نيفيل تشمبرلين، وهو الذي صك مصطلح التهدئة في تعامله مع الزعيم النازي هتلر، وقد أدين تشمبرلين تاريخيا على انه اتبع سياسة الممالاة أو المسالمة بمعنى الاغضاء أو «التطنيش» مع هتلر مما جعله لا يبالي في تصرفاته بل مضى الى احتلال تشيكوسلوفاكيا. وها هو شارون تصل به الجسارة الى حد شتيمة الأم الحنون أميركا واتهامها بأنها تعيد سيرة الممالاة مع العرب (هتلر) وستكون الضحية هي اسرائيل (تشيكوسلوفاكيا) نتيجة قصر النظر والنفاق السياسي الأميركي (تشمبرلين). غاضبا، ظل الرئيس بوش يقلب النظر في تصريحات شارون التي أعادت أيضا الى الأذهان أحداث ميونيخ عام 1938 التي ارتبطت بدورها بسياسة السكوت على هتلر ومداهنة النازي، الخ الى جوار الرئيس كانت مستشارته الأثيرة كوندوليزا رايس التي بادرته بالسؤال: سوف نرد على هذا الكلام، أليس كذلك؟ طبعا، سوف أرد أنا عليه. طرحت على بساط المناقشة أهمية رد قوي حازم وحاسم، لكن صوتا من صفوف المعاونين ارتفع ليقول: هل نحن بحاجة الى مانشيت يقول غدا: بوش يوبخ شارون. ردت كوندوليزا على الفور: سيادة الرئيس، شارون شتمك حين وصفك بأنك نيفيل تشمبرلين، وأعتقد انه حان الوقت لكي يصدر عنك تصريح قوي حازم. كانت تلك فرصة لكي يوضع شارون في موقعه الصحيح، فهو عبء على أميركا سواء من الناحية السياسية حيث يخصم بتصرفاته من رصيدها السياسي في الشرق الأوسط والعالمين العربي والاسلامي وهو بتطاوله على ولية النعمة أميركا ينال من هيبة قيادتها ويطلق لسانه في توصيف رئيسها. والمنطقي ـ كما أوضح المؤلف في السطور السابقة هو ان يسمع العالم من الرئيس بوش التصريح القوي الحاسم والحازم الذي تحدثت عنه رايس مستشارة الأمن القومي. فماذا سمع العالم بحق؟ الحاصل انه لم يسمع تصريحا في الأساس من الرئيس بوش، دع عنك ان يسمع شيئا محترما أو حتى متكافئا من باب التصريحات الحاصل هو ما ذكره المؤلف (ص198) في سطور تقول بالحرف: آري فلايشر صرح بعد ذلك بأن تعليق شارون «غير مقبول»(!)، وقتها كانت الدبابات الاسرائيلية وطائرات الهليكوبتر الحربية وقوات شارون البرية تشق طريقها الى قلب المناطق الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية للأردن. ثم ينقل المؤلف عن وزير الخارجية باول تعليقه على تصريحات شارون السالفة الذكر، وفيها يقول باول: سلوك شارون في الأيام الأخيرة وصل الى حافة اللارشد ـ اللامعقول. ويضيف المؤلف في هذا الصدد: كان باول يتصور ان بوسعه ان يكرر حكاية اللاتعقل هذه عن القائد الاسرائيلي بصورة منتظمة أو بغير انقطاع. اقتربت ساعة الصفر، وكان الهدف طبعا هو، أفغانستان. اتصل الرئيس بوش بالقائد العسكري الميداني المسئول الجنرال فرانكس: تومي هل نحن مستعدون للانطلاق. ـ نعم سيدي، مستعدون، نحن بحاجة الى ملخص بالأهداف. كان هناك نوعان من الأهداف: (1) أهداف للضرب وعددها 31 هدفا ويستخدم لضربها 50 صاروخا عابرا و15 طائرة قاذفة و25 طائرة مقاتلة تنطلق من حاملات الطائرات ويستهدف الهجوم شبكة دفاع طالبان الجوية وأي تجمعات لتنظيم القاعدة يمكن تحديد مواقعها. (2) أهداف لعدم الضرب (طبعا قدر الامكان) فقد تعرضت للقصف أحيانا بالخطأ أو بالقصور ومنها المدارس ومحطات الطاقة والمستشفيات والمساجد، وكان الهدف من ذلك التدليل على ان الهجمة على أفغانستان ليست ضد شعب، أفغانستان. في هذا السياق نلاحظ ان الرئيس بوش يؤكد لمعاونيه في أكثر من موضع ومناسبة عدم التعرض بالقصف لمساجد أفغانستان، وأهمية التوجه نحو المرأة الأفغانية بالذات التي تعرضت ـ في رأي أوساط شتى ـ للاضطهاد على يد نظام طالبان. المهم انه مع اقتراب بدء العمليات نشط هانك مسئول المكافحة في المخابرات المركزية الى تعبئة المزيد من ضباطه للخدمة بعيدا في أفغانستان هكذا علق على باب مكتبه في المقر اعلانا بالمواصفات المطلوبة. وكانت المواصفات مستقاة من اعلان آخر عمره 87 عاما، ويرجع تاريخه الى عام 1914 وقد نشره المستكشف الانجليزي أرنست شكلتون طلبا لضباط معاونين يلتحقون ببعثته التي ذهبت الى القطب الجنوبي من كوكب الأرض لاستكشاف القارة المتجمدة «انتاركتكتا». المخابراتي الأميركي أعاد الى الذاكرة ذلك الاعلان العتيق الذي يقول: مطلوب ضباط من أجل رحلة غاية في الخطورة الأجور صغيرة والبرد قارس وثمة أشهر طويلة من الظلام الدامس ومن الخطر المتواصل العودة الآمنة مشكوك بها والمضمون فقط هو شارات الشرف والتقدير في حالة النجاح، انتهى. يوم الأحد السابع من أكتوبر عام 2001 كان يوما مشحونا حافلا بالأحداث والتطورات. في الثامنة صباحا دق جرس التليفون في منزل كارل روف رئيس ديوان البيت الأبيض كان المتكلم هو الرئيس بوش: كارل، أقترح ان تكون في مكتبك في الحادية عشرة. ولم يستخدم الرئيس لهجة الأمر، انها صداقة 30 سنة تربط بين الرجلين من أيام الصبا الأولى في تكساس، ثم ان كارل روف يحمل لقب «الامبرزاريو» أو المتعهد بتوصيل جورج دبليو بوش الى كرسي الرئاسة الأول في البيت الأبيض، حيث كان مدير معركته الانتخابية وها هو كارل روف يعكف على رصد استطلاعات الرأي التي أوصلت شعبية رئيسه الى عنان السماء. وما أبعد الليلة عن البارحة. قبل 11 سبتمبر كانت نسبة الرضا الشعبي على اداء الرئيس الأميركي المستجد لا تعدو 55 في المئة وبعد الكارثة حلقت الى نسبة 90 في المئة (وهي مصائب قوم عند قوم بغير شك). والمشكلة ـ كما يقول خبراء استطلاعات الرأي ـ هي ان هذه الشعبية لا تدوم سوى أجل محدود، قد يمتد الى 7 أو 10 أشهر، ولا يلبث بعدها ان ينحدر الى أدنى من جديد والدرس المستفاد مطروح من واقع تجربة بابا بوش شخصيا: فقبل حرب الخليج كانت شعبية الرئيس الأب 59 في المئة وبعد تحرير الكويت ارتفعت الى 82 في المئة ثم ما لبثت ان هبطت الى 59 في المئة وبعدها ظلت في النازل الى ان فقد الأب فرصة التجديد لصالح مرشح شاب شبه مجهول اسمه بيل كلينتون فأصبح رئيس الولاية الواحدة وهي مكانة سلبية في سجل رؤساء الولايات المتحدة. كل هذه العوامل كانت تدفع الرئيس المستجد جورج دبليو الى الدق والتحرك على حديد الشعبية الساخن الى حد الالتهاب وكان الشعب الأميركي المجروح بانتظار العمل. ثم كانت هناك نصيحة من أحد دهاقنة الاعلام الأميركي المعاصر هو «روجر ايليس»، ويقول فيها: قد يسمح الجمهور الأميركي بفسحة من الانتظار والصبر مادام مقتنعا بأن بوش سوف يستخدم أقسى (ربما أفظع) التدابير الممكن اتخاذها. والمعنى الذي تفهمه من النصيحة هو: نصبر عليك شريطة ان تكون فظا بغير ضمير، قاسيا بغير رحمة فيما تتخذه من تدابير. وقد قدمت هذه النصيحة من خلال القنوات الخلفية فالأخ ايليس كان رئيسا لقناة فوكس التلفزيونية ولا حق له بموجب العرف الاعلامي ان يتواصل مباشرة مع رئيس الدولة، ولكن المذكور أعلاه كان من أقرب المقربين الى بوش الأب، ومن ثم كانت نصائحه موضع اصغاء واهتمام، ولكن خطورتها تكمن في أنها تصدر عن مسئول اعلامي كبير تولى رئاسة قناة فوكس (القناة الخامسة في شبكات أميركا القومية) فكان ان تحولت القناة الى صوت ناطق لصالح اليمين الرجعي المتطرف والمعادي لكل ما هو عادل أو انساني أو مستنير وبالتالي لكل ما هو عربي أو اسلامي، كما تحولت ـ وهذا طبيعي ـ الى صوت معبر عن مصالح الصهيونية واسرائيل، والعياذ بالله. تأليف: بوب وودوارد _ عرض ومناقشة: محمد الخولي