الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 «وظيفتي ان أكون مشاركا في طقوس عيد الميلاد في بيت لحم»، هكذا رد ياسر عرفات بغيظ على قرار حكومة اسرائيل عدم السماح له بالمشاركة في مراسيم العيد وعدم سحب قواتها من المدينة. عضو المجلس الوزاري في السلطة، صائب عريقات، والمستشار نبيل أبو ردينة، حذرا من حدوث تدهور خطير آخر بسبب القرار الاسرائيلي ودعيا الأسرة الدولية للضغط على اسرائيل حتى تغير قرارها. المتحدثون الفلسطينيون صرحوا منذ مدة ان الاحتفالات التقليدية بالعيد لن تجري في بيت لحم في هذه السنة، والصحافة الفلسطينية تنشر في هذه الايام سلسلة من المقالات التي تتحدث عن الأجواء المتجهمة والمتردية السائدة في المدينة في هذه السنة. اجراء المراسيم الدينية في بيت لحم خلافا للاحتفالات لا يعتمد ولا يرتبط بالظروف الامنية أو السياسية سواء شارك فيها عرفات أم لم يشارك - وحتى اذا فرض على المدينة طوق وحظر تجول أو سادت حالة جوية سيئة - فالبطريرك اللاتيني، ميشيل صباح، سيقف في كل الاحوال في باب الخليل في الساعة الثانية عشرة ظهرا ومن هناك سيسير على رأس قافلة ترافقها جياد عناصر الشرطة الاسرائيلية متوجهة نحو بيت لحم وبجانب دير مار الياس قرب حي غيلو سينظم له استقبال قصير (وليس بجانب قبر راحيل كما جرت العادة قبل عامين، وذلك لاسباب امنية) ومرافقوه الاسرائيليون سيفترقون عنه، وعندها سترافقه شخصيات ووجهاء بيت لحم. البطريرك اللاتيني، ميشيل صباح، لا يعتبر الشخصية الاولى في هيكلية المناصب الدينية المقدسة في مولد يسوع فقبله يأتي البطريرك الرومي الارثوذكسي وحارس الاراضي المقدسة الفرانسيسكاني والبطريرك الأرمني ولكن الارثوذكس في القدس يحتفلون بعيد الميلاد بعد اسبوعين فقط، والأرمن في الثامن عشر من يناير ـ ومن هنا تقرر ان يكون البطريرك اللاتيني في صدارة المراسيم الاحتفالية وحسب التقاليد يقوم ميشيل صباح بترؤس قداس ليلة الميلاد بين 24-25 ديسمبر المراسيم تُبث في كل أرجاء العالم المسيحي ويقوم الجميع بالاحتفال بالعيد بنفس الموعد (تاريخ الاحتفال الخاص بالروم والأرمن موجود في القدس فقط). مع دخول البطريرك ميشيل صباح الى بيت لحم سيتغير ترتيب القافلة سيارة البطريرك التي كانت تقود القافلة حتى ذلك الحين ستعود الى آخرها وسيسير في رأس القافلة نائب رئيس بلدية بيت لحم ورؤساء بلديات بيت جالا وبيت ساحور ووجهاء المدينة الجميع سيسيرون في المسار التقليدي، أي انهم لن يسيروا على الشارع الرئيس الواسع الذي يوصل بين قبر راحيل وكنيسة المهد وانما عبر أزقة البلدة القديمة والسوق وجهاء بيت لحم الذين سيصلون قبل الآخرين الى باحة المهد سينزلون من السيارات ويصطفون كحرس شرف لاستقبال البطريرك وسيكون في الموقع رئيس بلدية بيت لحم وجوقة صغيرة وأبناء المدينة هم في ملابس الكشافة المسيحية وليسير الجميع معا نحو الكنيسة. كل التفاصيل المحددة في المراسيم ثابتة من خلال تقاليد متشددة. كنيسة المهد تبقى بعد مسيرة البطريرك مفتوحة للجمهور العريض حتى الساعة السادسة مساء وبعدها سيتم اغلاقها وتنظيفها واعدادها لقداس منتصف الليل الكنيسة مفتوحة للمدعوين فقط ومكتب الحجاج الفرانسيسكاني الخاضع لحارس الاراضي المقدسة باعتباره الوصي على كنيسة سانتا كاترينا التي تشكل جزء من موقد المهد والتي ينظم فيها القداس. وفي قداس منتصف الليل توجد مقاعد قليلة محدودة في أحد الجانبين يجلس القناصل المقدسيون للدول اللاتينية فرنسا وايطاليا وبلجيكا واسبانيا وممثلي الحكم المحلي: المحافظ ورئيس البلدية وقائد الشرطة الذين كانوا من الاسرائيليين حتى عام 1995 ولكن بعد ذلك جاءت السلطة وطلب عرفات المشاركة في المكان حيث كان يجلس هناك مع زوجته سهى (المسيحية التي اعتنقت الاسلام بعد زواجها منه) عرفات يحرص جدا على المشاركة لان ملايين الرعايا المسيحيين يشاهدون القداس وفي السنة الماضية هدد عرفات بالتوجه من رام الله الى بيت لحم عندما منعته اسرائيل من المشاركة، وثارت الاشاعات في حينه بأن عرفات سيحاول التسلل متنكرا للمشاركة في المراسيم، الا انه بقي في رام الله حينئذ ومن المتوقع جدا ان يبقى هناك في هذه السنة ايضا. عدا عن المراسيم الدينية لا يوجد أي شيء جديد في بيت لحم في هذه السنة: لا جموع الحجاج والسياح من أرجاء العالم، ولا استقبال وحفلات بهيجة، ولا زينة أو جوقات في منتصف الاسبوع الماضي كان حظر التجول الكامل مفروضا على المدينة، وسمحت الحواجز الاسرائيلية للسيارات الاسرائيلية المحصنة بالوصول حتى قبر راحيل شوارع المدينة كانت فارغة وخاوية وأظهرت عدسات الكاميرا للصحيفة الدبابات والمجنزرات العسكرية في ساحة المهد حيث وضعت هناك لمنع لجوء المطلوبين للكنيسة كما حدث سابقا. مدينة بيت لحم محطمة عمليا بسبب غياب الحركة السياحية التي هي مصدر رزقها الأساسي عنها، وكل الاموال التي استثمرت ذهبت أدراج الرياح في ظل الظروف المتلاحقة «مشروع بيت لحم 2000» كلف ملياري دولار ونفذت من خلاله مشاريع كبيرة في البنية التحتية في المدينة، الا ان كل هذه المشاريع أُهملت الآن ولم يعودوا يجمعون حتى القمامة التي تجمع وتحرق في الساحات. فندق الانتركونتننتال المعتبر تعرض للدمار من قبل ان يدخله سائح واحد، وكانت الصحافة قد بثت سابقا مشاهد الجنود الاسرائيليين وهم يلحقون الأضرار به ومثله فندق بردايس الذي يعود لعائلة أبو عيطة حيث اشتعلت فيه النيران من جراء المعارك والفنادق الاخرى ايضا مغلقة ومعها عشرات المطاعم ومراكز الخدمات السياحية. السياحة في اسرائيل ايضا تضررت، الا ان فيها بعض الحركة والتعويض من خلال الفعاليات المحلية، أما بيت لحم فلا شيء كل ما فيها مات العائلات المسيحية الثرية غادرة المدينة منذ مدة ووجود الأقوياء من أبناء المخيمات والتعامرة الذين قادوا تنظيم فتح فيها ملموس بصورة متزايدة، كما ان عزل المدينة عن القدس ألحق بها ضررا كبيرا، وعيد الميلاد فيها في هذه السنة هو عيد حزين يبعث على الأسى الكبير. بقلم: داني روبنشتاين _ عن «هآرتس»