الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 في أجزاء كبيرة من العالم يعتبر فنجان القهوة الصباحي من مظاهر الحياة اليومية العادية للغاية والاقل جذباً للانتباه بحيث اننا نهمل الاهمية الاقتصادية للبن والقليل منا يدرك ان حبوب البن هي ثاني اكبر سلعة متداولة في العالم بعد النفط. لكن هذا الجهل قد يصبح قريباً شيئاً ينتمي الى الماضي لان الاضطرابات الحالية غير المسبوقة في هذه السوق الحاسمة قد تجلب الكارثة على الديمقراطيات الناشئة في اميركا الوسطى. المشكلة ببساطة تتعلق بمسألة العرض والطلب، فالنمو في الطلب العالمي تباطأ في السنوات القليلة السابقة حيث ارتفع بنسبة 1 بالمئة فقط في عام 2001، وفي الوقت ذاته فإن ارتفاع الاسعار بشكل كبير في اوائل التسعينيات اغرى لاعبين جدد للدخول الى السوق مما ادى الى ارتفاع حاد في انتاج البن.. وعلى سبيل المثال فإن فيتنام بمساعدة الاستثمار الاجنبي، نهضت من الحضيض لتصبح المنتج العالمي الرئيسي لحبوب «الروبستا» المستخدمة بشكل رئيسي لتحضير القهوة السريعة. هذان العاملان معاً أديا الى وفرة غير مسبوقة في حبوب البن حيث تجاوز العرض العالمي الطلب بنسبة 15 بالمئة العام الماضي ـ وبالتالي ادى لأنهيار حتمي مرافق في الاسعار، وافاد تقرير صادر عن البنك الدولي في عام 2002 ان الاسعار وصلت الى ادنى نقطة منذ اكثر من مئة عام. كانت تلك صفعة قوية للمنتجين التقليديين في اميركا الجنوبية وافريقيا، لكن البلاد التي تزرع البن في اميركا الوسطى، وبصفة خاصة السلفادور وغواتيمالا وهندوراس ونيكاراغوا كانت الاكثر تضرراً، ففي عام 2000 انتجت المنطقة 12 بالمئة من قهوة العالم لكن صادراتها انخفضت بنسبة 13 بالمئة في عام 2001 ويبدو انها ستنخفض بنسبة 16 بالمئة هذا العام، مع انخفاض الاسعار دون تكلفة الانتاج بالنسبة للعديد من اصحاب المزارع الصغيرة. لقد جلب انهيار الاسعار اوقاتاً عصيبة لمنطقة معرضة للكوارث واجهت سلسلة من النكبات الطبيعية على مدى السنوات الخمس الماضية، ففي عام 2001 وحده تأثر اكثر من 2.5 مليون شخص في اميركا الوسطى بالقحط والاعاصير والفيضانات والزلازل ويعتبر الجفاف على وجه الخصوص خطراً متكرراً يهدد انتاج الاغذية، ولايزال يشكل مشكلة خطيرة في المنطقة. وعند انخفاض غلال المحاصيل الزراعية يتوجه عادة اكثر من مليون عامل ريفي مع عوائلهم للعمل الموسمي عند مزارعي البن البالغ عددهم 300 الف في المنطقة، لكن مع تدني الاسعار، بدأ هؤلاء المزارعون الصغار بشكل متزايد يهجرون مزارعهم وينتقلون الى المناطق المدنية تاركين وراءهم بطالة ريفية مرتفعة بشكل غير مسبوق، ففي هندوراس حيث يكسب 120 الف شخص قوتهم من البن تخلى حتى الآن 30 الف مزارع عن عملهم في زراعته. وتكمن مأساة هذا الوضع في انه كان بالامكان التنبؤ بها بسهولة نظراً للتطورات بعيدة الامد في سوق البن. قبل اربعين عاماً ايدت الولايات المتحدة التي كانت تتنافس مع الاتحاد السوفييتي في السيطرة على العالم النامي، ايدت ابرام اتفاقية البن الدولية كوسيلة للحفاظ على سعر منخفض مستقر للبن وبموجب بنود الاتفاق وافق معظم مستوردي البن في العالم على شرائه بسعر محدد، في حين وافق معظم المنتجين على الالتزام بحصص محددة تقيد صادراتهم وبموازنة العرض والطلب بشكل اصطناعي ازدهرت سوق البن. لكن في عام 1989 انهار هذا النظام اخيراً حيث رفضت الدول المنتجة الكبيرة لاسيما البرازيل نظام الحصص، في باديء الامر، لم يبد ان هناك اي ضرر، حيث ادت سلسلة من المحاصيل البرازيلية السيئة الى رفع الاسعار في الوقت ذاته الذي ارتفع فيه استهلاك البن الى مستويات جديدة ارتفعت الارباح بشكل مثير، لكن ذلك ترافق مع ولادة مزارع جديدة في انحاء العالم، مما ادى الى اتخام السوق وصولاً الى مستويات الازمة بحلول عام 2000. وفي مواجهة هذه المعضلة يحاول المنتجون في اميركا الوسطى تغيير نوعية محصولهم وطريقة بيعه. المجال الوحيد الذي لايزال الطلب فيه ينمو هو حبوب البن عالية الجودة التي لا تزال تنتج بأسلوب الزراعة العضوية الطبيعية، تلك الحبوب تجلب سعراً عالياً جداً، لكن الاستثمار الاضافي في هذا المجال يحتاج الى الري ومراقبة الجودة كما ان تكلفة التعليب مرتفعة جداً بالنسبة للمزارعين الصغار. لكن يتم الآن تطوير برامج حكومية لتأمين الدعم الفني والمالي للمزارعين في المناطق المرتفعة التي تتمتع بمناخ اكثر ملاءمة لانتاج هذا النوع من الحبوب. وبالنسبة للمزارعين في المناطق المنخفضة فإن جمعيات المنتجين الوطنية تحاول التحرك خارج نطاق التصدير البسيط للحبوب الخضراء وتهدف هذه الجهود الى تحميص حبوب البن محلياً ثم تعليبها ودمغها بماركات تجارية لبيعها في الاسواق الدولية كمنتج فاخر. ومن المفترض ان المزارعين الذين ينتجون حبوباً متدنية القيمة سوف يضطرون لايقاف الانتاج مرة واحدة، ولقد حققت منظمة الدول الاميركية بعض النجاح في تشجيع احلال زراعة النباتات الطبية مثل «السارساباريلا» الذي ارتفع الطلب عليه بشكل ثابت خلال العقد المنصرم محل زراعة البن وهذا العام استطاعت بيرو جعل نبات الهليون صادرها الزراعي الاول ليحل مكان البن. وفي الوقت ذاته يقوم البنك الدولي ومنظمة القهوة الدولية بالترويج لبيع حبوب البن عالية الجدوة للمشترين في اميركا الشمالية واوروبا من خلال مزادات الانترنت كبديل عن سوق نيويورك ونجحت الجهود الدولية في هذا الصدد في غواتيمالا ونيكاراغوا ويتوقع ان تقيم هندوراس مزاداً عبر الانترنت قبل نهاية السنة. وثمة آمال كبار بأن الخطوات المتبعة لجعل صناعة القهوة اصغر واكثر تخصصا سوف تؤتي ثمارها على المدى البعيد لكن على المدى القريب تترقب المنطقة اوقاتاً عصيبة من التقلص. ويضغط المزارعون والعمال الريفيون للحصول على مساعدات اكبر من الحكومات التي تعاني اصلاً من عجز في الموارد، وفي الوقت الذي لا تزال فيه ذكريات الحرب والقمع السياسي حاضرة في الاذهان في العديد من البلدان فإن تزايد معدلات الجوع والهجرة ـ من القرى الى المدن ومن بلد الى آخر ـ سيضيف الى الضغوط على الانظمة السياسية الناشئة التي لاتزال تناضل لترسي جذورها. في شهر اكتوبر الماضي استحدثت منظمة القهوة الدولية معايير جودة جديدة يمكنها من خلال اقصاء حبوب البن الاردأ عن السوق، ان تخفض العرض العالمي بنسبة 5 بالمئة لكن مثل تلك التخفيضات المحدودة غير قادرة على الارجح على موازنة تأثيرات المحاصيل القوية القادمة من البرازيل وفيتنام ولذلك لا يبدو في المدى المنظور انتعاش محتمل للاسعار. ويبدو ان التحرك لزراعة محاصيل اقل بمواصفات افضل هو الامل الوحيد لقطاع البن في اميركا الوسطى لكن هذه المرحلة الانتقالية سوف تتطلب الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي يخيم عليه الخطر بسبب تدهور صناعة البن. ترجمة: علي محمد خدمة «نيويورك تايمز» خاص لـ «البيان»