الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 وفي احد الاركان، هناك خط من الالياف البصرية يقوم بنسخ قدر من المعلومات يكفي لادارة مشروع تجاري كبير، فألن يعكف على اقامة شركته الجديدة من الصفر، ولديه من الحماسة ما لايجعله يهدأ حتى يقوم بتحديد ملامح شركة البرمجيات الجديدة الخاصة به واخراجها للنور. يقول ألن: بينما يبدو غير قادر على مقاومة ذكر اسماء شركات تقنية المعلومات التي سطعت ولو لفترة قصيرة في سماء التقنية ان الامر بمثابة «لقاء بين شركتي افانتجو ونابستر». لايزال هؤلاء المتحمسون الذين حولوا وادي السليكون الى جنة المحاولات الرأسمالية خلال عقد التسعينيات يسيرون بقوة، فقط رجال المال هم الذين توقفوا عن الاستماع، وليس من الواضح الى متى يمكن لألن، الذي يحتاج الى مليوني دولار اميركي كي يبدأ مشروعه، ان يستمر في عمله وادائه الحالي. فمبرمجو الكمبيوتر الذين قام بتوظيفهم من اجل المشروع اصبح عليهم ان يعملوا بلا مقابل ويعمل ألن بكل ما منح من قوة وجهد وذلك بفضل ما يتمتع به من مخزون هائل من الطاقة فهو يعمل بوصلة مصباح اضاءة موضوع على دائرة كهربائية محملة بما يفوق طاقتها، فلا يوجد حد اقصى لحجم الحماسة التي يعمل بها. وقد عمل ألن في وقت من الاوقات مع شركات مثل «نابستر» و «يبس» وهي شركة تخصصت في مجال تقنية الطاقات العريضة وجمعت مئات الملايين من الدولارات قبل ان تعلن افلاسها، غير ان ذلك الترف الذي تمثل في وجود مثل تلك الوظائف والشركات العاملة في مجال المعلوماتية قد توقف ولم يعد له وجود. ولكن ألن لا يمانع ان تقدم شركته وظائف منتظمة. يقول ألن، بينما تأخذ درجة حماسته في الانخفاض بشكل ملحوظ: لم يحدث لي من قبل ان بقيت عاطلا عن العمل لمدة ثمانية شهور، ان الامر بالفعل يثير الضيق. ولا تبدو البطالة في أي في وادي السليكون كالبطالة في اي مكان اخر. «باديء ذي بدء» فإن عددا كبيرا من الاشخاص العاطلين الذين يقابلهم المرء في وادي السليكون بالفعل يكونون في حالة افضل بكثير من التي انت عليها، وكثير منهم مثل بيتر ألن، يشغل نفسه في محاولة الوصول الى افكار جديدة او يقومون بأعمال استشارية او يعملون في مشروع او مشروعين بشكل عابر. غير انه على الرغم من ذلك، فإن المرء يستشعر ان هناك بينهم جوا من اليأس والاحباط والخضوع. فمقاهي «ستار بكس» وغيرها من المقاهي الاصغر مثل «بيتس» اصبحت ملتقى هؤلاء العاطلين في الوادي، وقضاء يوم في بيت صناعة التقنية في عقد الاجتماعات يعني الاضطرار الى الجلوس واحتساء سلسلة طويلة من اكواب الكاباتشينو وغيرها من المشروبات على هذا المقاهي، ويبدو الذين يتمتعون بصحة قوية سعداء بهذه الوجبات المليئة بمادة الكافيين، لكنني وجدت نفسي مع حلول منتصف النهار في حاجة ماسة للانتقال الى المشروبات الخالية من الكافيين حتى استعيد حالتي الطبيعية. ويمكن تمييز العاطلين الجالسين على هذه المقاهي بسهولة، حيث يكونون دائما ممسكين بأجهزة لاب توب واوراق، لاهثين بشدة لاعادة ترتيب اوراق حياتهم، يقول اندرو هايد، احد المسئولين الذين تدربوا في شركة «جنرال اليكتريك» وشغل منصب المدير المالي المسئول في عدد من شركات البرمجيات والانترنت: اي شخص يجلس هناك على هذه المقاهي لاكثر من 15 دقيقة يكون في اغلب الاحوال ممن يبحثون عن عمل». ويمكن لهايد، الذي يبحث عن عمل منذ الربيع الماضي، ان يتحمل قضاء فترة اطول في بحثه عن وظيفة، فهو يمتلك سيارة مرسيدس فضية، فارهة، ويعيش في منزل صغير، أنيق، في منطقة بلمونت الهادئة، يمكن ان يصل ثمنه الى مليون دولار. لقد تحركت التدفقات المالية التي تمتعت بها هذه المنطقة أثناء الطفرة التقنية بصمتها على مجريات الأمور هناك. غير أن الترف الذي عاش فيه وفرض عليه يؤثر عليه بالسلب الآن بشكل واضح، فنتيجة تربيته من ولاية مين ودراسته في كونكتيكت، أصبح ألن مليئاً بشغف كبير للرجوع إلى هذا النمط من الأعمال الذي تعود على القيام بها متدربو شركة جنرال اليكتريك. فهو لا يزال يبتسم متعجباً من الصداقات التي دخل فيها أثناء الطفرة القصيرة التي تمتعت بها شركات الانترنت، «هؤلاء الأشخاص الذين يضعون الوشم على جلودهم ويثقبون آذانهم» هؤلاء الاشخاص الذين جمعتهم دوامة الازدهار التقني. ولا يقتصر وجود هذه المقاهي على وادي السليكون، تلك البقعة التكنولوجية التي تمتد إلى الجنوب من سان فرانسيسكو. فعندما تستقل السيارة إلى خارج المدينة متجهاً الى الشمال وتشق طريقك خلال الضباب الذي عادة ما يسيطر على جسر جولدن جيت بريدج، فإنك تجد المقاهي عينها موجودة من منطقة مارين، تلك الضاحية التي تمثل مأوى الطبقات المهنية لمدينة سان فرانسيسكو، والتي تتجرع حالياً الآثار السلبية لانهيار صناعة التكنولوجيا التي تكبدتها الحياة التجارية في سان فرانسيسكو. وهناك عدد كبير من الأشخاص يجمعون بين العمل في عدة مشروعات والعمل الاستشاري، ويشاركون اصدقاءهم في بعض الاعمال، ويسافرون الى اماكن اخرى من أجل العمل، على حد قول ستيورات أوين، الذي يعمل في مجال الدعاية والإعلان. ويعلم أوين انه جمع لمدة عام ونصف العام بين عمله الأصلي وعمل آخر مؤقت وذلك قبل أن يترك عائلته في مارين ليسافر للعمل في نيويورك. وقد عادت شركة «مكجاري بوين» التي تتخصص في مجال الدعاية والاعلان، وهي الشركة نفسها التي يعمل بها أوين، إلى العمل مرة أخرى في السوق النشط لعالم الاعلانات. ويقول أوين ان انتهاء الطفرة التي حدثت في مجال التقنية ربما يكون السبب في انتقاله الى نيويورك، ولكن سان فرانسيسكو كانت بالفعل قد فقدت اهميتها قبل ذلك كمدينة جذب رئيسية للأعمال والتجارة. وقد ساهمت الثروة التي كونها في تخفيف قدر الألم الذي يشعر به على الرغم من أن آثار هذه الثروة لا توازي بالضبط قدر الألم الذي يشعر به نتيجة ما تجرعته سان فرانسيسكو من تدهور. أما اندرو هايد فقد ترك شركة الانترنت التي كان يعمل بها بمكسب مادي ضخم إثر اندماج قامت به الشركة مع إحدى الشركات الأخرى. قد لعب الحظ دوراً كبيرا في حصوله على هذا المكسب المادي، على الرغم من انه يوضح ان ما حدث لم يكن كافياً لتكوين الثروة التي يريدها. فقد كان من المهم أن يتم العثور على وسيلة للحفاظ على هذه المكاسب أيضاً. فقد قام الكثيرون باعادة تدوير مكاسبهم المالية في صورة اسهم في بورصات التقنية. ويقول هاير «هؤلاء كانوا اناسا اذكياء، وساعدهم بعد ذلك الحظ، وهم يعتقدون ان الحظ جاء نتيجة ما فعلوه. قليلون فقط هم الذين فكروا في وضع أموالهم في البنك، فرغم كل شيء كانت اسعار الاسهم ستظل على ارتفاعها. وبالنسبة لهؤلاء الذين ليس لديهم وظيفة أو لم يحالفهم الحظ في الحصول على مكسب مفاجيء أو غير متوقع، فإن البحث عن عمل يأخذ شكلا جديداً من الأهمية والالحاح. البحث عن العمل ليس هو الحلم الذي يراود قوة عاملة تتسم بهذا القدر الكبير من الابداع والمرونة في التفكير، والتي ابدعت وحققت انجازات وقت الطفرة التقنية التي كانت مسيطرة على الأجواء. ففي ذلك الوقت، ما الذي كان سيحدث إذا أفلست شركة أحدهم؟ لقد كان هناك دائما بديل فوري أمام كل من كان يفقد وظيفته لسبب او لآخر، فعلى الرغم من كل شيء، كان الفشل، طبقاً لتقاليد وأعراف المكان، امراً يعد استثناء نادراً. وجلس هايد من غرفة معيشته وتناول حاسبه الشخصي الذي لايزيد حجمه عن كف اليد وظل يتصفح سلسلة طويلة من الرسائل الالكترونية بعثها إليه أحد زملائه القدامى يبحث الآن بشدة عن عمل. يقول هذا الزميل في إحدى الرسائل: «لقد انتهت الحفلة.. حسناً وكذلك حفلتي أنا لقد انتهت على كل حال.. إن شبح الموت سوف يطرق بابي قريباً، إذا لم أعثر على عمل. فاذا كنت تعلم بوجود أي فرصة عمل، أو تعلم بأي شخص يبحث عن موظفين فالرجاء اعلامي». هناك ادلة عديدة على ان روح المغامرة التي جعلت من وادي السليكون قبلة هواة المخاطر من اصحاب رؤوس الأموال من مختلف أرجاء العالم آخذة في الانحسار. وحتى تتأكد من ذلك، كان عليك فقط أن تستمع مؤخراً الى المحطة الاذاعية التي تبثها قناة «سي إن إي تي»، المسئولة عن اذاعة اخبار صناعة التكنولوجيا، حيث كان أحد مقدمي البرامج منشغلا في مدح فضائل العثور على عمل مع الحكومة الفيدرالية، بما يتضمنه ذلك العمل من فوائد مثل اعطاء مقابل عند غلاء الاسعار. إن هذا بالضبط هو ما يطلق عليه الوظيفة العاطلة التي لا يقوم صاحبها بأي عمل أو يقوم بعمل لايتكافأ مع راتبه الكبير، وهو نوع الوظائف التي كانت تثير الاستهجان والسخرية وقت الازدهار التقني، أما الآن فلم يعد الأمر كذلك. وواصل ذلك المقدم حديثه الاذاعي قائلا: «هناك فرص جيدة للعيش في واشنطن، وهناك من الصعب جداً أن تفقد وظيفتك.. ولقد فقدت بعض الأماكن، التي كانت في السابق تعكس الأجواء المليئة بالآمال المسيطرة حينذاك على وادي السليكون، قدراً كبيراً من جاذبيتها. فعلى سبيل المثال هناك مطعم «باكس» الذي لا يبعد كثيرا عن المباني منخفضة الارتفاع الموجودة على طريق ساند هيل حيث توجد شركات المشروعات التجارية ذات رؤوس الأموال الضخمة بجانب بعضها البعض. فلا يزال هذا المطعم يملك روح المساواة والتعادل بين البشر التي يفتخر بها وادي السليكون. فهناك يجلس رجال المال من الغرب الاميركي على كراسي من البلاستيك ويحتسون القهوة في فناجين غليظة من الخزف النفيس. فهذا هو المكان الذي يجلس فيه «اصحاب رؤوس الاموال الكبار مع عمال البناء والقائمين على نظافة الحدائق، على حد قول روجر كاتس، وهو مهندس تحول مؤخرا للعمل في مجال المال والاستثمار. وفي هذه الايام اصبح عمال البناء والتشييد اكثر بروزا من اصحاب رؤوس الاموال. فمطعم «باكس» يفتحر بكونه المكان الذي شهد مولد شركة «نيتسكيب» الشهيرة في مجال الانترنت، غير ان سحر المكان تلاشى مع انحسار التوقعات الكبرى التي كانت مصاحبة لمستقبل الشركة والآن يتم على مقاعد المطعم مناقشة شكل جديد واكثر صعوبة من الاقتصاد. ويتناول كاتس منديلا ليشرح الجانب التقني الذي يتخصص به وهو الطاقة التخزينية للحاسوب الالي. فطوفان الاموال الذي تدفق في اواخر التسعينيات قد ادى الى تكوين اكثر من 250 شركة خاصة عاملة في مجال التخزين الحاسوبي، معظم هذه الشركات الآن اخذة في الافلاس وليس لديها اي امل في النجاة، ربما تستطيع نسبة 15% الى 20% منها ان تنجوا، على حد قول كاتس، اما الباقي فسوف ينتهي وسينتهي الحال بموظفي هذه الشركات، الذين كانوا يملؤهم الامل في السابق، على مقهى «ستاربكس» باحثين عن وظائف شاغرة. وفي «فورنايو»، احد الاماكن الاخرى المعروفة باجتذابها لرجال المال، هناك شعور مماثل بأن الحفلة قد انتهت منذ فترة وجيزة. ويقع هذا المكان بين اشجار النخيل الموجودة في وسط مدينة بالو التو، وهي عبارة عن مجموعة من الجدران المصنوعة من الجص والحديد المطروق تحمل عبق البحر المتوسط من على بعد كبير. وترى عدد كبير من نوافذ هذه المنطقة تحمل يافطات «للايجار». وبين ثنايا هذه المنطقة لا تزال تتجمع مجموعات من رجال المال والممولين وقد سيطرت عليهم حالة من الهدوء بفعل الاجواء المحيطة وروائح الثوم والحبق. ولو كانوا يعيشون من عصر اخر، لأصبح الصغار من هؤلاء من رجال المال، الذين يظهرون في هذه المنطقة مرتدين قمصانهم الكاكية والزرقاء الغامقة، مصرفيين او مستشارين في مجال الادارة والاعمال. اما الاكبر منهم الذين يرتدون معاطف رمادية وتظهر على وجوههم علامات الحكمة المسيطرة عليها الرضا بما هم عليه، فيتكئون على ظهورهم مستمتعين بما حققوه من نجاح. غير ان عددا كبيرا من الموائد كان خاليا فصنبور المال توقف عن العمل. يقول روجر مكنامي، احد رجال المال البارزين من وادي السليكون.. «غصت فترة التسعينيات بعمل الصفقات، وكان كل من «باكسي» و«فورنايو» من الاماكن التي يتم فيها عقد هذه الصفقات». واذا كانت دراما عقد الصفقات قد ولت، وانتهت فصولها، فما هو الأمل الذي يبقى لهؤلاء المكافحين الموجودين في الادوار الارضية؟ يقول ألن: «اذا كانت الأموال غير موجودة هنا، واستطيع ان أفضل على اموالي في نيويورك، فربما انتقل ايضا الى كونكتيكيوت لأكون اكثر قربا من عملائنا». والآن هناك عدد متزايد من الاشخاص الذين لديهم معارف او اصدقاء غادروا وادي السليكون، او يفكرون في الذهاب الى مكان اخر. ولا تزال تلك الاعداد من الناس صغيرة مقارنة بالتدفق البشري الذي صاحب حدوث الطفرة التكنولوجية. غير ان اشخاصا مثل بيتر آلن واندروهايد يقولون انهم ربما ينتهي بهم الحال الى الذهاب الى اماكن اخرى في اطار بحثهم عن وظائف، على الرغم من انهم لا يتطلعون الى مغادرة المكان. واذا كانت مواقع عقد الصفقات قد فقدت بريقها في اعين رجال المال، فان هناك اماكن لا تزال تنبض فيها دقات قلب صناعة التقنية بقوة.ومن اجل ان يذكر بالأمر الذي تسبب في نجاح وادي السليكون في المقام الاول، يدعو روجر مكنامي الى القيام بزيارة الى متجر «فرايز» وهو احد متاجر بيع الالكترونيات في بالو التو. هذا المتجر يغص بجميع الاشياء التي يمكن ان تتوقعها في متجر للالكترونيات، من اجهزة تلفزيون وكمبيوتر والعاب حاسوبية وصبية في سن المراهقة ينتظرون بفارغ الصبر دورهم على أجهزة الكمبيوتر لكي يمارسوا هوايتهم في اللعب. ويوجد بالمتجر جميع ما يحتاجه المرء لتكوين جهاز كمبيوتر من كيبلات ووصلات كهربائية واقراص صلبة ووحدات تشغيل. ولا يبدو ان هذا المكان يمكن ان يوجد في اي مكان آخر غير مكانه الموجود فيه، وكان مجرد ذكر اسم متجر «فرايز» كفيلا بارجاع حالة الاشراق لوجه بيتر آلن، فقد عاد مرة اخرى مؤشر طاقته ليصل الى اقصى حد له عند سماع اسم هذا المتجر. فهذا هو المكان الذين تتواجد فيه روح هؤلاء المهندسين غير المهندمين الذين تعوزهم الاناقة او الذوق الرفيع الذين خلقوا الثورة الرقمية. ويقول الن حينذاك عن هذا المتجر وهو يمتلئ بالحماسة «انه جنة العباقرة». غير ان الامر قد يستغرق وقتا طويلا قبل ان يتمكن وادي السليكون من ان يدعى مرة اخرى احقيته في نيل هذا اللقب». بقلم: ريتشارد ووترز _ ترجمة: حاتم حسين عن «فاينانشال تايمز»