الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 يرسم تلفزيون غروزني الرسمي الوحيد صورة وردية للحياة وهي تعود لحالتها الطبيعية في هذه الجمهورية التي مزقتها الحرب، البيوت يعاد بناؤها، الخدمات يعاد تجديدها والناس يحتضنون بحماس خطة السلام الأخيرة التي طرحها الكرملين. غير أن بعض العاملين في محطة التلفزة بعيدا عن أعين الكاميرا، يسردون تفاصيل مختلفة. شأن غيرهم من الشيشانيين الذين يتظاهرون بالولاء لموسكو يقول هؤلاء الذين التقيناهم في جولة صحافية في أرجاء غروزني التي تحتشد فيها وتديرها القوات الروسية ان الاجراءات الأمنية الروسية الصارمة والأنشطة الليلية التي يقوم بها المقاتلون تجعل الحياة بين أطلال العاصمة الشيشانية بعيدة عن الحياة الطبيعية. حتى بوجود العناصر المكلفة بالحفاظ على الأمن، فان بعض المواطنين يسربون أخبارا عن اختفاء أقاربهم وأصدقائهم بعد ان يتم توقيفهم في مراكز التفتيش الروسية، التي تزدحم بها أنحاء المدينة. يقول المخرج رحمن ماساييف «لا يوجد حتى الشعور البسيط بالأمن. الناس لا يمكنهم التأكد من أنهم سيعيشون غدا». لقد أرهقت غروزني المدينة القوقازية الجبلية الجميلة التي يعيش فيها مليون نسمة بحربين. وفي الوقت الذي لا يزال يقيم فيها عدد قليل من سكانها يصل الى مئات الآلاف في الأحياء التي لم يطلها الكثير من الدمار، فان وسطها قد تحول الى مسرح للمباني المهدمة، والألغام وركام قطع الأحجار. وفي كل مساء يتسابق الروس لأخذ زوارهم الى داخل القاعدة العسكرية (الخنكالا) قبل حلول الظلام وبدء المدافع قنصها وهدير الهاونات وقعقعة البنادق الآلية. كان موضوع جولتنا الاخيرة، الذي ردده مستضيفونا كما لو انهم يرددون انشودة هو عودة النظام الى الشيشان تحت السيطرة الروسية، بعد عقد من الحرب وشبه الاستقلال الذي ظلت تعيشه تحت قيادة الانفصاليين. وتكشف النظرة السريعة عن أن الأجزاء الأكثر تضررا من جروزني حصلت بشكل واضح على الغاز والكهرباء، وفتح عدد قليل من المدارس والمستشفيات وخضع عدد قليل من المباني الموجودة في وسط المدينة لاعادة التجديد. يقول رسلان تيموروف أحد عمال البناء «هناك بعض الاصلاحات تشمل حوالي 10% من المباني» ولكن العملية تسير على نحو بطيء. فالكهرباء تتعرض للانقطاع طوال الوقت وعلينا أن ننهي عملنا بحلول الثالثة مساء للعودة الى بيتنا قبل الظلام. هذه المناطق خطرة، خاصة المناطق الواقعة في قلب المدينة. في اثناء الحرب كانت مصادر المياه في غروزني ملوثة بالبترول، والآن صارت تنقل الينا بواسطة الشاحنات ان البحث عن الماء من أجل الاستحمام أو الطهي أو الاغراض الصحية بات يشكل صراعاً يومياً. غير ان هذه المشكلات لا تعني شيئا بالمقارنة بمشكلات الارهاب، فحتى المؤيدين للروس يقولون انهم يعانون في أثناء مرورهم عبر مراكز التفتيش الروسية وأثناء قيام القوات الروسية بحملات التفتيش الأمنية. تقول روزا يوسوبوفا رئيسة الممرضات في مستشفى غروزني لقد جرجر الجنود الروسي زوجي من سيارته الشهرالماضي وقاموا بركله ولكمه «الا انه كان محظوظا فالعديد من الرجال في قريتنا تم اخذهم ولم يعودوا مرة ثانية». احدى النقاط المضيئة هي المعهد الحكومي للبترول، الذي يتولى اعداد حوالي 300 طالب على أمل ان يتولى هؤلاء العمل في حال استئناف صناعة البترول الشيشانية التي ازدهرت ذات يوم نشاطها. غير ان شاربو دي زوربيكوف بعد مقابلة صعبة حدق بعصبية في وجه ضباط الأمن الروس الموجودين في الغرفة وقال: «المشكلة الكبرى هنا هي ان طلابنا يتم توقيفهم في نقاط التفتيش لدى توجههم او عودتهم من المعهد ويقول الروس انهم يشتبهون بتورطهم في انشطة ثورية. وهذا مما يتطلب مني التدخل بشكل شخصي في كل مرة «وقد حدث هذا 15 مرة في السنوات الاخيرة» ويضيف «نحمد الله على ان أياً منهم لم يختف للابد». ان مسألة اختفاء مئات وربما آلاف الاشخاص هي الاكثر حساسية. وقد منع القائمون على حفظ الأمن في صفوف القوات الروسية على نحو قسري الصحافيين من الاتصال بحوالي 20 امرأة شيشانية مسنة كن يسعين للوصول اليهم، وهن يحملن صور ابنائهن وأزواجهن الذين اختفوا. وبعد تسللها بين الصفوف قالت ياخيتا باكرييف انها تريد من العالم ان يعرف عن قريبها عمر اوزدوميروف العضو في احدى فرق الرقص الشعبي الشيشانية لقد اخذوه في اثناء وقوفه امام نقطة تفتيش قريبة من سوق غروزني المركزي في شهر يوليو الماضي، لقد توجهنا بنداءاتنا الى الشرطة والمدير العسكري والصليب الأحمر لكل من كان يأتي ببالنا الا انه لم تتوفر لدينا أي معلومات عنه. اننا بالاضافة الى شعورنا بالقلق على أنفسنا نشعر بالقلق تجاهه. وبينما يعترف الكولونيل شابانوف بحدوث بعض الاختراقات في مراكز التفتيش فانه يقول ان غالبية الشكاوى التي يصل عددها الى 1630 التي تقدمت بها العائلات الشيشانية «ملفقة» ويزعم النساء اللاتي يقمن بالاحتجاج هن عميلات للثوار يتلقين اموالا مقابل هذا العمل «لدينا ادلة تثبت ان هذه القضايا في الغالب تتعلق برجال العصابات الذين ماتوا وهم يقاتلون قواتنا، وادعت عائلاتهم فيما بعد ان السلطات الفيدرالية قد اخذتهم. ان الروس يخططون الآن لاعادة عشرات الآلاف من اللاجئين الذين فروا من غروزني على مدى السنوات الثلاث الاخيرة الى معسكرات آمنة اقامتها الامم المتحدة في انجوشيا المجاورة، وهناك عشرة مراكز استيطان مؤقتة في غروزني، على الرغم مما تقوله جماعة حقوق الانسان من ان النصف فقط صالح للسكن. احد المعسكرات اقيم في مبنى كانت تشغله روضة اطفال سابقا وهو مبنى توفرت فيه التدفئة والحماية ونقل اليه في شهر يونيو الماضي 500 شخص من معسكر اللاجئين في زنامينسكوي الواقعة شمال الشيشان. تقول نينا ابزايلوفا من الممكن العيش هنا غير اننا نفضل البقاء في زنامينسكوي المكان الأكثر أمنا. ولكنهم بدأوا بتمزيق الخيام، وكان عليهم أن يرحلوا. وعلى الرغم من تعهد الرئيس الروسي بأن أحدا من اللاجئين لم يحمل على العودة. واعادة المسئولون الروس هذه التأكيدات الا ان هناك ايضا صرامة في هذه التصريحات. يقول شابانوف «لقد حان الوقت للتخلص من هذه البيوت التي يختبئ فيها الثوار في انجوشيا». ومن جانبها تخاف سافدت كاليميوليفيا، أحد سكان معسكر روضة الاطفال السابق على اطفالها الثلاثة «هناك اطلاق للنار وتفجيرات في كل ليلة. مما يمنعنا من النوم، اننا نتجمع في مكان واحد فقط. انا اخاف على ابني البالغ من العمر ستة عشر عاما. ماذا لو أخذوه. بقلم: فريد وير ترجمة: مريم جمعة فرج _ عن «كريستيان ساينس مونيتور»