الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 لم تكن مجموعة القواعد الاميركية الخارجية التي تمكنت الولايات المتحدة من خلالها من الحفاظ على وضعها الاستراتيجي خلال الحرب الباردة مسألة جرى التخطيط لها ولكنها جاءت حيث تصادف أن توقفت قوات الحلفاء مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع انحسار توابعها، الحرب الأهلية اليونانية والحرب الكورية في نهاية المطاف. لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها تحظى بحق اقامة قواعد في ألمانيا واليابان وكوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط وأماكن أخرى. وبشكل خاص فإن عدونا اللدود - ألمانيا- أصبح، وبالتحديد انطلاقا من الدور الكبير الذي لعبته اميركا في تفكيك نظامه النازي ، المساند الرئيسي للقوات الاميركية في اوراسيا لدرجة وصلت الى أن جيلين من الجنود الاميركيين أصبحوا معتادين بحميمية على المانيا، يتعلمون لغتها، وفي حالات كثيرة يتزوجون من مواطناتها، وعلى ذلك فإنه اذا كان للجيش الاميركي مكان يؤثره على غيره فإن هذا المكان ليس الا المانيا. على النمط نفسه يمكن اتباع سيناريو مشابه لذلك في العراق والذي يعد المكان الأكثر منطقية لنقل القواعد الاميركية في الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، ولاتعود أصول هذا الاستنتاج الى أى شعور بنشوة انتصار امبريالي، بل على العكس، أنها تنطلق ليس فقط من أن مستقبلا كئيبا يواجه القواعد الاميركية في العديد من المناطق ولكن أيضا من أن الشرق الأوسط بشكل عام يمر بمنعطف تاريخي يمكن أن يضعف من التأثير الاميركي به في عدة مناطق. وبالطبع فإن نقل قواعدنا الى العراق سيشكل استمراراً لقبول التغيير الديناميكي النشط أكثر من الابقاء على الوضع الراهن. هناك جانبان في الواقع القائم لا يمكن الدفاع عنهما، وهما وجود القوات الاميركية في مناطق لاترحب بها، وهيمنة اسرائيل على ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد شجع رفض الرئيس بوش اجبار اسرائيل على الخروج من الضفة موقف المحافظين الجدد لكنها ظاهرة مؤقتة ولايمكننا الضغط على اسرائيل من أجل انسحاب منظم من الأراضي المحتلة الا بعد أن نكون حققنا نتائج أكثر حسما في حربنا ضد القاعدة أو الاطاحة بالنظام العراقي أو كليهما، فحينئذ يمكننا أن نفعل ذلك من موقع قوة مكتسبة جديدا. ولن يبدو ذلك استسلاما لضغوط مجموعة منفذي أحداث 11 سبتمبر أو الانتحاريين الفلسطينيين. ولكن اولا فإن القضية العاجلة هي العراق. إن مستوى الضغوط التي يتعرض لها الشعب هناك يعادل ذلك الذي كان في رومانيا تحت حكم الديكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو أو ستالين في الاتحاد السوفييتي، ولذلك فإن الرأي العام هناك غير معروف الاتجاه. ومع ذلك يظهر أن هناك في العراق اتجاهين ثقافيين تاريخيين هما العلمانية الحضرية والخنوع الشديد. فالعراق كان أكثر المجتمعات العربية تحديثا في منتصف القرن العشرين وكل الانقلابات التي وقعت منذ اسقاط العرش الهاشمي في 1958 أعلنت علمانيتها بصراحة. وإزاء تاريخ القمع الطويل هذا فإن التغيير في النظام المقبل بالعراق يمكن أن يحيي سمعة ليس أي شخصية دينية بل رئيس الوزراء العلماني المؤيد للغرب نوري السعيد الذي عمل أكثر من أى عراقي آخر لبناء بلاده في الأربعينيات والخمسينيات. وكما في رومانيا فإن سقوط تشاوشيسكو أحيا ذكرى أيون انتيسكو القومي الموالي لهتلر الذي أعدم في 1946 من قبل الحكومة الشيوعية الجديدة. وعلى ذلك فإن سقوط الحكومة العراقية الحالية يمكن أن يحيى ذكرى الزعيم المحلي الذي قتل في الانقلاب الذي اطلق البلاد على الطريق الراهن. إن العراق لديه حاكم صارم واحد ولذلك فإن الاطاحة به سوف تهدد بتفسخ ذلك البلد اذا لم نعمل سريعا وعمليا على تنصيب اولئك الذين يمكن أن يحكموا البلد فعليا، ولذلك يجب أن نترفع عن أي نزوع لتطبيق الديمقراطية في بلد بعيد عن هذا التقليد. إن هدفنا في العراق يجب أن يكون دكتاتورية علمانية انتقالية يمكن أن توجه الطبقة التجارية عبر الخطوط الطائفية. وفي الوقت نفسه فإن بناء المؤسسات والاقتصاد سوف يؤدي الى توفير خيار ديمقراطي! وبشكل خاص فإن العلاقة الغامضة والمعقدة بين النظام العراقي والأكراد يجب أن تناقش قبل عملية الغزو حيث يمكن أن يطالب الأكراد بحكم ذاتي حقيقي فيما يمكن أن تطالب الحكومة المركزية في بغداد بأن تكون المناطق الكردية تحت سيطرتها. ويمكن للنظام الانتقالي أن يضمن لنا حق استخدام القواعد المحلية اكثر من اولئك الذين في الشمال في المنطقة الحرة الكردية. ويجب تذكر أن الشرق الأوسط يعد معمل سياسات القوة المحضة. على سبيل المثال فأنه لا يوجد شئ أثار اعجاب الايرانيين اكثر من اسقاطنا العرضي لطائرتهم المدنية في عام 1988 والذي يعتقدون أنه لم يكن عرضيا. وقد جاء وقف اطلاق النار مع العراق جزئيا نتيجة لهذا الاعتقاد. إن ايران بعدد سكانها البالغ 66 مليون نسمة تعد مفصل الشرق الأوسط العالمي وسياساتها الداخلية تعد معقدة بشكل يصل في بعض الأحيان الى حد أن تبدو وكأن الدولة لها ثلاث حكومات متنافسة : القائد الأعلى علي خامنئي وتابعوه في جهاز أمن الدولة، والرئيس خاتمي وحكومته المنتخبة ذات التوجه الغربي، والرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني والذي جعلت منه قاعدة سلطته البازارية وسيطا بين الاثنين الاخرين، وأحيانا تكون السياسة الايرانية نتيجة توازنات دقيقة بين هذه القوى الثلاث وفي مرات اخرى تكون نتيجة المنافسة وعلى ذلك فمن الواضح أن نظامى العراق وايران مختلفان بشكل أساسي ولذلك فإننا نواجه تحديات في كلا البلدين. إن ايران تعد اكثر تطورا سياسيا من العراق حيث لديها نظام حكم اكثر من سلطة مجردة، مهما كانت غير متوافقة مع أهدافنا، وعلى ذلك فإن دبلوماسية من نوع تلك التي اتبعها هنري كيسنجر بنجاح في الصين مع ماوتسي تونج وشو بن لاي لن تفلح في ايران ببساطة لكثرة عدد اللاعبين السياسيين الفاعلين. وبالطبع لأن كثير من القضايا الرئيسية تعد موضوعات للتفاوض الداخلي ولذلك فإن سياسة ايران الداخلية سوف تتغير فقط عندما تدرك قيادتها الجماعية أنه لا يوجد خيار آخر. إن تحقيق تغيير في السياسة الخارجية الايرانية نحو الاعتدال سوف يكون دليلا كافياً على تفكيك النظام في العراق، وهذا يمكن أن يقوض الدعم الايراني لحزب الله في لبنان على الحدود الشمالية لاسرائيل، كما يمكن أن يؤدي الى ازالة التهديد الصاروخي الاستراتيجي لاسرائيل، وأن يدفع سوريا باتجاه الاعتدال. وسيسمح هذا بانشاء تحالف غير عربي غير رسمي في اطار منطقة الشرق الأدنى ليشمل ايران، اسرائيل، تركيا، اريتريا. وتركيا لديها بالفعل تحالف عسكري مع اسرائيل، والأريتريون الذين اوجدت حربهم الطويلة مع النظام الأثيوبي الماركسي السابق روح انعزالية عن جيرانهم القريبين طوروا بالفعل علاقات قوية مع اسرائيل، وتتمتع اريتريا بسكان علمانيين وتوفر موقعا استراتيجيا مع تسهيلات بحرية جيدة قرب مضيق باب المندب. كل ذلك يمكن أن يساعد في توفير سياق داعم لانسحاب اسرائيلي من الضفة الغربية وغزة. ومشكلة خطة السلام التي طرحت من قبل الرئيس كلينتون ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود باراك في صيف 2000 أنها جاءت بعد الانسحاب الاسرائيلي من لبنان مما ساهم في الاستقبال العربي لها على أنها تعبر عن ضعف أكثر منها تعبيرا عن القوة، لذلك فإن اسرائيل يجب أن تهتم بتحسين موقعها الاستراتيجي قبل أن تعرض مثل هذا الانسحاب مرة ثانية. بالطبع، فإن العديد من الفلسطينيين لن يكونوا راضين إلا برؤية اسرائيل وقد تم القضاء عليها ولكن في الوقت نفسه فإنه عندما لا يرون الجنود الاسرائيليين في مدنهم فإن عوامل الإحباط خاصة بين الشباب سوف تتحول بدورها نحو نخبهم المستغربة في رام الله والأماكن المماثلة، في اتجاه الشرق نحو عمان!. فيما يتعلق بالأردن وحلفائنا الأخرين فإن الادارة الاميركية سواء أكانت ديمقراطية أم جمهورية يجب ببساطة أن تتأقلم مع الاضطرابات التي يمكن تحملها في السنوات المقبلة، فهى لن تحصل على تعاطف من الإعلام أو من المجتمع الاكاديمي الذي يغالط بشأن النتائج الايجابية المتوقعة والتي طبقا لها يجب أن يكون هناك خيار أفضل من نظم حكم قائمة في المنطقة ومنها تلك القائمة في مصر والسعودية وباكستان. بالطبع ، فإن اضعاف النظام الوحشي لاسلام كريموف في اوزبكستان لن يؤدي بالضرورة الى بديل اكثر قبولا، أنه يمكن أن يؤدي الى اشعال حرب أهلية بين الأوزبك والأقلية العرقية من الطاجيك الذين يسيطرون على مدن سمرقند وبخارى. ولأن اوزبكستان مكانيا وجغرافيا نقطة ارتكاز أسيا الوسطى فيما بعد مرحلة سقوط الاتحاد السوفييتي فإن اولئك الذين يدعون لاعادة بناء الأمة في افغانستان يجب أن يدركوا أنه في السنوات المقبلة يمكن أن يكون هناك عدد كبير من الدول بحاجة لاعادة البناء، ولهذا السبب فإن البعض في البنتاغون مفتون باستراتيجية اتخاذ القواعد التي تقدم لنا خيارات في أسيا الوسطى حتى لو أدى ذلك الى انهيار بعض الدول واضطرارنا للتعامل مع كانتونات عرقية! إن نجاحنا في الحرب على الارهاب سيعرف بقدراتنا على الحفاظ على افغانستان وأماكن أخرى خالية من الارهابيين المعادين للاميركيين. وفي أجزاء عديدة من العالم فإن تلك المهمة سوف تنفذ بمهارة اكبر من خلال جنرالات حرب ذوي خبرة طويلة اكتسبوها من نزاعات سابقة، وليس من خلال حكومات مركزية ضعيفة تحاكي النماذج الغربية. بالطبع نحتاج للاطاحة بالمتشددين المعادين للاميركيين، قلب الدين حكمتيار، مثال جيد على ذلك حيث يسعى لاسقاط نظام حامد قرضاي الموالى للغرب. ولكن هذا لا يعنى أننا يجب أن نرى في حكومة قرضاي القوة الوحيدة ذات السيادة في البلاد. فانطلاقا من مثل تلك النظرة حول التماسك القومي الأفغاني لم ينجح نظام الملك ظاهر شاه من مقر حكمه في كابول منتصف القرن العشرين في السيطرة سوى على قليل من المدن والبلدات الرئيسية والطريق الموصل بينها. إن فرص بناء أمة تامة في افغانستان ليست محدودة فقط ولكنها أمر يتعلق بالحرب على الارهاب. إننا ننسى أن الغزو السوفييتي لافغانستان في ديسمبر 1979 لم يشعل ثورة المجاهدين ولكن هذا الأمر جاء في ابريل 1978 خلال محاولة نظام كابول السابق أن يمد سلطة حكومته المركزية الى القرى، ومع ذلك فإنه مهما كانت قسوتهم وأساليبهم المفتقدة للكفاءة فإن المرء يجب أن يتذكر أن الأفغان لديهم دراية أقل بتقاليد الدولة الحديثة مما لدى العرب أو الايرانيين. على أية حال فإن التغييرات التي قد تكون على وشك التجلي في الشرق الأوسط سوف تتراجع بافغانستان بعيدا عن الصفحات الأولى، ففي أواخر القرن التاسع عشر كانت الامبراطورية العثمانية تترنح من جراء ضعفها وكان انهيارها ينتظر كارثة الحرب العالمية الأولى. وعلى المنوال نفسه فإن الشرق الأوسط يتسم بوجود العديد من الأنظمة الضعيفة والتي تترنح في انتظار الكارثة لتحقق الانهيار والتي ربما تتمثل في الاحتلال الاميركي للعراق. إن السؤال الحقيقي ليس ما اذا كانت القوة الاميركية قادرة على اسقاط نظام الرئيس العراقي، ولكن ما اذا كان الرأي العام الاميركي لديه القدرة على تحمل التدخل الامبريالي على النحو الذي عرفناه عندما احتلت الولايات المتحدة المانيا واليابان؟ بقلم: روبرت كابلان _ ترجمة: مصطفى عبد الرازق عن «اتلانتيك اون لاين»