الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 هل من المبالغ فيه مطالبة الاسرائيليين بتوجيه انظارهم، ولو في نظرة خاطفة، الى ما يجري في الساحة الخلفية؟ هل نحن لا نزال قادرين على التوقف للحظة عن الانشغال الذي لا ينقطع في الانتخابات الداخلية، والانتباه لما يجري في هذه الاثناء في المناطق الخاضعة لاحتلالنا؟. ان الاجنبي الذي يعلق هنا لن يصدق ما تراه عيناه: بضعة أسابيع قبل موعد الانتخابات، الفترة التي من شأنها ان تؤدي الى ايضاح المواقف السياسية وابرازها، تواصل اسرائيل اغماض عينيها، وعدم الرؤيا وعدم السماع وعدم المعرفة لما تنكل به بحق ثلاثة ملايين من ابناء البشر. واذا كان من الصعب في الايام العادية القبول بهذا التجاهل الفظ ـ على سبيل ان ما لا يهمنا ليس موجودا ـ فانه عشية الانتخابات التي تعتبر (كالمعتاد) مصيرية، اجرامي على نحو خاص. وهاكم بعض آخر الانباء من الايام الاخيرة: خمسة فلسطينيين غير مسلحين، من شبه المؤكد انهم عمال يائسون حاولوا التسلل بواسطة سلم من غزة الى اسرائيل كي يجدوا عملا، اطلقت النار عليهم فاردتهم قتلى قذيفة دبابة وقبل ذلك بأيام قتل الجنود شاب معوق عقليا في طولكرم. وفي يوم الاحد اطلق الجنود النار على امرأتين وثلاثة اطفال في رفح. الام قتلت وطفلاها، ابن الاربعة وابن الخامسة عشرة، وامرأة اخرى اصيبوا بجراح خطيرة. وقال الجنود انهم اعتقدوا انهم من القائمين باعمال العنف. وفي اليوم السادس من ديسمبر قتل عشرة أشخاص، بمن فيهم امرأة واثنان من عمال وكالة الغوث، في مخيم اللاجئين البريج في قطاع غزة. وقبل ثلاثة ايام من ذلك قتلت امرأة في الخامسة والتسعين من عمرها وهي في سيارة عمومية بنار الجنود قرب رام الله. وبالاجمال قتل في الايام العشرة الاولى من هذا الشهر اكثر من ثلاثين فلسطينيا، نصفهم على الاقل مدنيون أبرياء. فما كان من قبل «شاذا» صار امرا يوميا، وما سبق ان خضع للتحقيق العسكري ـ لم يعد في معظمه يحظى بالفحص. فكم من الاسرائيليين يكترثون؟ ضحايا أبرياء، نساء، اطفال وشيوخ، لا يوجد الا لنا. ومعظم وسائل الاعلام تتحدث عن هذه الاحداث باختصار شديد، هذا ما تحدثت عنها أصلا. ولا يتطرق لها اي سياسي. والى هذا الحصاد الدموي تضاف الاعتقالات الجماعية: فحسب معطيات الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي فان اليوم يوجد قيد الاعتقال 3.094 فلسطينيا في السجون العسكرية فقط 932 منهم يخضعون للاعتقال الاداري. وبتعبير آخر فان في سجون الجيش الاسرائيلي يمكث نحو 1000 معتقل بدون محاكمة لنصف سنة على الاقل. قسم كبير من المعتقلين مسجونون في منشآتي اعتقال مؤقتتين، كتسيعون وعوفر، الشروط فيهما على ما يبدو قاسية. والجيش الاسرائيلي يمنع الصحفيين من الدخول اليهما منذ عدة اشهر. هذه معطيات وحقائق كان ينبغي لها ان تقلق الرأي العام بشدة، وحتى ذاك الرأي العام الذي يتأثر بتهديدات لا تنقطع من الارهاب. فالقتل اليومي والاعتقالات الجماعية بدون محاكمة كان ينبغي لها على الاقل ان تضع قيد البحث الجماهيري - ولكن عندنا فان الناس لا يهتمون، وكأنه لا يوجد لذلك اي تأثير حاسم ليس فقط على الضحايا، بل ايضا على الوضع الامني وعلى طبيعة النظام والمجتمع في اسرائيل. واذا كانت وسائل الاعلام لا تزال تتحدث عن اعمال القتل والاعتقالات في هوامش نشراتها، فان حبس الشعب الفلسطيني برمته يتواصل بلا عراقيل وبلا تقارير صحفية. مدن كاملة، خرب في قسم منها، تخضع لحظر شبه متواصل للتجول، شعب بأكمله لا يمكنه ان يتحرك من مدينة او قرية الى غيرهما دون تصريح ولا يوجد لذلك اي صدى في الجمهور الاسرائيلي. خبراء الامن يقولون بصوت موحد مثير للقلق بان هذا هو السبيل، ولا غيره، ويكاد لا يوجد احد يحتج. ومن الممكن الافتراض ان اغلبية الجمهور لا يعرف أبدا، وغير معني ان يعرف، اذا كان الفلسطينيون يخضعون الان لحظر التجول او لمجرد الاغلاق او الطوق. فهم لا يركزون الا على المصاعب وعلى الألم الخاص بنا، والذي لا ينبغي لا سمح الله التقليل من خطورته، يخافون الجلوس في المقاهي؟ بوسع الفلسطينيين منذ زمن بعيد ان يحلموا فقط بذلك. يخشون السفر في الباصات؟ لم يعد شيء كهذا في المناطق. يخشون الطيران؟ معظم الفلسطينيين لا يعرفون عما يجري الحديث؟ البطالة تتصاعد؟ لا مجال للمقارنة مع حجوم الفقر وسوء التغذية في المناطق التي معظم سكانها، كما يجدر الاشارة، ليسوا ارهابيين. تبقت بضعة اسابيع اخرى حتى الانتخابات، واحد لا يذكر مسئولية ارييل شارون، بنيامين بن اليعازر وشاؤول موفاز عن القتل والدمار. عمرام متسناع يكثر من الحديث عن الفصل وعن الامن - ولكنه لا يتحدث باي كلمة عن الاخلاق وعن العدل. وانضمام يوسي بيلين وياعيل ديان لميرتس قد يشدد مواقفها في هذا المجال. اما حداش والاحزاب العربية التي تحاول الحديث عما يجري حقا في المناطق فلا احد ينصت اليها. هذا وضع خطير. تهديدات الارهاب القاتل لا ينبغي ان تلغي كل ما تبقى. العمليات الانتحارية لا تبرر القتل اليومي للابرياء والاعتقالات الجماعية بدون محاكمة، ولا يمكن لشيء ان يبرر انعدام النقاش الجماهيري والتجاهل التام لكل هذه ولا سيما عشية الانتخابات. بقلم: جدعون ليفي _ عن «هآرتس»