الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 في بعض الاحيان يبدو وكأن هناك شعبين أو ثلاثة شعوب فلسطينية، الفلسطينيون في الضفة وغزة، والفلسطينيون القاطنون في شرقي القدس وأقاربهم، ومليون مواطن عربي اسرائيلي. هذه المجموعات الثلاث تعيش في ظل انظمة ادارية وقانونية مختلفة عن بعضها البعض. المجموعة الاولى، أي سكان الضفة والقطاع، هي مجموعة سكانية واقعة تحت الاحتلال وتخضع منذ 1994 الى هيمنة وسطوة عسكرية اسرائيلية وادارة فلسطينية مستقلة آخذة في الانكماش، أما المجموعة الثانية فهي مجموعة من السكان الذين خضعوا للاحتلال وجرى ضمهم لاسرائيل وحصلوا على حقوق الاقامة. هذا بينما نجد ان المجموعة الثالثة تملك من الناحية النظرية حق رسم السياسة الاسرائيلية على اعتبار انها صاحبة حق في التصويت للكنيست. الاولى تشهد العنف العسكري الفتاك بصورة يومية وتخضع لقيود الحركة التي هي من أشد وأخطر ما شهدته البلاد منذ الخمسينيات. أما المجموعة المقدسية الثانية فتتمتع بحقوق الاقامة الأساسية وحرية الحركة، الا انها تعيش في ظل تفرقة مؤسساتية رسمية مخططة وفظة ومهينة. وفي داخل اسرائيل تسمح مواطنة عرب اسرائيل لهم بمواجهة قضية التفرقة طويلة المدى ضدهم من خلال وسائل سياسية متنوعة. التجارب اليومية المتباينة الى حد كبير من المجموعات الثلاث - خصوصا خلال العامين الاخيرين- وأنواع المشكلات والمضايقات المختلفة تتمخض عن هيكلية متباينة من الانشغالات والهويات والخطط المستقبلية. وهي احيانا تتسبب بالجهل وعدم الدراية لدرجة الاغتراب. في المثلث والجليل تؤدي الحياة شبه الطبيعية، اذا أزلنا منها شوائب التفرقة، الى تقليص نقطة الالتقاء مع التجارب اليومية التي يصعب تحملها في الضفة والقطاع، شرقا وجنوبا. الا ان نقاط الالتقاء القليلة والملموسة التي تحدث تعود وتذكر المجموعات المختلفة بأنهم شعب واحد. مثل الحفلات الموسيقية في القدس الشرقية أو رام الله حيث ينظمها عازفون من هنا أو من هناك وبالعكس. وهناك ايضا أسماء العائلات التي تشير الى جذورهم الخليلية أو المقدسية. العرب الاسرائيليون يشترون الخضروات لأقاربهم تجار الخضروات في الضفة مثلا، أو يشترون البطاقات لهواتفهم الخلوية لعدم قدرتهم على الوصول الى أماكن الشراء، كما انهم يواصلون تشغيل العمال من دون تصاريح عمل ودخول مخاطرين بالغرامات والسجن. وهم يقومون بذلك ليس فقط من باب الربح والكسب وانما يخاطرون بذلك بدافع القلق على أقاربهم. وبث نبأ في التلفزيون عن مصادرة الاراضي وفرض الطوق والاغلاق في الضفة يدفع المسن من سخنين للتنهد مستذكرا ايام الحكم العسكري في الخمسينيات وتقليص مساحة قريته لصالح بناء مدينة يهودية جديدة. هذا ناهيك عن سكان مخيمات اللاجئين الذين يوجد لهم أقارب في اسرائيل. القاسم المشترك الثقافي والعاطفي بين العرب في الناصرة ويافا والفلسطينيين في رفح وقرى غرب رام الله قوي بدرجة لا تقل - ويبدو انه أكثر - مما يوحد المجندة الاسرائيلية الاثيوبية مع زميلها الروسي الذي جاء الى اسرائيل قبل سنة ونصف لأن والده كان يهوديا. والذاكرة الجماعية التي تتطور وتنشأ عند سكان دورا في الخليل لا تقل قوة عن الذاكرة التي يطورها التلاميذ الاسرائيليون من أصول مغربية واسبانية. الكثير من مواطني اسرائيل اليهود سيرون في هذه الحقيقة تهديدا لهوية الدولة اليهودية ولأمنهم الشخصي، الامر الذي يوجب زيادة الوسائل الشرطية ضد المواطنين العرب. هذا بينما سيقول آخرون بأن هذا السبب الذي يجب ان يدفعنا للانسحاب من المناطق. وآخرون سيشعرون بأن مطلبهم في ترحيل العرب قد تعزز وسيفاخرون قائلين انهم لا يدفنون رؤوسهم في الرمل - خلافا لاولئك الذين يرفضون الاعتراف بالعلاقات والأواصر العائلية والوطنية بين العرب من على جانبي الخط الاخضر، وبينهم وبين أبناء شعبهم في الشتات والمهاجر. ومن الممكن طرح كل ذلك في صورة اخرى. من مثل سكان اسرائيل من الفلسطينيين يعرف أهمية واستقرار المجتمع اليهودي - الاسرائيلي. ومن مثلهم تعلم مخاوفها وتناقضاتها الداخلية كدولة ديمقراطية واثنوقراطية في ذات الوقت. لهذا السبب أيد اغلبهم خلال فترة طويلة حل الدولتين وكانوا فاعلين في تعليق الآمال الوهمية على اوسلو. وهم كانوا مستعدين للعيش في تناقضهم الداخلي - شعب واحد يعيش تحت كيان سياسي واحد. الا ان دولة اسرائيل ستفقدهم وتزيد نفورهم منها كلما ازداد تمسكها بالمحاولات العسكرية لفرض الاستسلام على قسم ملموس من أبناء شعبهم. الفصل الديمغرافي الفظ والقاسي الذي تفرضه سياسة الحصار والجدار الفاصل على الفلسطينيين لن يفعل الا ان يزيد من مشاعر المصير الواحد بينهم ويعزز القائلين انها سلسلة ميول نهب وسلب صهيونية. وهذا لن يساعد في ايجاد حل لا يمكن له ان يكون حلا دائما، لانه لا يوجد مثل هذا الشيء في التاريخ. الحل يمكن ان يكون فقط ادارة عقلانية وغير دموية للصراع الدائر بين الشعب الفلسطيني والشعب الاسرائيلي - اليهودي. بقلم: عميره هاس _ عن «هآرتس»