السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 في الوقت الذي تعتزم الولايات المتحدة استخدام القوة لتنحية الرئيس العراقي عن السلطة، فإن من الضروري معالجة الشكوك لدى حلفاء اميركا، وبخاصة في اوروبا، ازاء شرعية مثل هذا التحرك. ان الاعتقاد الراسخ في اوروبا هو ان استخدام القوة لا يمكن الا ان يكون الملاذ الاخير فحسب، ويجب ان تضفي الامم المتحدة الشرعية عليه، وبينما تعتبر بدائل استخدام القوة، من قبيل الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية هي المفضلة غالبا، فإن هذا المفهوم الجلي ينزلق بسهولة الى الصيغة المبتذلة التي مفادها ان القوة ينبغي ان تكون دائما الملاذ الاخير، وفي حالة اوروبا، فإن اللجوء الى القوة لا يكون في الغالب الملاذ الاخير وذلك لان الاوروبيين لا يملكون القدرة الكافية لاستخدام القوة بحيث أنها يتم استبعادها عمليا كوسيلة للتأثير في الاحداث او احداث التغيير. وبالأخذ بعين الاعتبار القدرات العسكرية غير المناسبة لدى الاوروبيين، فإن العجز عن استخدام القوة يتخذ بسهولة شكل استقطاع هذا الاستخدام. وفي ظل قدرتنا العسكرية الأكبر، فاننا نحن الاميركيين نعد الطرف الذي يحتمل بشكل اكبر ان يفكر في العمل العسكري عندما يتعرض أمننا للتهديد. وتستحق فكرة اعتبار القوة ملاذا اخيرا فقط بعض الدراسة والتمحيص فما الذي نعنيه بالضبط بعبارة «الملاذ الاخير» هل نعني بذلك ان القوة لا يمكن استخدامها الا بعد تطبيق الاجراءات السياسية والاقتصادية على غرار العقوبات التي طبقناها سابقا على المتحاربين في يوغسلافيا السابقة؟ من المفترض ان يكون التردد في استخدام القوة مرتبطا، بصورة او بأخرى، بالرغبة في انقاذ الارواح فهل انقذنا ارواحا «او حسنا مستوى الامن بالنسبة لاولئك الاشخاص الذين كانت ارواحهم مهددة»، من خلال فرض العقوبات في البوسنة؟ لقد منعت تلك العقوبات المنطق على المعتدي والضحية على حد سواء الضحايا المسلمين من الدفاع عن انفسهم، وكان لتلك العقوبات الاثر في تركيز الاسلحة القاتلة بأيدي المعتدين.. ومات عشرات الألوف من المسلمين العزل نتيجة لذلك. هل حسّنا من الامن العالمي او تعاملنا بفاعلية مع الرئيس العراقي، بفرض العقوبات التي عملت من نواح عدة على تعزيز قوة الرئيس العراقي داخل بلاده؟ ان المسألة المتعلقة بالتوقيت والظروف الملائمة لاستخدام القوة ينبغي التطرق اليها بحنكة اكبر. ان الاستخفاف السهل باستخدام القوة ينبغي ان يعالج من قبل العالم الواقعي الذي نعيش فيه، فهنالك مواقف لا يمكن التعامل معها بفاعلية احيانا الا من خلال استخدام القوة، واذا كان بالامكان توقع هذا الامر منذ البداية، فإن من الحمق والخطورة الانخراط في فترة مطولة من الاجراءات السياسية والاقتصادية العقيمة، لنلجأ في النهاية الى القوة العسكرية، بعد ان يكون الوضع قد تدهور، واصبحت الخسائر العسكرية والبشرية اكبر بكثير. واليوم، نسمع كذلك نصيحة مفادها: «علينا ان نعمل من خلال الامم المتحدة» ولكن هل الامم المتحدة هي المؤسسة الوحيدة التي تضفي الشرعية عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة؟ ولماذا الامم المتحدة؟ هل هي قادرة بصورة أفضل على اضفاء الشرعية من تحالف من الديمقراطيات الليبرالية على سبيل المثال؟ هل اضافة اعضاء في الامم المتحدة مثل الصين، على سبيل المثال، او سوريا.. يضفي الشرعية على ما قد يكون بخلاف ذلك السياسة الجماعية لبلدان تشاركنا قيمنا؟ انك، في نهاية المطاف، عندما تمضي الى ما هو ابعد من الدول الديمقراطية في الامم المتحدة، انما تضيف انظمة ديكتاتورية ودولا ذات انظمة مستبدة.. الكثير منها.. ليس الا. انه لتوجه خطير ذلك الذي يتمثل في اعتبار الامم المتحدة وهي مؤسسة ضعيفة في احسن الاحوال، ومؤسسة تضم عددا كبيرا من الانظمة البغيضة، قادرة بصورة أو بأخرى على منح الشرعية بصورة افضل من مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي او الناتو. وقد ذهب حلفاء أميركا والادارة الأميركية السابقة الى المناداة بالاحتواء والردع باعتبارهما جوهر سياسة أمنية سليمة. بالتأكيد، هنالك ظروف يكون فيها الاحتواء سياسة ملائمة تماما. وكلنا نتمنى لو كان هناك كتاب قواعد يلتزم به الجميع. ولكن هناك اشخاصا يكسرون القواعد، ولا يكون الاحتواء فاعلا دائما. ولو اكتفينا باحتواء الاتحاد السوفييتي، لربما كان لا يزال قائما الى اليوم. ألسنا ومعنا الملايين من مواطنين الاتحاد السوفييتي سابقا ـ بحال افضل لأن الولايات المتحدة مضت الى ما هو ابعد من مجرد الاحتواء وتحدت شرعية الاتحاد السوفييتي القائم على النظام الاستبدادي؟ ان التحدي الايديولوجي والاخلاقي للاتحاد السوفييتي والذي تعاظم في ظل ادارة رونالد ريغان نقلنا الى ما هو ابعد من الاحتواء. واذا كان الاحتواء يعني ان نترك لبلد مثل العراق، القادر على الحاق اذى كبير، مطلق الحرية في الاستعداد لتنفيذ ذلك الاذى، فاننا نكون بذلك قد تورطنا في مجازفات حمقاء وطائشة وغير ضرورية. من الواضح ان اصعب مسألة توتر العلاقات بين الولايات المتحدة ومعظم دول العالم ترتبط بالموقف الأميركي من العراق. والتهمة هي اننا اذا تحركنا عسكريا، فاننا بذلك نتصرف باسلوب احادي. ولكن الكل يعترف بالحق في الدفاع عن النفس. اذن السؤال هو: هل الخطر من الرئيس العراقي على الولايات المتحدة وشيك بحيث يبرر استحضارنا لمفهوم الدفاع عن النفس فيما يتعلق بأي عمل عسكري قد تتخذه؟ متى يصبح تهديد ما وشيكا؟ متى يكون الوقت المناسب للتحرك دفاعا عن النفس؟ متى يكون ملائما اتخاذ عمل ما؟ وهل عليك ان تنتظر حتى يعلن التهديد عن نفسه بهجوم حقيقي، وربما على نطاق واسع؟ وفي هذا السياق، لا اعتقد ان أوروبا تعي حقا تأثير احداث 11 سبتمبر على الولايات المتحدة. ان احد دروس 11 سبتمبر هو ان من الممكن الانتظار فترة طويلة جدا. لقد انتظرنا طويلا جدا لكي نتعامل مع اسامة بن لادن. وكنا نعلم ما يجري داخل افغانستان. وراقبنا معسكرات التدريب بأنظمة التصوير من أعلى واستمعنا للمكالمات الهاتفية بين الارهابيين، وكنا ندرك تماما من خلال وسائل عديدة اخرى ان اسامة بن لادن يخطط لشن هجمات على الولايات المتحدة. فلقد نفذ عددا منها على سفاراتنا ومواقعنا العسكرية وسفننا الحربية كان الرد الأميركي الضعيف عليها، بالمناسبة، على نحو شبه مؤكد دافعا للمزيد من الهجمات التي توجت بأحداث 11 سبتمبر. اننا لا نريد ان نرتكب خطأ الانتظار لفترة طويلة جدا من جديد، وذلك هو ما يلاحظه العالم في التفكير الأميركي حيال العراق. ترجمة: ضرار عمير خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»