السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 شارون كما كتبنا في مرات كثيرة هو ظاهرة غير عادية في السياسة الاسرائيلية. لا يلتصق به أي شيء سييء أو أي فشل أو أي تحقير. وسائل الاعلام التي تحاول سبر غور هذه الأحجية لا يمكنها ان توضح كيف يمر من كل هذه الامور مرور الكرام. ذلك لان شارون الذي نعرفه كان في أغلب ايام حياته شخصا تختلف الآراء حوله تحديدا. لم يكن متعصبا لقول الحقيقة، ولا جنديا منصاعا، وكان وزير دفاع استطاع ان يلف حكومة بيغن في حرب لبنان على اصبعه، وكان ايضا وزير الدفاع الوحيد الذي أُقيل من منصبه. وضعه السياسي انتهى مرتين أو ثلاث مرات، الا انه عاد وانبعث حيا من جديد ليتآمر على كل رئيس حكومة يخدم هو تحت إمرته. خلال العشرين سنة التي كان فيها الليكود في الحكم تلاشت ثقافة الحكم الجابوتنسكية المعتبرة. شارون الذي لعب دور المقيد في كل حكومات الليكود ودور الجبروتي خاطف الميكروفونات نغص حياة الجميع وجعلها صعبة. فكيف يحدث ان يزدهر وينتعش وكأنه ليس في الواقع المرير والصعب خلال وجوده في رئاسة الحكومة؟. مكانته كمدلل وطني لم تنشأ من تلقاء نفسها، اذ انه حريص جدا على ترسيخها من خلال اطلاق رسائل مبهمة غامضة تبعده عن أي ضرر قد يلحق به من الناحية السلبية. اغلبية الجمهور لا تستوعب ولا تهضم ان لديه تأثيرا أو مسئولية ما عما يحدث. وذلك لأسباب يقوم شارون نفسه بتدعيمها: انه لا يمكن الوثوق بالعرب، وان الطرف الذي يتحمل المسئولية عن الوضع هو حزب «المعراخ» الذي عقد اتفاقات اوسلو وأعطى السلاح للفلسطينيين حتى يستخدموه ضدنا، وان بيريز وبيلين قد أسقطا رابين في الفخ، وان العمل ليس جديرا بالوصول الى الحكم. شارون الذي فكك السلطة بصورة مبرمجة ومنهجية ولم يبادر الى أي خطوة أو فكرة ابداعية للحل السياسي أقنع الجمهور انه لا يوجد من يمكن التفاوض معه في الطرف الآخر، كما انه عزز عند الناس مشاعر الارتياب والوساوس معتقدين ان العالم كله ضدنا لدوافع لاسامية وليس لان ذلك نابع من دافع انتقاد السياسة الاسرائيلية. شعار «العالم كله ضدنا» الذي خدم حزب العمل ذات مرة أصبح اليوم ثروة بالنسبة لشارون. العرب لا يريدون التسوية وانما يسعون لقتل كل اليهود فقط. التركيز دائما هو على كلمة يهود حتى اذا أعادوا كل المناطق لهم. باختصار كل المصائب التي نزلت على رؤوسنا اقتصاديا وأمنيا ليست نابعة من قيادة شارون الفاشلة وانما من الارهاب والعرب و«المعراخ» واليسار ووسائل الاعلام المعادية. شارون يعرف كيف يغذي المشاعر الداخلية عند قسم كبير من الجمهور الذي يرغب في ان يكون مخدوعا ومضللا. وهو مضلل فعلا. والسؤال هو كيف ستؤثر الشبهات بوجود قضايا فساد في انتخابات الليكود الداخلية على مكانة شارون؟ اكتشاف امكانية شراء مقعد في الكنيست مقابل المال أو ومن خلال ضلوع أطراف من عالم الجريمة السفلى أصاب الكثيرين من اعضاء الليكود القدامى بالصدمة..... ولو أصوات؟ صفقات مالية؟، بلادنا لم تشهد مثل هذا الانحطاط والتدهور الاجرامي قط. الانتقال الى اسلوب الانتخابات الداخلية التمهيدية في الاحزاب تمخض تدريجيا عن العلاقة الفتاكة بين المال والسياسة. الا ان الفساد الذي كشف النقاب عنه في الليكود، وخطر تغلغل ونفاد جهات اجرامية الى الكنيست أثار السؤال حول هوية ثواب الليكود في الكنيست، ولمن سيكون خضوعهم وولاؤهم الحقيقي. شارون أصدر اوامره لوزير العدل حتى يشكل لجنة تحقيق خاصة تلزم باجراء انتخابات داخلية مفتوحة، هذا في الوقت الذي بدأت فيه الشرطة تحقيقاتها في القضية، فهذا هو شارون الكلاسيكي الذي يستطيع ان يبعد نفسه عن كل قضية ضارة. شارون هو الذي بادر عمليا الى تجنيد مئات آلاف المنتسبين الجدد لحزب الليكود حتى يغرق الاغلبية التي يتمتع بها نتانياهو في المركز في بحرهم. ومن خلال هذه الآلاف المتدفقة تسللت عناصر مريبة مشبوهة من خلال الصفقات والاموال. عن «هآرتس»