الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 لم يصدق أحد قدامى المحاربين في فيتنام ما رأته عيناه. فقد انفجر الثوار الافغان بالضحك عندما انفجرت القذيفة الاولى على بعد 70 متراً عنهم. اما هو، فقد وجد على الاقل غطاء جزئيا من الهجوم، ولكن المجاهدين كانوا لايزالون يدورون حول مدفعهم القديم من عيار 78 ملليمتر من غير إدراك على ما يبدو، لحقيقة أن الروس قد سجلوا موقعهم ويقومون بالرد على النيران. لقد رافق روبرت كي براون، متخفياً بزي رجل من الباتان، المجاهدين الافغان عبر الجبال ومجاري الأنهار الجافة، مخاطراً بالوقوع ضحية للألغام او لهجوم من سلاح الجو السوفييتي بمروحياته الهجومية من طراز إم أي ـ 24، وهدفه من هذه العملية المحفوفة بالمخاطر هو أن يلتقط صوراً حربية لحصار الأفغان لحصن ناء يقع تحت سيطرة الروس. ولكن الهجوم تحوّل إلى فوضى فالافغان لم يكن بحوزتهم سوى 11 قذيفة هاون، ولم ينجوا في اصابة الهدف، حتى بعد ان اطلقوا 10 قذائف منها. ثم سأل قائدهم موجهاً كلامه إلى براون: هل تريد ان تقتل الروس؟ فأجابه براون: «ينتظر المرء طوال عمره للحصول على هذه الفرصة» ووقف على قدميه ثم لقم القذيفة الباقية للمدفع الذي يعتبر من مخلفات ما قبل الحرب العالمية الثانية واطلق القذيفة. وبينما كانت القذيفة تنزل على الوادي، همهم قائلا: «هذا من أجل فيتنام أيها الأوغاد!». ان روبرت براون ليس من نوع المراسلين الحربيين العاديين. فبعد أن جرح في حرب فيتنام عام 1969، عاد اللفتنانت كولونيل السابق في القوات الخاصة الى الولايات المتحدة، حيث أنشأ «بانتر ببليكيشنز» وهي شركة كانت تقوم بطباعة الكتيبات الخاصة بالجيش. وعندما وضعت حرب فيتنام اوزارها في عام 1975 ، باع الشركة واطلق مجلة «سولجر أوف فوركشن» (المرتزق) وهي مجلة متخصصة تكرّس صفحاتها للكتابة عن العمليات العسكرية التي تجري على خطوط الجبهات في جميع انحاء العالم وتمجّد بطولات الجنود الاميركيين في فيتنام. ويقول براون بهذا الخصوص: «لقد كانت المجلة المنبر الوحيد الذي منحهم الاعتبار في الوسائل الاعلامية المطبوعة. لقد انتجت حرب فيتنام عدداً كبيراً من الابطال يضاهي ما انتجته الحربان العالميتان» ويقول براون ايضا انه لا يشعر بالاسف أو الندم على مشاركته في حرب فيتنام والشيء الوحيد الذي يندم عليه هو أنه لم يقتل المزيد من الفياتكونغ. ولقد بلغ حجم توزيع المجلة التي تحمل عنوانا فرعياً هو «مجلة المغامرين المحترفين» اكثر من 150 الف نسخة وذلك قبل شهر من بداية ذبول الحرب الباردة مع بداية التسعينيات، وكانت الموضوعات تنشر تحت عناوين مثل: المرتزقة الاميركيون يقصفون هايتي»، و«مجلة اس أو أف في اعماق كمبوديا» و«حفلة جزّارين في السودان» وكانت اجندتها المناهضة للشيوعية واعلاناتها للاسلحة الهجومية وكتيبات التدريب الحربي تروق لافراد الجيش الاميركي وتجار السلاح والمرتزقة، الذين كانوا يضعون اعلانات صغيرة في المجلة تفيد انهم مستعدون للقيام بأي شيء في اي مكان مع الحفاظ على السرية التامة مقابل 20 الف دولار أو أكثر. وعلى امتداد الاعوام الـ 27 الماضية، كان قدامى المحاربين من طاقم المجلة في ساحات الحروب ينقلون تقاريرهم من كمبوديا وايرلندا الشمالية ونيكاراغوا وتايلاند والفلبين والسلفادور وغواتيمالا وبورما واسرائيل. ولقد قاموا بتوثيق مجريات الصراعات، وشاركوا منها أحيانا. فقد قام براون وفريقه بتدريب قوات مناهضة للشيوعية في أميركا الوسطى في السبعينيات من القرن الماضي واطلقوا النار على القوات السوفييتية في افغانستان في الثمانينيات وزودوا سكان سراييفو بالدواء ومعدات مكافحة الحريق في التسعينيات. احياناً كانوا يتورطون بصورة عميقة. ففي اواخر السبعينيات، كان مايكل اكاينس يعمل محررا للفنون الحربية في المجلة، ولكنه عمل ايضا لصالح انستاسيو سوموزا، ابن الرئيس النيكاراغوي الذي تعرض للاغتيال، في تدريب قوات من الكوماندوز على حرب العصابات. ومات عندما انفجرت طائرة كان يستقلها نتيجة لزرع قنبلة داخلها على الأرجح. ويقول براون: «لقد فقدنا أربعة مراسلين واثنين من الصحافيين الذين يعملون بنظام القطعة. ولقد كانوا ابطالاً يقاتلون من أجل الحرية. وماتوا من اجل مبادئهم لا من أجل روح المغامرة الصحافية». يقع مقر المجلة في منطقة صناعية مهجورة عند سفح جبال روكي، التي تنصب كالجدار من بعيد وكان من الممكن ان يشبه المكتب غرفة اخبار عادية لولا وجود الاعلانات المبوبة المصبوغة باللون المصفّر ولوحات لفأرة الكمبيوتر تصور رئيس تحرير مجلة مرتدياً قبعة وحاملاً مسدساً بيده وصناديق كرتونية مملوءة بالذخيرة وملصق كرتوني يمثل اسامة بن لادن ممزقاً بالرصاص. وهناك خريطة فيها ملصقات على نقاط الحروب الساخنة في العالم تغطي احد الجدران وبطاقات ملصقة كتب عليها: «أحب بلادي ولكني اخاف من حكومتي» و«المجتمع المسلح هو مجتمع مؤدب» و«الاسلحة لا تقتل البشر، البشر هم الذين يقتلون البشر». ان بعضا من اولئك القتلة كانوا من قراء المجلة الذين وضعوا اعلانات شخصية فيها تعرض خدمات للقيام بأي مهمة مهما كانت خطيرة وصعبة فجاءتهم اتصالات من اناس عاديين يريدون التخلص من اشخاص آخرين لاهداف شخصية تتعلق بالحصول على التأمين على الحياة أو تصفية حسابات بين الازواج. وتعرضت المجلة نتيجة لذلك الى مجموعة من القضايا التي رفعت ضدها في المحاكم للمطالبة بالتعويض باعتبار المجلة مسئولة عن وقوع تلك الجرائم. وكسبت المجلة بعض القضايا وخسرت اخرى، الامر الذي ادنى الى تراجع مبيعاتها في السنوات الماضية. ولكن الانقاذ جاء في اعقاب احداث 11 سبتمبر، حيث تجدد الاهتمام الشعبي بالمجلة وزادت مبيعاتها لتصل الى ربع مليون نسخة في الشهر وذلك بفضل الوضع المتأزم بين الولايات المتحدة والعراق هذه الأيام. وصدق المثل القائل: «مصائب قوم عند قوم فوائد». ضرار عمير