الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 يبتسم المجاهد السابق، ويشير إلى غرفة المعيشة في منزله، الذي يحوي الحد الأدنى من الاثاث، ويقول: «علينا ان نبني كل شيء من الصفر. فقد تم تدمير الكثير. ولكن الأمور ستكون على ما يرام ان شاء الله». شأن الكثيرين من سكان كابول، فقد آغا غول منزله مرات عديدة أثناء الصراعات المختلفة التي دمرت أفغانستان خلال الـ 24 عاماً الماضية. فمن الانقلاب الدموي في عام 1978 إلى الحرب السوفييتية وإلى قتال الفصائل الضاري في بداية التسعينيات ومروراً بحكم طالبان المتشدد، لم تعرف البلاد سوى شظف العيش مع تحول العديد من البلدات والمدن إلى ضرائب. والآن لأول مرة منذ زمن بعيد، هناك شعور حقيقي بالتفاؤل بالنسبة للمستقبل في افغانستان. فقد بدأت الحياة تدب من جديد في العاصمة كابول. الأسواق تعج بالتجار واللاجئين العائدين والمقاتلين السابقين والمزارعين. والموسيقى تصدح من المقاهي المزدحمة، التي يرفع العديد منها اطباقاً لالتقاط البث التلفزيوني الفضائي لأجهزة التلفاز الموالفة بشكل دائم على الافلام الهندية او قنوات الموسيقى التي كانت محظورة في السابق في ظل حكم طالبان. وتمتليء ارفف المحلات بسلع مستوردة تتراوح بين الثلاجات والاطارات الروسية واباريق الشاي الصينية بالاضافة إلى احدث اسطوانات السي دي والدي في دي التي تباع بأسعار السوق السوداء مقابل دولار للأسطوانة. وفي ضواحي المدينة، تفيض اسواق الاغذية بالمنتجات بينما يجلب البدو ابلهم واغنامهم وماعزهم للبيع. قد تكون اكثر العلامات المشجعة على نهضة المدينة اعادة افتتاح المدارس وبخاصة مدارس البنات التي كانت مغلقة في عهد طالبان، وفي جميع انحاء المدينة، يندفع التلاميذ الذين يحضرون الى الصفوف في نوبات متتابعة بسبب اعدادهم الكبيرة، من المدرسة إلى البيت حاملين حقائب بلاستيكية مقدمة من منظمة اليونيسيف وفي الشوارع الخلفية والساحات الخالية، ينهمك الافغان في لعبة لكرة القدم أو حتى الكريكيت التي جلبها اللاجئون من باكستان العديد من الرجال حلقوا لحاهم او شذبوها بطريقة انيقة بينما يرتدي موظفو المكاتب بدلات وربطات عنق معبرين عن شكل من اشكال الحداثة لم يشاهد منذ عقود. وفي الاماكن العامة، لاتزال النساء ترتدي الشادور الازرق أو الرمادي أو البرقع اما باختيارهن أو خوفاً من ردة فعل الاصوليين المتشددين ومع ذلك، فان مجموعة متنامية من النساء، ومعظمهن من المتعلمات يتجرأن الآن على الخروج بثياب طويلة مع اوشحة ملفوفة بعناية حول رؤوسهن واكتافهن بينما يكون الوجه مكشوفاً. وسرعان ما تتم ترجمة الحرية إلى فوضى في شوارع كابول، المختنقة بسيارات التاكسي ذات اللون الاصفر والابيض وسيارات الأمم المتحدة ذات الدفع الرباعي والسيارات العسكرية الخاصة بقوات الامن الدولية. ويكافح رجال الشرطة المكلفون بتنظيم المرور من اجل توجيه السائقين الطائشين، حيث يدخلون إلى حركة السير لتوجيه صفعة للاوغاد وسط الازدحام المروري. ان هجمة السيارات الجديدة والفنادق ونشاطات الأعمال والاستثمار ماهي الا جزء من انتعاش يغذيه الوجود الدولي الكثيف الذي يغرق كابول بالأموال والوظائف وبشعور بالأمن. ومع ذلك، فان هذا الوجود يوجد أيضاً ببيئة مصطنعة من الرواتب المتضخمة والايجارات العالية والتوقعات «الآمال» التي لا يمكن ان تدوم، ومن شأن هذا الوضع ان يحجب التحديات الحقيقية للمدينة. ولا يحتاج المرء إلا الى الوقوف على الجبال المطلة على كابول كي يستوعب مدى الدمار الذي ألحقته الحرب بالمدينة. فهناك احياء بكاملها ليس فيها سوى جدران آيلة للسقوط واسقف منهارة. والمصانع تجثم مدمرة والمخازن تعرضت للنهب ولم يسلم منها حتى هياكل الابواب، وفي انحاء المكان اعلام حمراء تشير إلى الاشتباه بوجود الغام ارضية او ذخائر لم تنفجر. وهناك اخطار اخرى مخفية كالهجمات الارهابية التي تثبت ان العنف السياسي لايزال يشكل تهديداً مستمراً. وبالاضافة إلى ذلك، فان المدينة تشهد تدفقاً كبيراً للعائدين بدرجة تفوق قدرتها على الاستيعاب لدرجة ان التقديرات تضع سكان كابول حالياً بين 15 إلى 25 مليون نسمة. وهذا الوضع فاقم من مشكلات الصرف الصحي الذي يطرح حالياً في قنوات المياه مما يؤدي إلى تلويث الآبار. وتعزز مشكلات نقص المياه والاوضاع الصحية الرديئة وأكوام القمامة من مخاطر انتشار امراض الكوليرا والديزانطاريا. ومع ذلك، فان الانطباع الفوري الذي يكونه الزائر بكابول هو شيوع الانتعاش والثقة. والجزء الاكبر من هذا الشعور ينبع من انعقاد مجلس اللويا جيرغا في يونيو الماضي، والذي كان بمثابة مؤشر لدى معظم الافغان على بداية حقبة جديدة مع انتخاب حكومة انتقالية واسعة. ومع ان العديد من الافغان، وبخاصة سكان كابول يعتبرون انتخاب اللويا جيرغا امراً متلاعباً به، الا انهم ينظرون اليه ايضاً باعتباره المرة الأولى منذ عقود التي استطاع فيها الافغان العاديين ان يعبروا عن رأيهم بحرية. وبالنسبة لعدد لا حصر له من الافغان، فان نهضة كابول تمثل فرصة ذهبية لا يمكن تضييعها. وهذا الرأي عبر عنه بوضوح لطيف خالد، وهو استاذ يستعد للعودة إلى كابول بعد قضاء 20 عاماً في باكستان، حين قال: «اذا لم نقم بحل مشكلاتنا الآن، فسنكون قد ضيعنا فرصة قد لا تسنح مرة أخرى». ضرار عمير