الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 حدّق الوجه العبوس للرئيس الكيني دانييل اراب موي بالكينيين طوال اكثر من 24 عاما. وتلمح نظرته الفولاذية المحدّقة المبروزة على جدران المكاتب والمحلات والمصورة على كل ورقة نقدية وعملة معدنية والحاضرة بشكل طاغ على النشرات الاخبارية المسائية ـ تلمح الى حكمه الأبوي، والمطلق، والصارم. ويبدو وكأن لسان حال نظرته المحدقة يقول: لا تشككوا في الزعيم لأنني موجود في كل مكان! ولكن موي «78 عاماً» مضطر دستوريا للتنحي عن السلطة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة المقرر اجراؤها في السابع والعشرين من ديسمبر الجاري، كما ان بلاده تعتبر اكثر من مستعدة لهذا التغيير. وفي السنوات القليلة الماضية التي شهدت تراجعا اقتصاديا وفسادا مستشريا، وبخاصة في فترة التمهيد للانتخابات، بدأ الكينيون يسخرون من موي بصور لم تخطر على بال أحد. ويقول غودفري موامبمبوا، وهو رسام كاريكاتوري مشهور بدأ يسخر من الرئيس الكيني في عام 1992 عندما اقامت كينيا اول انتخابات حقيقية متعددة الاحزاب يقول: «ان ما تراه هو رد فعل الناس الذين ضجروا. فقبل ذلك، لم يكن بمقدورك ان تمسه. اما الآن، فان كل ما يريد الناس التحدث عنه هو نهاية موي. وهم يقولون له: لقد امضيت وقتا طويلا هنا. ونحن نحتاج الى شخص جديد». الامر المحزن هو ان قدوم شخص جديد قد يعني المزيد من الشيء نفسه. وبينما يبدي الكينيون قلقهم بشأن مستقبلهم، فان كلا من الحزب الحاكم والمعارضة يقومان بتقديم مرشحين ذوي صلات قوية بالماضي. وخيار موي لقيادة الحزب الحاكم، حزب الوحدة الوطنية الافريقي الكيني «كاو» هو اوهورو كنياتا «41 عاما»، وهو رجل أعمال تحوّل الى السياسة وابن الرئيس الكيني الأول جومو كنياتا. غير ان كنياتا الشاب لم يسبق له ان تولى منصبا بانتخاب من الشعب، فقد تنافس على مقعد في البرلمان في الانتخابات التي جرت قبل خمسة أعوام وخسر بفارق 12 ألف صوت. ولكن موي أدخله الى البرلمان كعضو «معيّن» بأي حال ونصبّه فيما بعد وزيرا. ويبدي النقاد خوفهم من أن يكون موي بصدد الاستمرار في الحكم من خلال صنيعته. وعلى الأقل، فان المعارضة تقول ان كنياتا من المستبعد ان يلاحق موي وحلفاءه قضائيا على تهم بالفساد، تماما مثلما ترك موي عائلة كنياتا وشأنها بعد موت جومو. ومن جانبه، يتحدث كنياتا عن الحاجة الى الانبعاث الاخلاقي في كينيا ولكنه يتفادى السؤال المتعلق بما اذا كان سيحاكم القادة الفاسدين أم لا. فقد قال مخاطبا مؤتمرا صحفيا عقد مؤخرا: «اريد ان نرسم خطا في الرمل. ودعونا نتعلم من اخطاء الماضي ونمضي معا نحو المستقبل». ان المعارضة، وهي تحالف شكل حديثا من معارضي موي القدامى والمستائين من حلفاء موي السابقين والمعروف باسم تحالف الطيف الوطني، تشم رائحة الفوز. وتثبت الجبهة الموحدة شعبيتها مع الناخبين. فقد أعطى استطلاع حديث للرأي التحالف دعم ثلثي الاصوات. ولكن التحالف هو الآخر لديه صلات قوية بالحلقة الداخلية لموي. فمرشحه للرئاسة مواي كيباكي «71 عاما»، الذي أصيب في حادث سيارة مؤخرا، كان نائبا لموي حتى عام 1988. ويعتبر جورج سايتوتي، الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس الى ما قبل بضعة اشهر فقط عندما اختار موي اوهورو لهذا المنصب، احد الاسماء الأخرى البارزة في «كانو» والذي يعارض الآن رئيسه القديم. وتحول المزيد، مؤخرا، من اصدقاء موي السابقين الى تحالف الطيف الوطني. ويقول سايتوتي ان «اولئك الذين يزعمون أننا نحمل النظريات البالية هم مخطئون. فنحن الذين ساعدنا في زرع الديمقراطية التعددية في هذه البلاد. ولكننا بدأنا نرى الآن نكوصا مقلقا نريد محاربته». وأيا كان الفائز في الانتخابات، فانه سيواجه المشكلات القديمة نفسها. فالاقتصاد الكيني تضرر بفعل عقدين من الفساد والاهمال. وصناعة القهوة اصيبت بالشلل بسبب سوء الادارة وانخفاض الاسعار. والاستثمار الاجنبي واموال المانحين نضبت بسبب المخاوف من الابتزاز. ومن المؤكد ان السياحة ستضار بفعل التفجيرات الارهابية الاخيرة في مومباسا. وبالاضافة الى ذلك، فان شخصا من كل سبعة اشخاص مصاب بالايدز، بينما يعيش اكثر من نصف السكان البالغ عددهم 31 مليون نسمة على اقل من دولار في اليوم. ويقول تشيغي وايتارا، وهو محلل يعمل مع معهد الشئون الاقتصادية، وهو مجموعة بحثية تتخذ من نيروبي مقرا لها ـ يقول: «ان الوضع يكاد يكون كاسحا. وهو يستدعي الى الذهن عيار الزعيم الذي نحتاجه: شخص متفان وملهم». ان مرشح المعارضة كيباكي هو بالكاد شخص ملهم، ولكن الكثير من الكينيين يبدون سعداء بمساعدته ومساعدة زملائه فقط لاخراج «كانو» من اللعبة. ومع ذلك، فانه يتعين على المعارضة الا تقلل من أهمية نفوذ صاحب المنصب. فقد دفع موي بكنياتا بقوة الى المنصب ووضع آلة الدولة الكينية تحت تصرف الرجل الشاب. ويتخوف الكينيون حتى من ان موي قد لا يتنحى عن السلطة عندما يحين الوقت لذلك. فالعمال منهمكون باستبدال السياج السلكي المتآكل بفعل الصدأ حول المقر الرئاسي بجدار اسمنتي. فقد يكون الرجل العجوز راغباً ببسط سيطرته على الكينيين لفترة أطول. عن «تايم»