الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 تؤكد حادثة احتجاز سفينة تحمل 15 صاروخاً من طراز سكود من انتاج كوريا الشمالية في بحر العرب مؤخراً، تركيز واشنطن الجديد على استخدام سبل الضربة الاستباقية لمنع انتشار اسلحة التدمير الشامل.لقد كانت الولايات المتحدة ومنذ فترة طويلة على علم بقيام كوريا الشمالية بشحن تقنية الصواريخ الى الخارج، ولكن هذه هي المرة الاولى التي ساعدت فيها على اعتراض هذه الاسلحة. ويقول مصدر اميركي يتخذ من سيئول مقراً له: «لم يسبق لنا ان امسكناهم متلبسين بالجرم المشهود بوثائق كاذبة تماماً حول حمولة السفينة. كنا نقوم في الغالب بتعقب هذه السفن، ولكن هذه الشحنة تعتبر أول دليل حقيقي على انتشار الاسلحة». ويعكس هذا الاعتراض الموقف الهجومي الذي تحدد في عقيدة بوش العسكرية القاضية بمنع الانتشار السري للاسلحة التي يمكن ان تستخدم من قبل ارهابيين او لدول مارقة. وافادت وثيقة استراتيجية نشرت مؤخراً بأنه يتعين على الولايات المتحدة ان تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها ضد اعداء مزودين بأسلحة التدمير الشامل، بما في ذلك من خلال استخدام اجراءات استباقية في حالات ملائمة، ويقول زجنيو بريجنسكي مستشار الامن القومي السابق للرئيس كارتر، ان اعتراض السفينة يعد «عملاً ملائما تماماً وجديراً بالثناء» ولكنه قلق من ان ذلك قد يشير الى تحول باتجاه تبني عمل وقائي اكثر قوة على حساب التعاون الدولي بخصوص انتشار الاسلحة. ويضيف بريجنسكي: لدينا مبرر حقيقي للقلق بشأن الانتشار العشوائي لاسلحة التدمير الشامل. ولكن الى الحد الممكن فإن الرد الدولي هو المفضل، وإلا، فإن الدول سترد بأعمال عدوانية سرية خاصة بها وقد نجد انفسنا ننحدر في منزلق خطير نحو قانون الغاب. ان بيونغ يانغ تقوم بشحن تقنية الصواريخ البالستية منذ اكثر من عقد الى بلدان مثل سوريا وايران وباكستان وليبيا واليمن، ويعتقد بأن النسخة الكورية الشمالية المعدلة من صاروخ سكود السوفييتي والمعروفة باسم «نودونغ» قد وفرت الاساس للنماذج الباكستانية والايرانية والعراقية من الصاروخ الباليستي الذي اصبح شائعاً في اجزاء عديدة من العالم، ومن ضمنها افغانستان، حيث استخدمت الفصائل المختلفة صواريخ سكود خلال الحرب الاهلية. ومنذ ان وقعت الصين مؤخراً، على نظام تقنية الرقابة على الصواريخ، الذي يعد الاعضاء الموقعون عليه بعدم تصدير صواريخ أرض ـ أرض أو اجزائها، كانت كوريا الشمالية وسوريا هما الدولتان الوحيدتان اللتان تبيعان هذه البضاعة، بحسب بول بيفر، وهو محلل عسكري مستقل يقيم في لندن. لقد اصدرت الولايات المتحدة عقوبات على شركات من كوريا الشمالية سبع مرات منذ عام 1992 لانتهاكاتها نظام تقنية الرقابة على الصواريخ، وفي اغسطس الماضي، فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية على شركة في كوريا الشمالية لبيعها صواريخ سكود لليمن. وحيث ان كوريا الشمالية واليمن غير موقعتين على النظام، فإن هذه الشحنة الاخيرة كانت قانونية. ولكن عملية الاحتجاز تشير بوضوح الى رغبة واشنطن في كبح انتشار الصواريخ حتى خارج نطاق نظام تقنية الرقابة على الصواريخ. ويقول بيفر: اننا نتحدث عن سلاح فرض حضوره بشكل تام، ولكنه سلاح ارهابي، وليس سلاحاً بالغ الدقة، ومع ان من السهل اطلاق الصاروخ ذي المرحلة الواحدة والمتمتع بقدرة عالية على الحركة، «إلا انك تحتاج الى احداثيات دقيقة جداً لجعله يصيب الهدف بدقة، وليس هناك دول كثيرة قادرة على القيام بذلك». ويضيف ان «من الواضح ان كوريا الشمالية تفعل ذلك من اجل المال، التي هي بأمس الحاجة اليه» ويعتقد بأن ثمن صواريخ سكود ومنصات اطلاقها يصل الى 13 مليون دولار لكل منها. والى جانب اعتراف كوريا الشمالية في اكتوبر الماضي بأن لديها برنامجاً سرياً لتخصيب اليورانيوم، فإن عملية الاحتجاز الاخيرة تعزز من موقف العناصر المتشددة في ادارة بوش والتي تعتبر بيونغ يانغ مصدراً للخطر. ويقول احد المصادر العسكرية الاميركية ان هذا قد لا يكون مفاجئاً ولكنه مع ذلك اخذ على محمل الجد، فهذا يعد مثالاً ساطعاً آخر على نوع النظام الذي نتعامل معه، ويبدو انه قد وقع في حجر الادارة». ومن جانبه شبه احد المسئولين في كوريا الجنوبية شحنة سكود برمي «البارود على النار» مع ان مراقباً غربياً اشار الى ان حادثاً كبيراً من هذا النوع قد يجبر كوريا الشمالية في النهاية على الدخول في مفاوضات جدية. وقبل ثلاثة اشهر قامت كوندوليزا رايس، مستشارة الامن القومي في البيت الابيض، بتوجيه تحذير واضح لا لبس فيه الى كوريا الشمالية بوقف شحناتها من التقنية الصاروخية، وصرح دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الاميركي مؤخراً بأن كوريا الشمالية هي «اكبر ناشر» في العالم لتقنية الصواريخ فقد قامت كوريا الشمالية بتطوير الصواريخ منذ اواخر الستينيات عندما عملت مع مصر خلال حرب اكتوبر. ويقول بعض المحللين ان دور اسبانيا في احتجاز هذه الشحنة يعزز ايضا من تصور الولايات المتحدة للتعاون الدولي في منع انتشار الاسلحة. وقال وزير الدفاع الاسباني فدريكو تريللو ان الفرقاطة الاسبانية «نفارا» امرت السفينة الكورية الشمالية «سوسان» بايقاف محركاتها واطلقت النار بشكل مباشر عليها عندما زاد القبطان من سرعته وحاول الفرار. واضاف ان سفينة بدون علم هي سفينة قراصنة موضحا بذلك السلطة التي قامت بها القوات الاسبانية بالصعود الى متن سفينة الشحن المسجلة في كمبوديا. وقال مسئولون اسبان ان قوة الطواريء 150 البحرية متعددة الجنسيات المرابطة في منطقة الخليج تخضع حالياً للقيادة الاسبانية وقد طلبت الولايات المتحدة، التي كانت تتعقب سوسان منذ مغادرتها لميناء نام بو في كوريا الشمالية ـ طلبت المساعدة الاسبانية عندما اتضح ان السفينة تتجه الى المياه التي تتولى مراقبتها قوة الطواريء. وقال تريللو: عندما رفض قبطان سوسان الانصياع للامر بالتوقف اطلق القناصة الاسبان النار على كوابل صاري السفينة فقطعوها مما اتاح لاحدى المروحيات الاقتراب بما فيه الكفاية لانزال وحدة من جنود البحرية على متنها، وقد اخضعوا الطاقم الكوري بدون خسائر وفتشوا السفينة فوجدوا 15 صاروخاً كاملاً من طراز سكود و15 رأساً حربياً تقليدية و23 حاوية لوقود حامض النتريك و85 برميلاً من مواد كيماوية غير معروفة مخبأة تحت شحنة من الاسمنت. ومن جانبها، احتجت الحكومة اليمنية لدى الحكومتين الاميركية والاسبانية، ونقلت وكالة الانباء الرسمية سابا عن وزير الخارجية اليمني ابوبكر القربي قوله ان شحنة الصواريخ كانت جزءاً من عقود موقعة منذ فترة، وهي تخص الحكومة اليمنية وجيشها وهي موجهة لاغراض دفاعية. وصرح وزير الدفاع الاسباني بأن السفينة الآن تحت سيطرة البحرية الاميركية لكن الصواريخ قد تعاد الى اليمن، وقال مسئول عسكري اميركي في واشنطن في الوقت الحاضر السفينة تحمل شحنة غير مصرح عنها، ولكن اذا اصبحت الصواريخ شحنة قانونية فلن يكون بوسعنا فعل الكثير. فمبيعات السلاح بين دولتين لا تعتبر ضد القانون والعراق وحده الممنوع من شراء الاسلحة «من قبل الامم المتحدة». ولايزال من غير المعروف على وجه الدقة الجيل الذي تنتمي اليه الصواريخ التي عثر عليها على السفينة من صواريخ سكود الكورية الشمالية. فكوريا الشمالية لديها نوعان من صواريخ سكود هما سكود بي وسكود سي. ويبلغ مدى النوع بي 150 ميلاً ويحمل ما يصل الى 2000 رطل من المتفجرات او الاسلحة البيولوجية. بينما يبلغ مدى صاروخ سكود سي الاصغر 250 ميلاً. وكان ريتشارد ارميتاج مسئول الشئون الآسيوية البارز في وزارة الخارجية الاميركية، قد وصل الى بكين بعد زيارة الى سيئول جاءت في خضم مستويات عالية من التوتر المناهض لاميركا. ويجوب ارميتاج آسيا فيما وصف بأنه زيارة تستهدف استشارة الحلفاء في الحرب على الارهاب، وستصوغ على الأرجح رداً على كوريا الشمالية، التي ذكرت في اكتوبر الماضي انها تخلت عن الاتفاقية الشاملة لعام 1994 التي تنص على تجميد التطوير النووي مقابل بناء مفاعلين يعملان بالماء الخفيف. ويعتقد ان الصين تملك اكبر تأثير على كوريا الشمالية، ومع ذلك فإنه من غير الواضح حتى الآن مدى استعداد الصين للضغط على كيم يونغ 2 الذي تفيد التقارير بقدومه الى بكين في الايام العشر المقبلة. وكانت الصين وروسيا قد وقعتا على اعلان مشترك يدعو كيم يونغ 2 الى وقف برنامجه النووي وواشنطن الى تطبيع علاقاتها مع بيونغ يانغ، ويقول المحللون انه وفي ضوء ما جرى لصواريخ سكود في بحر العرب، فإن هذه التعابير العامة عن النوايا الحسنة يمكن ان ينظر اليها باعتبارها علاجاً ضعيفاً. واوردت صحيفة «رودونغ سينمون» الرسمية في كوريا الشمالية في مقالها الافتتاحي التعقيب الوحيد على الحادث، حيث قالت: «من الضروري رفع درجة اليقظة ازاء الاستراتيجية الاميركية للتفوق العالمي والحرب على الارهاب.. فجميع الدول مطالبة ببناء قوة عسكرية تعتمد على نفسها وبجهودها الخاصة». وفي الماضي كانت كوريا الشمالية التي تعاني من مأزق مالي، تزعم ان لها الحق في بيع تقنية الصواريخ، ويوافق العديد من الخبراء على ان كوريا الشمالية لا تنتهك بذلك اية اتفاقية نظراً لانها ليست من الدول الموقعة على نظام الرقابة على تقنية الصواريخ. وفي عام 1999، وافقت كوريا الشمالية على تعليق اختبار الصواريخ بعيدة المدى التي تخضع للتطوير وتقول بعض المصادر العسكرية الاميركية ان برنامج كوريا الشمالية للاسلحة الكيماوية والبيولوجية يعد اكثر الجوانب «المقلقة» في النظام. وتفيد التقديرات بأن لدى بيونغ يانغ 5000 طن من العوامل المخزنة من بينها غاز الاعصاب في اكس وغاز السارين. ترجمة: ضرار عمير _ عن «كريستيان ساينس مونيتور»