الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 بدلاً من التأمل بجذور العنف وبمستقبل العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية، تراهن اسرائيل على التقنية للقضاء على (الارهاب) الآتي من الأراضي الفلسطينية. ولذلك تشدد اسرائيل مراقبتها على حركة الأفراد والبضائع بطرق قاسية ومكلفة للجانب الفلسطيني مما يعني تمويل جزء من تكاليف الأمن الاسرائيلي، والاجراءات تختلف في الضفة عنها في غزة، وحتى في حال اغلاق الحدود فان هناك اطرافاً مستفيدة. وانشاء الطرق الالتفافية للمستوطنين في الضفة يشكل عملية فصل بين الطرفين ويؤدي الى مصادرة أراضي الفلسطينيين، ويمثل نشاطاً اقتصادياً لأطراف كثيرة. وكذلك الأمر مع كازينو أريحا الذي أنشئ بأموال نمساوية وفلسطينية، والعاملون فيه فلسطينيون لكن الرواد اسرائيليون، وتشغيل الكازينو يعني الفائدة لطبقة من الفلسطينيين، مما يزيد الفرقة بين الفلسطينيين ويزيد الشرخ والتباعد بينهم وبين الاسرائيليين. وهكذا فان الاجراءات البيروقراطية والمعقدة تنشئ طفيليات في الجانبين، وتنعش السوق السوداء، فتصاريح العمل رائجة في السوق السوداء، وغيرها الكثير من الأعمال غير المشروعة. وتجارة السيارات المسروقة خير مثال على ذلك. والمستفيدون الأساسيون من هذه السوق هم العسكريون، ففي الجانب الاسرائيلي يتعلق الأمر بجنرالات متقاعدين تحولوا الى العمل التجاري، وفي الجانب الفلسطيني متنفذون في السلطة، وتجمع بين الطرفين شراكة العمل التجاري. وتؤكد الحكومات الاسرائيلية على ان اندلاع الانتفاضة في سبتمبر 2000 عبارة عن تكتيك مارسه ياسر عرفات للخروج من المأزق السياسي الناجم عن رفضه لمقترحات ايهود باراك في كامب ديفيد، قبل شهرين من اندلاع الانتفاضة. قدم باراك مقترحات غير مسبوقة بخصوص القدس، ولكنه بقي متصلباً تجاه مطلب حق العودة للاجئين، لقد تنازل رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق عن 95% من الأراضي المحتلة عام 1967 ووافق على تجميع المستعمرات في مجموعتين، ويعتقد الاسرائيليون اليوم بأن عرفات لم يستطع اتخاذ قرار للحل النهائي، وفضل التوجه نحو نصر من نوع عسكري لاضفاء شرعيته كرئيس بين شعبه. أريد وطناً واندلاع العنف في سبتمبر عام 2000 دليل على افلاس نظام السيطرة السياسي الذي حاولت اسرائيل فرضه على الفلسطينيين، وكذلك رفض الفلسطينيون الانصياع لهذا النظام، وأعطت الانتفاضة الفرصة لشباب التنظيم كي يعودوا الى مركز الصدارة، بسبب الاحباط الذي تعرضت له آمالهم بالصعود الاجتماعي. «سامي»ينادي بالسلام ويقول: «بالتأكيد أقبل بدولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية وغزة والقدس، فلا يمكن تصور أكثر من ذلك، اذا احترمونا نحترمهم، واذا أرادوا السلام وأعطونا السلام، نعطيهم السلام». ولكنه يعود الى استخدام السلاح في عام 2000، ومنذ عام 1993 لم تتوقف حركة توسيع المستعمرات اليهودية المزروعة على التلال المحيطة بنابلس، والحركة في الضفة الغربية تشبه السفر الى الخارج حيث تقع تحت سيطرة اسرائيل، الاحتلال لم يختف وبقي يتدخل في شئون الناس، ويضيف سامي: «أريد وطناً يكفل لكل طفل حقوقه، أرغب بالتنقل بحرية مثل أي شخص في العالم، أرغب ببلد من غير حرب، بدون سلاح مثل سويسرا بالتأكيد لن يكون ذلك لأجلي بل لأجل أطفالي». وليس لناجي موقف مغاير من موقف صديقه، فهو ليس ضد وجود دولة اسرائيل وان كان منذ اندلاع الانتفاضة يبدي استعداده لقتل جنود اسرائيليين. وناجي شأنه سامي لا يستطيع مغادرة الضفة ولا زيارة غزة ولا الذهاب الى اسرائيل أو أي دولة أخرى، ومع ذلك فانهما يذهبان الى تل ابيب بدون تصاريح. وعزيز صديق المجموعة ايضاً، عاش حياة قاسية حين توفي والده وهو في الثامنة من عمره، يروي كيف ان العالم بالنسبة اليه يقتصر على مخيم بلاطة وأنه حين زار نابلس خاف منها، واستنتج «عزيز» من قسوة الفقر الذي عاشه انه لا يجب العيش على حساب الآخرين، وهو يكره شعور الآخرين بالعطف، ولذلك لا يعطي النقود للطفل الفقير، ويقول: «يقال ان الفقر هو نتيجة الاحتلال، ولكن ذلك غير صحيح». وعزيز لم يعد يذهب الى المسجد. وكان قد بدأ نضاله مع الشبيبة عام 1982 عندما غزت اسرائيل لبنان، واعتقل عام 1986 لعامين وعمره ستة عشرة عاماً، وفي المعتقل وبرعاية «فتح» تعلم وقرأ الشعر والتاريخ، وعندما خرج من السجن كان حريصاً على ألا يعود اليه، ويروي كيف انه شهد مصرع خالد أحد أفراد المجموعة - على يد الجيش الاسرائيلي وسط المخيم: «رأيت كيف أطلق أحد أفراد الوحدة الخاصة الاسرائيلية رصاصة على ساق خالد، رأيت حركة الرصاصة في بنطاله وتخيلت الجرح، وعاودوا الاطلاق من جديد، وتساءلت كيف تغادر الروح الجسد؟ من حولي كانت طلقات النار وصراخ الناس، لقد قتلوه بدم بارد كأنما يدوسون حشرة». وعاد عزيز الى منزله وكتب قصيدة. بدأ بتعليم الدبكة لمجموعة من الفتيات في أول تجربة فنية له، ومرة اقتحم الجيش الاسرائيلي المكان بالقنابل المسيلة للدموع، ويقول عزيز: «فهمت حينها ان بالامكان مقاومة الاحتلال بالفن». حاول عزيز الحصول على منحة لدراسة الفن في الخارج، لكنه فشل، فسجل في كلية الفنون الجميلة في نابلس عام 1993، واستمر في الدراسة والعمل لسبع سنوات. حصل على تصريح للعمل في اسرائيل كخياط، والى حد ما ساد التفاهم بينه وبين زملائه الاسرائيليين، من دون الخوض في السياسة، لكنه كان يتلمس بين الحين والآخر الكراهية المتبادلة بين العرب واليهود، وهناك تتعاطف معه يهودية من المغرب لشبهه بطفلها الباقي هناك، ويرى هو ان هذا التعاطف طبيعي وانساني وليس سياسياً وهو يرفضه لو كان كذلك، ويمر بتجربة حب عذرية مع فتاة اسرائيلية، وبعد قيام السلطة الفلسطينية يعمل عزيز في مجال المسرح وتعليم الدبكة، ويرفض اقتراحاً اسرائيلياً باخراج عمل مشترك عن الصداقة بين الفلسطينيين واليهود، على الرغم من الاغراء المادي، وذلك لأن الاسرائيليين يهدفون لخدمة مصالحهم السياسية. زار عزيز قرية جده قرب يافا وفكر في الزواج هناك ومن ثم الاستقرار، لكنه تخلى عن الفكرة فيما بعد، اختار هو طريق الفن بينما اختار رفاقه بسام وسامي وناجي طريق السلاح، فعندما هاجموا «تسال» اعتبر عملهم غير مجدٍ، يعتقد عزيز بأن العمليات الانتحارية (الاستشهادية) هي الوحيدة المثمرة. الموت خيار أفضل سامي مثال للشباب الفلسطيني الذي أوقف حياته الشخصية بسبب الاحتلال الاسرائيلي، والفشل السياسي بمثابة ضياع في الحياة، وهؤلاء يلقون بكل المسئولية على الاحتلال، وهذه الحال السلبية أفرزت في كثير من شئون حياتهم الخاصة. ففؤاد صديق المجموعة يرى الحل في الهجرة الى اميركا، واسرائيل لا تسمح له بذلك، ولا يشعر الشباب فؤاد وسامي وناجي بذاتهم الا في استخدام السلاح، والأزمة قائمة في ايجاد طريق لتأكيد الذات. ناجي رفض مرة عرض فتاة كندية للهجرة الى كندا، فهو يخاف المجهول، على الرغم من الرغبة في المغادرة، وهذا ما يكشف طبيعة المعاناة من فقدان التوازنات لعدد من الشباب، فهنا الحياة مستحيلة وهناك «اقتلاع للذات»، لذلك اختار ناجي البقاء وتنشئة عائلة. ولكن عند تأجج الانتفاضة في خريف 2000 يهمل شأن عائلته وينخرط في الحياة السرية، وعلى الرغم من استعداده لتوفير حاجات عائلته الا انه يشعر بالعجز ويقول: من الأفضل ان أترك لهم نقوداً وأرحل عن هذه الدنيا «أموت» ـ الموت هو أحد الخيارات الممكنة للهروب من الاخفاق. وبسام كان أكثر توفيقاً في تنظيم شئون حياته. ولعدد من الشباب تعتبر الانتفاضة الجديدة ضد اسرائيل مناسبة لتجديد العمل الذي يتقنونه ولاثبات الذات ضمن المجتمع، فهم على الرغم من وجودهم في الادارة الفلسطينية الا أنهم مهمشون. وسلوك السلطة الفلسطينية منذ قيامها ولد الاحساس بالظلم لدى مجموعة من تنظيم شباب الانتفاضة. فهم يعتقدون بأن المفاوض الفلسطيني أذعن للمطالب الاسرائيلية غير المقبولة، ولذلك فان الانتفاضة ضرورة لقطع الطريق على سياسة الاذعان والقمع، والتحرك الشعبي كفيل بتعويض ضعف السلطة في مواجهة اسرائيل. وتوجيه الاتهام للسلطة بعدم مصداقيتها يستثني شخص ياسر عرفات، ويبقى شباب التنظيم مخلصين لقائدهم فيما عدا قلة منهم توجه له أصابع الاتهام. ان حجم الاحباط لديهم كبير فيما يتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني، وكذلك خيبة الأمل في عدد من الشخصيات الفلسطينية التي باتت في نظرهم شخصيات انتفاعية لا شخصيات وطنية. ونظرة العديد من شباب الانتفاضة لفلسطينيي الخارج تعمق الشقوق في المجتمع الفلسطيني. انتفاضة وانقسامات الذين كانوا يعيشون في حنين الانتفاضة الاولى، راهنوا على انتفاضة جديدة من اجل توحيد المجتمع الفلسطيني حول أهداف وطنية، لكن الذي حدث في سبتمبر 2000 لم يكن مشابهاً لحركة العصيان المدني الجماهيري التي هزت الأراضي الفلسطينية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. مع ان الحالتين بدأتا بانفجار شعبي كرد فعل على فعل اسرائيلي تم التخطيط له مسبقاً كاستفزاز للفلسطينيين، وفي الانتفاضة الأولى استغلت التشكيلات السياسية الغضب العفوي للجماهير، وقامت بتعبئته ضمن حركة نضالية وتأطير سياسي، بينما في عام 2000 ساد الغضب واليأس وتدنت مستويات التنسيق فيما بين قوى المواجهة، وكان امتحان المواجهة بين مسلحين محترفين ومجهزين بالآلات والمدرعات ذات التقنية الهائلة وبين شباب الانتفاضة المجهزين بأسلحة خفيفة وضمن هامش مناورة ضئيل جداً، فالمحاصرة الاسرائيلية للقرى والمدن الفلسطينية تضيق من تطوير قدرات الشباب على تشكيل حرب عصابات، ووجود سلطة فلسطينية هذه المرة منع أي تشكيل سياسي من قيادة الانتفاضة، اضافة الى ان القمع الاسرائيلي استنفد قدرات المجتمع الفلسطيني على التحمل. منذ الأسابيع الأولى لانتفاضة 2000 يبدأ سامي وناجي بالعمل الوطني، وتمتد عمليات المواجهة الى الأحياء السكنية، ويتقدم عدد كبير من سكان المدينة بطلب الى السلطة الفلسطينية لوقف العمليات المسلحة داخل المدن، ويلقى هذا الموقف استجابة من السلطة الفلسطينية فتمنع اطلاق النار من مناطق (أ) التي تخضع لها عسكرياً ومدنياً، وفي جانب التكتيك العسكري لا يعتبر اطلاق النار باتجاه المواقع العسكرية الاسرائيلية فاعلاً، وخلال السنة الأولى للانتفاضة لم يتمكن «الشباب» من اصابة الجنود الاسرائيليين المحصنين بنظم حماية قوية، ولم تكن تقنية الازعاج والمضايقة هذه منتجة على الاطلاق، بل انها على العكس من ذلك توفر للجيش الاسرائيلي ذريعة الوجود وممارسة القمع الذي لا يتردد معه الجنود في التصويب على أهداف مدنية. وفي محيط تنظيم الشباب في مخيم بلاطة، عبر عدد من مقاتلي الأنتفاضة الاولى عن نقدهم للأساليب والممارسات القائمة. «أنور» المنتظم في صفوف فتح منذ الثمانينيات، والمبعد عام 1990 والذي يعمل حالياً في رام الله بقيادة مركز للشباب، يفترض في تحليلاته ان تكون هناك نماذج عمل اخرى، ويقول: «بالنسبة لي، ما يحدث اليوم لا يعتبر انتفاضة، في الغد عندما يرفع الاسرائيليون الحصار لن تكون هناك انتفاضة، لا توجد قيادة ولا برنامج عمل ولا أي تنسيق بين مختلف القوى السياسية، الوحدة ليست موجودة، الا من خلال وسائل الاعلام حول شخص مروان البرغوثي على الرغم من انه ليس من ينظم أو يقود الانتفاضة». ويضيف بأن انتفاضة عام 1987 كانت نظاماً متكاملاً وكان هدف الحركة الشعبية واضحاً. الأمر مختلف هذه المرة وهو بصفة شخصية ليس مع العسكرة ذلك ان الاسرائيليين يبحثون عن هذا النوع من المواجهة وليس لدى الفلسطينيين امكانية لمواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية، وفي نظره فان أفضل ما يمكن القيام به هو التخلص من الفساد وبناء المؤسسات، ويرى انه لو كان هناك برلمان يؤدي مهامه بشكل صحيح ولو توفرت ديمقراطية حقيقية لأمكن مواجهة اسرائيل. أما ناجي فيعتقد بأن موقف العائلات الكبيرة يكبح جماح الانتفاضة فلها مصلحة في ان يسود السلام لكسب مزيد من الأرباح. ولم تنقطع الاتصالات بين المسئولين الفلسطينيين والاسرائيليين حتى خلال فترات التصادم العنيفة، ومن جانب آخر احتفظ ممثلو السلطة ووجهاء المدينة بعلاقة مع شباب التنظيم بحيث استدعى غسان الشكعة ومحمود العالول ناجي وسامي وبسام وبحثوا معهم وقف مهاجمة الجيش الاسرائيلي في مدينة نابلس، ووافق الشباب على المطلب. وياسر عرفات بالتزامه طريق المفاوضات السياسية ومواجهته للمطالب الاسرائيلية وضغوطات المجتمع الدولي، لم يعد بامكانه قيادة النضال ضد اسرائيل. وفي الوقت نفسه فان وجوده يمنع تشكيل قيادة موحدة على غرار ما جرى في الانتفاضة الاولى. والسلطة من جانبها تتعرض للضغوط الاسرائيلية والاميركية، واثبات مصداقيتها الدولية يكون على حساب علاقتها بشباب التنظيم، وهي بذلك تخذل مواطنيها. لقد كان للمعركة الوطنية الفلسطينية امكانيات أكبر عندما كانت (م.ت.ف) خارج الأراضي الفلسطينية. والجيش الاسرائيلي يقوم بتصفية منظمة للنشطاء الفلسطينيين، ولمواقع مختلف الأجهزة الأمنية. وتصيب قذيفة اسرائيلية في وسط نابلس ناجي بساقه وسامي في رأسه ويتوفى الأخير متأثراً بجراحه. وفي عيد الأضحى عام 2001 دعا عرفات الى وقف أعمال العنف مما جعل شباب التنظيم عرضة لملاحقة الأجهزة الأمنية وينتهي الأمر بفرض الاقامة الجبرية على بسام، بينما يبقى ناجي ملاحقاً ويقرر مع نفسه اللجوء الى التدين. شن الجيش الاسرائيلي يوم الخميس 28/2/2002 هجوماً على مخيمي جنين وبلاطة في الضفة الغربية، واختار للعملية اسم «الرحلة التصويرية الوصف» وكانت عمليات اعادة احتلال مناطق (أ) قد بدأت في مايو 2000 بدخول الجيش الاسرائيلي لقرية في شمال قطاع غزة لعدة ساعات، وبعدها تكررت عمليات الاقتحام عدة مرات، ولكن الهجوم على المخيمات شكل عملاً غير مسبوق. وكان الهدف اعتقال نشطاء وضبط اسلحة ومتفجرات وبالتالي توصيل رسالة للفلسطينيين مفادها انه ليس لهم مخبأ آمن يستعصي على الجيش الاسرائيلي. وقد جاءت هذه العملية على اثر سلسلة من الهجمات المتتالية على أهداف عسكرية ومدنية اسرائيلية. ومع بداية العام 2002 أتقن شباب التنظيم حرب العصابات المسلحة وتمكنوا من ايقاع خسائر مهمة في الجانب الاسرائيلي. وبذلك شكلت انتفاضة الأقصى تحولاً مهماً. حاصرت المدرعات الاسرائيلية مخيم بلاطة ظهر يوم الخميس، وتم تدمير مولد الكهرباء الذي يغذي المخيم بالكهرباء، ورفضت أغلبية السكان المغادرة، وفي المقابل نجح مقاتلو الانتفاضة بالخروج وتحصنوا في مكان آمن. وفي الساعة السادسة مساءً اقتحمت وحدة من الجيش الاسرائيلي منزل ايمان خطيبة سامي، التي واجهت الجنود بشجاعة فكبلوا يديها وحبسوها هي ووالدتها وعائلة شقيقها في غرفة واحدة ولمدة أربع وعشرين ساعة، احتل عشرون جندياً المنزل، أحدهم طبيب عسكري عرض على ايمان العناية بالأطفال، فردّته بجفاء «ان الأطفال بحالة جيدة، ولكن ان أردت لهم الخير حقيقة فانه من الأفضل ألا تكون موجوداً هنا». أحدهم يمسك صورة مؤطرة لخطيبها الشهيد، وهو يحمل سلاحاً، يقطع الصورة وتجمع ايمان القطع الممزقة لصورة الرجل الذي أحبته واستشهد. ويدور الحوار عنيفاً بين ايمان والجندي الاسرائيلي الذي يسألها عن مصير سلاح سامي ويتهمه بالارهاب بينما ترد هي بأنه محارب شهيد. وتتوجه ايمان نحو ابن أخيها شمس ذي الأربعة أعوام والذي وجدته متجمداً من الخوف، ولا يرفع رأسه ونظره مسلط على الأرض فقالت له: «شمس، ارفع رأسك، وانظر الى الجنود، يجب الا تخاف، انهم أناس مثلنا، انظر لهم سيقان واذرع وعيون، انهم ليسوا وحوشاً، انظر اليهم وتوقف عن الخوف». ينتهي حصار المخيم صبيحة يوم الاحد، يترك الجيش بيتين مخربين، تحطم الأثاث فيهما، وتم تمزيق الكتب المدرسية وجوازات السفر الفلسطينية، وتمخضت العملية الاسرائيلية في المخيمين عن واحد وعشرين قتيلاً منهم تسعة عشر فلسطينياً واسرائيليان، وبين الفلسطينيين طفلة في الثامنة من عمرها، وتم جرح أكثر من مائتي فلسطيني، اضافة لما قام به الجيش من هدم لجدران المنازل، كي يمر من منزل الى آخر بين الوحدات السكنية دون ان يتعرض لنيران الطلقات. وحينها صرح قائد المنطقة الوسطى آسحق ايتان «قيل بأنه لا يمكن الاستيلاء على المخيم، ولكن تبين ان الأسد تحول الى أرنب». وعلى الرغم من فداحة الخسائر، الا ان الجيش لم يحقق أهدافه فيما يتعلق بالقبض على النشطاء والاستيلاء على الاسلحة. وفي المقابل تزايدت العمليات التفجيرية: السبت 2 مارس عملية (استشهادية) تودي بحياة تسعة اشخاص في القدس الغربية، الاحد 3 مارس فلسطيني مزود ببندقية يرجع تاريخها الى الحرب العالمية الثانية، يقتل سبعة جنود اسرئيليين وثلاثة مستوطنين عند حاجز اسرائيلي في شمال رام الله، الاثنين 4 مارس يفجر فلسطيني نفسه في باص عند العفولة، وآخر يقتل ثلاثة اشخاص في تل ابيب، ومن غزة قصف مدن اسرائيلية بصواريخ محمولة على الكتف. وردود الفعل الاسرائيلية عنيفة وسريعة، ويبدو ان العنف المشحون بالثأر قد دخل مرحلة لا يمكن الرجوع عنها أو كبتها. نموذج حزب الله تلاشى الأمل الذي ازدهر عقب مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية، والتي طرحت اقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل مقابل انسحابها من جميع الأراضي المحتلة عام 1967. تلاشى الأمل بعد تزايد وتيرة العنف بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، فمنذ اندلاع الانتفاضة في مارس 2000 وحتى مارس 2002 قتل (1709) منهم (1260) فلسطينياً، و(416) اسرائيلياً هي حصاد سبعة عشر شهراً من المواجهات وحصد الأرواح، وتؤثر الاجراءات التي يفرضها الجيش الاسرائيلي على مجمل السكان الفلسطينيين، وعلى سير الحياة اليومية في الأراضي الفلسطينية، والحواجز الاسرائيلية تشل حركة الناس والبضائع وبالتالي تمنع النشاط الاقتصادي وتعيق الحياة اليومية. يظهر الاسرائيليون أحياناً الوحشية او النية لاذلال الفلسطينيين، ان التدمير الجماعي لمنازل الفلسطينيين في المخيمات يغرق أصحابها في الاضطراب والبؤس، ويتزايد العنف الاسرائيلي باستخدام اساليب قمع غير مسبوقة، ويحاول الجيش الاسرائيلي سحق ثورة الفلسطينيين، فيطلق الرصاص الحي على المتظاهرين العزل ويقصف أهدافاً مدنية فلسطينية، ويسعى لتصفية نشطاء فتح وحماس، ويقتحم ويجتاح مناطق الحكم الذاتي. ومحصلة كل ذلك المزيد من حصد الأرواح واحداث الخسائر في الممتلكات. وفي الخامس من مارس 2002 وعلى اثر اسبوع دموي، أعلن أرييل شارون بأنه يتوجب على الفلسطينيين المعاناة نتيجة الضربات القاسية التي سيتعرضون لها، لأنه بدون ان يشعر الفلسطينيون بالهزيمة فاننا لا نستطيع العودة الى طاولة المفاوضات. وتهدف اسرائيل من تكثيف ضرباتها الى انهاك المجتمع الفلسطيني، ومع ذلك فانه ليس من المؤكد ان تحقق هذه الاستراتيجية النتائج المرجوة على المدى القريب. وهي على المدى البعيد ستؤدي الى طريق مسدود، فلا يمكن حل المسألة الفلسطينية باستخدام الحل الأمني البسيط، ونتيجة للقمع الاسرائيلي يتفشى العنف وتزداد وتيرة العمليات (الاستشهادية) في اسرائيل، ويتعاظم نشاط شباب التنظيم في مهاجمة المواقع العسكرية والمستوطنين المتواجدين في المناطق الفلسطينية. وفي صفوف الجيش الاسرائيلي حركة تذمر، فهم يشعرون بأنهم في المصيدة، وفي المجتمع الفلسطيني تبرز ظواهر جديدة للتطرف، فكتائب شهداء الأقصى (الجناح العسكري لفتح) والتي تشكلت عام 2001 تتبنى طرائق الاسلاميين في تنفيذ عمليات (استشهادية) عمياء ضد اسرائيل، فاللجوء الى نموذج «الشهيد» الذي يضحي بحياته من أجل مقاتلة العدو واختيار أهداف مدنية خارج الأراضي المحتلة عام 1967 هو بمثابة تحول في عملية تنظيم فتح، وذلك نتيجة اندفاع الشباب المتحمس المقاتل الذي يتجاوز تعليمات وبرنامج القيادة السياسية. ومروان البرغوثي الموصوف بزعيم الانتفاضة، أيّد حصر الأعمال العسكرية لفتح في اطار الضفة وغزة وضد المواقع العسكرية والمستوطنين، ولكنه في ظل الهجمات الجديدة لكتائب شهداء الأقصى داخل اسرائيل، لحق بالركب وشجع هذه العمليات ويشار ايضاً الى ما هو جديد، فالجناح العسكري لفتح يستقطب الفتيات الشابات، وهذا يؤكد استعداد الفلسطينيين العالي للتضحية بحياتهم في معركتهم ضد اسرائيل. وحقيقة فان رهان عدد من الفلسطينيين يتشابه ظاهرياً مع رهان شارون وهو:ان قتل أكبر عدد ممكن من الاسرائيليين هو الطريق الوحيد لحمل الدولة العبرية على تقديم التنازلات الضرورية. وهذا الحساب يشمل أيضاً زيادة الضغط على المجتمع الاسرائيلي مقابل الكلفة الأخلاقية والانسانية الذي يمثله احتلال الضفة وغزة، وضمن هذا الاطار يمثل حزب الله النموذج، فهو الذي استطاع في جنوب لبنان من خلال مثابرته في مقاومة اسرائيل ان يفرض عليها الانسحاب دون قيد أو شرط، هذا التحليل ليس خاطئاً بالكامل فحركة احتجاج الاحتياط في الجيش الاسرائيلي، التي ترفض الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة، وحركة الأمهات الاسرائيليات تشيران الى تزايد الاسرائيليين الرافضين لدفع ثمن الحرب. والعنف من وجهة نظر الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني يعتبر استراتيجية مربحة وفعالة لاجبار الآخر على التخلي والتنازل. وبالتالي القبول بالشروط التي يفرضها هو، والاحتمال الوارد انه على المدى المتوسط وتحت تأثير الضغط الدولي سيعود الطرفان الى المفاوضات ويتوصلان الى شكل من الاتفاق السياسي الذي يفضي الى تحقيق سيادة فلسطينية.